LOGINنظر إليه الأب حازم بتركيز، وكأنه يحاول اختراق أعماقه لوهلة، بدا مقتنعًا أن ليث لا يكذب، لكنه تنهد وقال بصوت أكثر هدوءًا:
ـ "أخبرتك مرارًا أن تتحكم بغضبك، أن لا تدع الطاقة السلبية تسيطر عليك … أليس كذلك؟" خفض ليث رأسه، صوته امتلأ بالحزن: ـ "لم أستطع … إنه يؤذيني دائمًا … لماذا لا تطلب منه أن يتركني وشأني؟ لا ألعب معهم، لا أقترب منهم، لكنهم لا يكفون عن مضايقتي … الجميع ينظر إليّ كأنني شخص سيئ، هل أنا كذلك؟ لما لا أحد يحبني؟" شعر الأب حازم بشيء يوجعه في قلبه نظر إلى الطفل الجالس أمامه، الذي رغم كل ما يتحمله، لا يزال يسأل لماذا لا يُحَب؟ دون تفكير، اقترب وجثا على ركبتيه، ضم ليث إلى صدره بحنان وقال بهدوء: ـ "لا، أنت لست شخصًا سيئًا … أنا أحبك كثيرا ، وغدًا سأحضر لك هدية." لكن ليث لم يكن مقتنعًا، هز رأسه والدموع تنساب على خديه وقال ـ "لن يكون لها فائدة … أي شيء تعطيني إياه، سيأخذونه مني … سيضربونني إن حاولت الاحتفاظ به … أنا أكره هذا المكان." ظل الأب حازم صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصوت جاد: ـ "سأفعل كل ما بوسعي لكي لا يزعجك أحد … لكن عدني أن تكون طفلًا جيدًا، أن يبقى قلبك طيبًا مهما حدث." نظر ليث إلى وجه الأب حازم، لكنه شعر بشيء غريب … وكأن الرجل يخفي عنه شيئًا وكأنه يعلم أكثر مما يقول. تنهد، ثم قال ليث بصوت هادئ لكنه محمل بالريبة: ـ " يقولون أنك لا تريدني هنا أيضًا … وأنك السبب في كل ما يحدث لي." تجمد الأب حازم، نظرة صدمة واضحة في عينيه للحظة، بدا وكأنه سمع شيئًا لم يكن يتوقعه، أو ربما … كان يخشى أن يسمعه يومًا. ـ "هل تتكلم عن الكوابيس؟" نظر ليث إليه بتوجس : ـ "أنت تعرفهم، أليس كذلك؟ من هم؟" نهض الأب حازم بسرعة، مشى نحو النافذة، وكأنه يحاول إخفاء مشاعره وقال : ـ "لا تصدق ما تقوله الشياطين في أحلامك، هم يريدون التلاعب بك فقط … إنهم ابدا لم يكونو يعرفون الحقيقة." سأل ليث بصوت خافت لكنه مليء بالإصرار. "إذن، ما هي الحقيقة؟" استدار الأب حازم نحوه، نظر إلى الطفل الذي بدأ يكتشف شيئًا لا ينبغي له أن يعرفه بعد. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت ثابت: ـ "بإذن الله، سيكون كل شيء بخير … فقط ثق بالله." لكن في داخله، كان يعلم أن هذه لم تكن سوى البداية … وأن الحقيقة، مهما حاول إخفاءها، ستجد طريقها إلى ليث يومًا ما. في إحدى الليالي الهادئة، بينما كان الجميع نائمين، استيقظ ليث على وقع خطوات خافتة خارج مهجعه نهض بحذر وسار نحو النافذة ، حيث لمح ضوءًا باهتًا يومض بين الأشجار في الغابة المحيطة بالميتم. كانت هناك ظلال تتحرك بين الأغصان، خافتة لكنها واضحة، وكأنها تراقب المكان شعر ليث بقلبه ينبض بقوة، ليس خوفًا، بل انجذابًا غريبًا … وكأنه يعرف هؤلاء الأشخاص، وكأنهم ينادونه. تقدّم ببطء نحو النافذة، مدّ يده وكأنه يريد لمس أحد الظلال في تلك اللحظة، بدأ يسمع همسًا خافتًا، صوتًا عميقًا يتسلل إلى عقله، يغريه بالاقتراب. لكن فجأة، وسط ذلك الإغراء، سمع صوتًا آخر … آيات قرآنية تتردد من