نيڤاريم( مملكة فاموريا)

نيڤاريم( مملكة فاموريا)

last updateLast Updated : 2026-09-29
By:  FARAHA HALAwLAwOngoing
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
34Chapters
333views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

نيڤاريم: مملكة فلموريا في عالم تحكمه الطقوس القديمة وتقاس فيه القوة بالأعمار، يولد البشر وهم يحملون عبء القرابين التي قدمها أسلافهم للكتاب العجيب : نيڤاريم. بين ممالك قامت على الدم، وأخرى سقطت بالخيانات، يتنازع الورثة والممالك والقبائل في صراع يتجاوز حدود الزمن والطبيعة. في قلب هذا العالم، تقف فلموريا، الإمبراطورية الذهبية التي ولدت من رماد الوحوش والبشر، تحكمها سلالة تحمل في دمها أثر القرابين الأولى

View More

Chapter 1

ريموندا

أشرقت الشمس شمس الشتاء الباهته تتراقص على كوخهم الصغير ، استيقظت ريموندا، تثاءبت، وقامت على عجل.

طوت الأغطية ورتّبت فراشها البسيط المفروش على الأرض،

ثم حملت كتابها الذي كان  ملقا على الأرض مفتوحا:

"يا ويلي! غابَ عن ذهنيّ  طيّ الكتاب قبل النوم."

انتبَهت إلى الشمعة المطفأة وقد احترقت حتى نهايتها.

ضربت جبهتها بكفها: "غبية، ريموندا! نسيتِ الشمعة مشتعلة... كانت قد تُسبّبت حريقاً !" ،وضعت الشمعة جانبًا وتلفّتت إلى أخيها، الذي كان قد تدحرج أثناء نومه حتى وصل عند باب الغرفة.

ابتسمت برفق، ثم اقتربت من رأسه وهمست بخبث:

"يا الهي ! صرصور!" استيقظ على الفور يتلفّت بذعر: "أين؟ أين الصرصور؟!"

ضحكت قائلة :"كنت أمزح!"

قال وهو يعقد ذراعيه: "حرام عليكِ..."

ردّت بدفعات خفيفة على ظهره:"هيا، هيا! اغسل وجهك وتجهّز."

خرجت إلى فناء الكوخ، فرأت والدها — وكالعادة — رائحة الكحول تفوح منه، وجسده مطروح نائمًا عند الباب، يبدو أنه لم يحتمل سُكره.

مرّت بجانبه بهدوء دون تعليق ، دخلت المطبخ، حضرت فطورهم الرتيب على عجل، ثم صاحت:"هيا للفطور، يا رين!"

جاء أخوها يتثاءب: "حسنًا، حسنًا..."

ألقى نظرةً خاطفة على والده، ثم تجاهله وبدأ بتناول إفطاره.

أما ريموندا، فدخلت مسرعة، وارتدت رداءً طويلًا غطّى جسدها حتى عنقها، فأخفى القلادة التي كانت تحتفظ بها سرًّا عن والدها. ثم انسدل غطاء الرأس ليرخي ظلاله على خصلات شعرها الأسود الكثيف المتموج.

التقطت سلّتها، وألقت نظرةً سريعة إلى انعكاسها في المرآة المكسورة، ثم خرجت مسرعة إلى أخيها، فألبسته معطفه وأمسكت بيده.

عند الباب، قفزا فوق جسد أبيهما بخفة، لأنه كان يغطّي العتبة، وخرجا مسرعين إلى يومهما سارت ريموندا بخطوات خفيفة وهي تمسك بيد أخيها بيد، وتضع السلة تحت إبطهابيد الاخرى.

قطعا الطريق معًا حتى وصلا إلى مبنى التعليم، حيث يتلقّى الأطفال دروس القراءة والكتابة وبعض الحرف اليدوية.

أشار رين وهو يبتعد:

— "إلى اللقاء!"

أجابت وهي تلوّح له:

— "إلى اللقاء، رين!"

ثم تابعت سيرها على عجل ، مرّت على مخبز الحي، وكان صاحبه العجوز البدين ما يزال يفتح الأبواب.

قالت مبتسمة:

— "صباح الخير، عمّ براد !"

التفت العجوز، وابتسم لها:

— "صباح النور، ريموندا! ذاهبة إلى العمل؟"

ردّت وهي تبتعد:

— "نعم!"

وصلت أخيرًا إلى المكتبة، دخلت مسرعة وسلّمت على موظف المكتبة . الذي. ما إن رآها حتى شرد في جمالها الهادئ البريء.