مكان ما. التفت بسرعة، وعندها لاحظ أن الظلال كانت غاضبة، تتحرك بجنون، وكأنها تحاول منعه من الاستماع تحول الضوء الخافت إلى ظلام كثيف، والمكان أصبح مخيفًا، الهواء ثقيلًا، وليث بدأ يصرخ، لكن صوته لم يكن يخرج. وفي تلك اللحظة… كانت صورة مروعة تُرسم في الغرفة. ليث كان معلقًا في الهواء، جسده يرتجف بشدة، عيناه انقلبتا إلى بياض ناصع، وكأن شيئًا يسكنه كانت الغرفة تهتز بعنف، والأثاث يتحرك وحده. عند الباب، وقف الأب حازم، يقرأ القرآن بصوت قوي، وإلى جانبه رجال آخرون، وجوههم متوترة لكنهم ثابتون. تقدم الأب حازم، اقترب من ليث وقال حازم: "أنا لن أسمح لهم بأخذك، سمعتني يا ليث؟ لن تكون كما يريدون!" ثم واصل تلاوة القرآن، وصوته يعلو أكثر فأكثر كانت الظلال تموج حول الغرفة تصرخ بلا صوت، حتى بدأ كل شيء يهدأ ببطء … ليث أغمض عينيه، جسده عاد إلى طبيعته، سقط على الأرض وهو يتنفس بصعوبة. كان ليث يعلم أنه مختلف، والأطفال لم يترددوا في تذكيره بذلك نوباته كانت تأتيه فجأة، جسده يتشنج، عيناه تتحولان إلى بياض مخيف، والهمسات تتحول إلى صراخ، إلى ضحكات ساخرة، إلى نظرات خوف ونفور لم يكن يعرف لماذا يحدث ذلك له، لكنه كان يشعر بالألم، وكأن شيئًا داخله يتمزق في كل مرة يحاول المقاومة. حازم كان الوحيد اللذي لم يكن يخافه، بل كان يحاول حمايته كان يطلب منه دومًا أن يتحكم في أحاسيسه السلبية، أن لا يسمح للحزن والكوابيس بابتلاعه .. لكن كلما قاومها، كلما شعر بألم أعمق، وكأن روحه تتمزق تحت وطأة صراع لا يراه أحد سواه. بعدما هدأت الأوضاع وخرج الجميع، جلس ليث على الأرض يلهث من التعب، وعيناه معلقتان بالسقف كأنه يبحث عن إجابة بين ظلال الغرفة شعر بثقل في صدره، وكأن شيئًا غير مرئي كان يحاول سحبه إلى الأسفل التفت نحو حازم، الذي كان يقف بجواره بهدوء، فتمتم بصوت خافت يكشف عن إحباطه: ـ مجددًا... ابتسم حازم، ابتسامة لم تكن ساخرة ولا مريحة، بل مطمئنة بطريقة ما، ثم ق ال بثقة: — لا تقلق، أنا أتحكم في الوضع .لكن تلك الليلة، عندما مدّ جلال يده في الحلم وأخذ النجمة وأدخلها إلى محله، انهار كل شيء رأى جسده يسقط بين الركام، رأى ألسنة اللهب تأكل كل ما بناه.استيقظ وهو يلهث، قلبه ينبض بجنون.لأيام، بحث عن تفسير، زار الشيوخ واحدًا تلو الآخر، وكلهم طردوه دون أن ينبسوا ببنت شفة لم يكن ذلك عاديًا … لماذا يرفض الجميع الحديث؟وفي الليلة التالية، تغير الحلم.ظهر الطفل من جديد، لكن هذه المرة، عندما مد يده بالنجمة، لم يأخذها جلال خاف من أن يتكرر الدمار لكنه تكلم أخيرًا جلال ، وسأل الطفل:ـ من أنت؟لم يجبه. لكن الطفل قال شيئًا آخر:ـ يجب أن تأخذ النجمة.جلال بتردد يقول :ـ ولماذا؟ لو أخذتها سينهار كل شيء!لكن الطفل لم يرد، فقط استدار ببطء نحو باب الملهى ، ليقول جلال :ـ إن كنت تريدني أن آخذها، فادخل معي لترى بنفسك ما سيحدث!وللمرة الأولى، دخل الطفل.لكن لم يكن هناك دمار … بالعكس، رأى المحل يزدهر امتلأ بالناس، الأموال تتدفق، الأضواء أكثر سطوعًا رأى نفسه في وسط كل ذلك، أقوى، أغنى، أكثر سطوة.ثم استيقظ…كان غارقًا في العرق، أنفاسه ثقيلة. لم ينتظر طويلًا، بل قفز من سريره وارتدى ملابسه وذهب إلى أحد الرجال الذي
توقف للحظة، كأن ذاكرة ما اشتعلت في رأسه مشهد قديم، صوت ضحكات، رائحة السكر الممزوجة بدفء العائلة.وفجأة ...كل شيء أصبح أسود.شهقة قوية.ليث فتح عينيه بسرعة، أنفاسه كانت مضطربة، قلبه ينبض بجنون كان في سريره، العرق يتصبب من جبينه.جلس ببطء، يحاول استيعاب ما حدث.ـ "كان... كان مجرد حلم؟"نظر إلى يديه، كانت ترتجفان كان يشعر كأنه قد لمس رجل حقًا، كأنه شعر بجسده و أصابعه.لكن هذا مستحيل لم يلتقِ به قط.استيقظ ليث على إحساس غريب، دفء لم يعتد عليه منذ زمن.في نفس الوقت نجد توفيق قد حلم بنفس الحلم ويستيقظ هو أيضا مفزوعنرجع الي ليث فتح عينيه ببطء، ليجد نفسه في غرفة صغيرة لكنها مرتبة كانت الأغطية دافئة، ورائحة الطعام تملأ المكان قبل أن يحاول الحراك، انفتح الباب، ودخلت سيدة تحمل صينية طعام.تقدمت نحوه بحذر، ثم وضعت الصينية بجانبه وجلست بدت مترددة في البداية، لكن ملامحها سرعان ما تحولت إلى جدية وهي تقول:ــ لا أعلم من أنت أو ما يحدث معك، لكني رأيتك في الشارع وحيدًا تحت المطر في البداية، كنت أظنك مجرد شاب جائع، فحاولت أن أعطيك طعامًا لكن عندما رأيتك تتنهد بتعب ثم تنهار على الأرض، خفت أن تمرض أكثر،
المرأة لم تبدِ أي ردة فعل، فقط أشارت للرجل الضخم تحرك هذا الأخير بدون أي تردد، أخرج حقنة أخرى، وغرزها في رقبة حازم حاول المقاومة للحظة، لكن لم يستطع، وسقط بجانب توفيق بلا حول ولا قوة.نظر الرجل إلى المرأة وقال بصوت أجش:ـ هل آخذ المحقق أيضًا؟نظرت المرأة إلى توفيق، كان جسده مستلقيًا بضعف، لكنه لا يزال واعيًا بالكاد تأملته قليلًا ثم قالت ببرود:ـ أتركه … يكفيه ما مر به ليس الوقت المناسب لإخراجه من القصة لا نعرف كم يعلم ومن أخبر … لكن دوره قادم.ثم التفتت، وخرجت مع الرجل الضخم، ومعهم حازم تاركين وراءهما صمتًا ثقيلًا …لم يمر وقت طويل حتى بدأ العالم يتحد…ظهرت الأخبار في كل مكان، المواقع الإلكترونية، الصحف، وحتى نشرات التلفاز المسائية العناوين كانت مرعبة، وكأنها خرجت من كابوس"حريق غامض يلتهم مخزن ميتمً … !""اختفاء مشبوه لموظف مسؤول عن الميتم قبيل الكارثة!""شهود: رأينا ظلالًا تتحرك قبل اندلاع النيران!"في الشوارع، في المقاهي، في الأسواق، لم يكن للناس حديث سوى عن هذا الحدث الغامض البعض قال إنه مجرد حادث مؤسف، والبعض الآخر بدأ ينسج نظريات مرعبة عن تورط عصاباتـ "سمعتُ أن الموظف المختفي ك
حاول حازم الاقتراب من ليث او ما تبقى منه لانه أصبح شخصا أخر، لكن حازم لم يستطع التحرك شعر بشيء يلتف حول يديه، شيء غير مرئي، لكنه قوي فجأة، التوت يده اليمنى، تلتها الأخرى ... الألم كان لا يُحتمل، حتى سمع صوت العظام وهي تنكسر ، ليث كأنه بدأ يعي ما يفعله لحازم ليقول :ـ "توقف!"صوت ليث ارتفع بقوة، ومعه انهار حازم على الأرض، يتنفس بصعوبة، ويداه لم تعودا تتحركان رفع رأسه بصعوبة، همس بصوت يائس:ـ "أرجوك ... لا تفعل هذا ... لا تؤذِ من تبقى هنا."