قالت وهي تضحك بخفة:

— "جاك؟"

انتبه فجأة وقال مرتبكًا:

— "ري... ريموندا! مرحبًا!"

أخرجت من سلّتها كتابًا وقالت:

— "أردت إرجاع هذا... لقد استمتعت جدًا بقراءته، شكرًا لك."

أجاب بخجل:

— "لا... لا عليكِ. أنا سعيد أنه أعجبك."

ساد صمت قصير، ثم قالت وهي تهمّ بالمغادرة:

— "يجب أن أسرع، البستان لن يقطف نفسه كما تعلم!"

بينما تمسك بمقبض السلة بكلتا يديها.

قال فجأة:

— "انتظري!"

تلفّتت باستغراب:

— "نعم؟"

خرج من خلف مكتبه وأشار بلطف نحو رفوف الكُتب : "لمَ لا تستعيرين كتابًا آخر؟"

ضحكت بخفة:

— "أنا خجلة منك، لا أدفع حتى تصريح الدخول، رغم أنه أرخص ما يكون... لا أريد أن أُثقل عليك."

لوّح بيده نافيًا:

— "لا لا، لا بأس. خذي ما تريدين."

ثم حك مؤخرة رأسه بخجل.

صمتت، ثم أخذت كتابًا سريعًا، ثم قالت وهي تبتعد:

— "شكرًا!"

ظلّ يلوّح حتى اختفت. بل ظلّ يلوّح في الهواء بعد غيابها

.

دخل صديقه أليكس، نظر إليه ثم إلى حيث كان يلوّح وسأله مازحًا:

— "ما بك، أيها الأحمق؟ فيم أنت شارد؟"

فزع جاك وقال:

— "متى أتيت؟ ولمَ تفاجئني هكذا؟!"

قال أليكس مبتسمًا:

— "منذ دقائق. رأيت ريموندا أثناء خروجي من المكتبة... أظنها سبب ارتباكك، أليس كذلك؟"

قال جاك وهو يتصبب عرقًا:

— "ماذا؟! لا... أيها الأحمق... ليس كما تظن."

ضحك أليكس ووضع مرفقه على كتف صديقه:

— "جاك، جاك... لا تكن معتوهاً. الخجل للنساء، لا للرجال. إن لم تبادر، فلن تفهمك."

خفض جاك رأسه، ثم عدّل نظارته وقال:

— "لكن... ماذا لو لم تكن لديها أي مشاعر نحوي؟"

زمّ أليكس شفتيه بتفكير مصطنع:

— "ربما... لكنك لن تعرف ما لم تحاول!"

نظر جاك إلى الطريق حيث مضت ريموندا، ثم تمتم:

— "معك حق..."

وصلت ريموندا إلى البستان.

— "مرحبًا، فتيات!"

ردّت الفتيات بصوت واحد:

— "مرحبًا، ريموندا!"

خلعت رداءها، حيث كانت تربط البندانة على شعرها الأسود الكثيف، وبدأت بقطف التفاح ووضعه في سلتها.

قالت فتاة بجوارها:

— "مرحبًا يا فتاة."

كانت الفتاة ذات شعر اشقر اللون يصل حتى الكتف وقوام متوسط ذات ملامح تنبض بالحياة وابتسامة مرحة لا تفارق وجهها .

ردّت ريموندا بابتسامة لطيفة:

— "مرحبًا "آنا."

قالت الأخرى بحماس:

— "يقولون إن الأمير سيمرّ من هنا غدًا! متحمّسة لرؤيته!"

ابتسمت ريموندا ابتسامة خفيفة:

— "كم هذا رائع... لكن، لماذا سيشرفنا بمروره؟"

رفعت أنا كتفيها بلا مبالاة:

— "لا أعرف، لكن من يهتم؟ أودّ فقط رؤيته! أكيد سيكون وســيماً!" واضعة كفيها على خديها بسرحان.

ضحكت ريموندا:

— "أكيد سيكون كذلك، فهو أمير... سيبدو وسيمًا في أعينكن على كل حال."

ثم تناولت تفاحة أخرى ووضعتها في السلة.

سمعن صوت المسؤولة تنادي:

— "من منكن ستوصل سلال التفاح؟ عدّوا أنفسكن!"

رفعت آنا يدها بسرعة، ثم رفعت يد ريموندا معها:

— "نحن الاثنتان!"

قالت ريموندا هامسة:

— "ماذا تظنين نفسك فاعلة؟"

لكن آنا وضعت إصبعها على شفتيها تطلب منها الصمت.

ثم دوى صوت المسؤولة وهي تقول:

— "حسنًا، ريموندا وأنا، أنتما ستقومان بذلك."

ثم بدأت تسجّل أسماء الأخريات، بينما تلفّتت ريموندا إلى آنا بعتاب:

— "ماذا تظنين نفسك فاعلة، يا أنا؟!

قالت آنا وهي تمسك بسلتها وتغمز:

— "أيتها الغبية، ألا تعلمين إلى أين ستُرسَل السلال غدًا؟"

نظرت ريموندا إليها للحظة، ثم عادت تقطف بصمت:

— "إلى أين يا ترى؟"

قالت آنا بحماس وقد فتحت عينيها على اتساعهما:

— "تخيّلي! إلى قصر الملك! هل تصدقين؟"

نظرت ريموندا قليلاً، ثم لم تقل شيئًا ، تفاجأت آنا من برودها:

— "يالَكِ من حمقاء! لا تقولين شيئًا؟ إلى القصر، ولا تهتمين!"

أجابت ريموندا بصوتها الهادئ وهي تتابع عملها:

— "ليس أنني لا أهتم... ربما فقط لا أجد سببًا لحماسك. لا أراه مبررًا."

استدارت آنا بغضب ووضعت يدها على خصرها:

— "كيف لا ترين سببًا؟ ها؟ تخيّلي!"

شبكت أصابعها وبدأت تدور بحركات مسرحية:

— "قد يرى الأمير إحدانا... ثم يقع في حبها... وتتغير حياتها تمامًا! مثل سندريلا!"

ضحكت ريموندا:

— "يالَك من غبية... الأمير خاطب فعلًا، من أميرة المملكة المجاورة. برأيك سيترك أميرة ويتزوج فلاحة؟"

عقدت آنا يديها أمام صدرها وقالت بحدة:

— "ما مشكلتكِ أنتِ؟! ألم تسمعي بالمعجزات والأحلام؟ ألستِ قارئة روايات؟ كيف لا يكون لديكِ خيال؟!"

ضحكت ريموندا بخفة:

— "لست ضد الأحلام، ولكن... يجب أن نكون واقعيين. الأحلام مثل البحر، إن غطسنا فيها كثيرًا، قد نغرق، وعندها ستصبح السباحة والعودة إلى أرض الواقع امرا مؤلمًا ومتعبًا. لذلك... لا نغطس كثيرًا."

أشارت آنا بكفها باستهزاء:

— "أنتِ مملّة!"

ردت ريموندا بابتسامة:

— "وأنتِ غير واقعية."

قالت آنا:

— "بل أنتِ المملّة!"

أجابت ريموندا:

— "وأنتِ الحالمة الزائدة!"

تبادلت الفتاتان نظرات حادة، ثم أشاحتا بوجهيهما... لكنهما لم تتحمّلا طويلًا، فانفجرتا بالضحك من ابتذال نقاشهما.

فجأة، جاء الصوت المعروف... صوت السيدة مولان، صاحبة البستان، امرأة بدينة ذات وجه صارم، صاحت بحدة:

— "هل أنتما تلعبان أثناء العمل، أيتها الساذجتان؟!"

ارتبكتا بسرعة، وعادتا إلى قطف التفاح، بينما تراقبهما بنظرة صارمة، ثم أدارت ظهرها وتوجهت لتفقد بقية الفتيات

أكملت الفتيات عملهن اخيرا، وكل واحدة بدأت تملأ سلتها ببقايا التفاح الذابل، كأنه غنيمة صغيرة تعود بها إلى أسرتها؛ فهي أشبه بجائزة لا تُمنح إلا في نهاية يومٍ طويل.

خرجْنَ من البستان وتفرقن في الطرقات، تبادلْنَ الوداع، وكل واحدة منهن اتجهت إلى وجهتها المعتادة.

وصلت ريموندا أخيرًا إلى منزل السيدة ميرندا، وهي تلهث وقد أحاطت السلة بكلتا يديها.

و عند الباب، اصطدمت بالسيدة التي كانت تهم بالخروج،

فنظرت إليها بحدة:

— "تأخرتِ اليوم يا ريموندا!"

قالت ريموندا معتذرة، بصوت خفيض متعب:

— "أنا آسفة، يا سيدة ميرندا...."

أجابت السيدة بصوتها الحاد المعتاد:

— "لا يهم... ادخلي بسرعة وابدئي العمل."

— "حاضر."