ليث إستعاد تحكمه لكن فات الاوان ضحك ليث، ضحكة خالية من الحياة، وقال:ـ "أنا لن أؤذي أحدًا هنا مجددا."ثم تحركرأوه يدخل أحد المخازن القديمة، يغلق الباب خلفه دقائق مرت، ثم بدأ الدخان يتسلل من الشقوق النار اشتعلت بسرعة، ألسنة اللهب أكلت الخشب كأنها تنتقم من شيء ما.الجميع استيقظ مفزوعينخرج الأطفال والبالغون، ووقفوا هناك، يراقبون مشهد الحريق كان يلتهم المخزن، الضوء البرتقالي انعكس في عيونهم، لكن أحدًا لم يقترب ، الكل يرى انهيار حازم ومحاولة دخوله الي المخزن لينقد ليث لكن لم يدعوه يدخل الا ان اتت الاطفاء أطفئت النيران لكن لايوجد الي الرماد .داخل غرفة ا
قبل أن يصل إلى مقعده، وقف في طريقه "سامر"، الصبي الذي لم يفوت فرصة أبدًا للتنمر عليه سامر كان أكبر منه قليلًا، أقوى، لكنه لم يكن بحاجة إلى قوته الجسدية، فقد كان يعرف نقطة ضعف ليث الحقيقية هي عزلته.ابتسم سامر ابتسامة ساخرة، مد يده وأخذ صحن ليث بكل بساطة، كما لو كان حقه.— "شكرًا لأنك أعطيتني حصتك!"قالها بنبرة مستفزة، قبل أن يقلب محتويات الصحن إلى صحنه، ثم رماه أمام ليث وكأنه شيء تافه لا قيمة له.تجمد ليث، نظر إلى الطعام الذي كان قد أصبح فوضى على الطاولة أمامه. كان جائعًا، معدته تؤلمه، لكنه لم يتحرك. لم يعد هناك فائدة من المقاومة.لم يكن هذا جديدًا عليه، كان يحدث كل ليلة تقريبًا لو قاوم، لو رفع صوته، لو حاول استعادته .. سينتهي به الأمر مضروبًا أو معاقبًا. تعلم ذلك بالطريقة الصعبة.استدار بهدوء، دون أن ينبس بكلمة، وابتعد عن الطاولة. الأطفال ضحكوا قليلًا، لكن سرعان ما عادوا إلى طعامهم، غير مكترثين لاختفائه. بالنسبة لهم، ليث كان مجرد قصة متكررة لا تستحق الانتباه.في الزاوية المظلمة من القاعة، جلس على الأرض، حيث لم يكن أحد يراه. لم يكن هناك ضوء كافٍ، فقط ظلال طويلة تمتد من زوايا الجدران،
توفيق، رغم كل شيء، لم يكن ساذجًا لقد رأى أشياء لم يكن يجب أن يراها، سمع أصواتًا لم يكن يجب أن يسمعها حدّق في حازم طويلاً، ثم قال بشك:— "لماذا يجب أن أثق بك؟"رد حازم دون تردد:— "لأنك وأنا في نفس الجانب نريد القضاء عليهم، كما فعلوا بنا."ظل توفيق صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم أخيرًا، أفلت قميص حازم ببطء. استدار عنه قليلًا، وكأنه غارق في أفكاره، قبل أن يتمتم:— "سأفكر في كل ما قلته ... لكن بما أنني وجدتكم، لن أترككم بسهولة."لكن بينما كان توفيق يغادر، كان ليث في مكان آخر، يتلقى رؤى غريبة، كأنها ضربات على عقله.رأى حازم في مكان مظلم، يحمل طفلًا رضيعًا بين ذراعيه، خطواته مترددة، لكنه يتقدم رغم ذلك أمامه كانت هناك ظلال تتحرك، كأنها كائنات حية بلا ملامح، بلا وجوه، لكنها مليئة بالشر.لم يكن ليث قادرًا على الحركة، لكن صوته في داخله كان يصرخ، يريد أن يوقفه، يريد أن يمنعه.لكنه لم يستطع.وبعدها، رأى حازم كان مجددا ينظر إليه بشكل شرير يكرر بصوت مختنق:ـ "أنت شيطان ... أنت شيطان ..."حازم يقترب ووجه أصبح يرعب ليث لكن فجأة عم صمت إختفى كل شيئ الأبواب أغلقت، والظلام ابتلع ليث وأخده لكن هذه المرة لم يكن