دخلت ريموندا، ثم خلعت رداءها، وباشرت العمل،بدات بمسح الأرضيات وهي تهمهم وتغني بخفوت... تحاول تخفيف وطأة التعب.

وفجأة، دوّى صوت مزعج من الطابق العلوي... كان صوت صوفيا، ابنة السيدة ميرندا، التي لم تعرف يومًا الكلمة الطيبة. فتاة متعجرفة، مدللة، تملك من الغرور ما يكفي لإزعاج قرية بأكملها.

خرجت صوفيا من غرفتها وهي تتثاءب بتكاسل، مدت ذراعيها ثم نظرت إلى ريموندا بمكر، وعقدت ذراعيها:

— "وصلتِ أخيرًا... أيتها الخادمة."

توقفت ريموندا عن التنظيف، ورفعت رأسها بهدوء:

— "هل تحتاجين شيئًا، يا صوفيا؟"

أمالت صوفيا رأسها بتصنع وكأنها تفكر:

— "دعيني أفكّر... آه، نعم، أريد فطورًا. ألا ترين أنني استيقظت تَوًّا؟"

أجابتها ريموندا بلطفها المعتاد:

— "ثوانٍ... وسيكون جاهزًا."

رمقتها صوفيا بازدراء، ثم التفتت وعادت لغرفتها.

بينما كانت ريموندا تحضّر الفطور، تسللت صوفيا نحو السلة الموضوعة جانب الباب، وراحت تعبث فيها بفضول.

فتحت السلة، وما إن رأت التفاح حتى عبست باشمئزاز:

— "يا إلهي! من يأكل تفاحًا ذابلًا؟ انظري إلى هذه المتسولة القذرة!"

أمسكت السلة وسكبت محتواها في القمامة دون تردد، ثم ألقتها بجانب سلة المهملات ، وعادت إلى الداخل وكأن شيئًا لم يكن.

دخلت ريموندا وهي تحمل الفطور بابتسامتها اللطيفة المعتادة، وقالت:

— "الفطور جاهز، يا آنسة صوفيا."

ردّت صوفيا ببرود:

— "حسنًا... دعيه هنا."

وضعت ريموندا الطعام بأدب، ثم غادرت بهدوء لتكمل عملها

وأخيرًا، انتهت ريموندا من تنظيف الأرضية، مسحت جبينها بطرف كفّها، ثم حملت سطل الماء استعدادًا لإرجاعه.

في تلك اللحظة، نزلت صوفيا من الطابق العلوي، وما إن رأت الأرضية تلمع، حتى ابتسمت بخبث، ثم راحت تلوّثها عمدًا ببقايا الحساء المتبقي في صحنها.

عادت ريموندا لتتفاجأ بالمشهد. نظرت إلى صوفيا بوجه حائر:

— "لكن... لماذا يا صوفيا؟ لقد أنهيت تنظيفها تواََ ."

رفعت صوفيا كتفيها بلا مبالاة:

— "انزلق من يدي... كفِ عن التذمر، نظفيه مجددًا. عليّ الذهاب إلى السوق."

تناولت معطفها المعلق عند الباب، وخرجت بخطوات سريعة .

في طريقها، تصادمت بوالدها عند المدخل. ألقت عليه تحية سريعة بلا اهتمام، وتجاوزته إلى الخارج.

دخل ويليم إلى المنزل، ليجد ريموندا منحنية، تمسح الأرض مجددًا، مختنقة بالدموع.

— "ريموندا؟"

استدارت على عجل، ومسحت دموعها بطرف كُمّها، ثم وقفت تضم يديها أمامها باحترام:

— "مرحبًا، سيد ويليم."

تلفّت في الأرجاء، وحدّق فيها:

— "ما بالك؟ هل كنتِ تبكين؟"

هزّت رأسها نفيًا:

— "لا..."

قال وهو ينزع معطفه ويعلّقه:

— "حسنًا... أنا في الأعلى، إذا أنهيتِ تنظيف المنزل، حضّري لي كوب قهوة وأحضريه لي."

هزّت رأسها بصمت:

— "حسنًا، سيد ويليم."

صعد إلى الطابق العلوي، بينما أكملت هي تنظيف الأرض.

ما إن أنهت، حتى أعدّت القهوة، وصعدت بها إلى ويليم، ثم انطلقت  إلى السوق.

لكن، وهي خارجة عند الباب، وجدت سلتها ملقاة بجانب سلة المهملات، والتفاح مبعثر داخل سلة المهملات .

ركعت بسرعة، وبدأت تجمع الثمار، تمسحها بثوبها وعينها دامعة:

— "لكن... لماذا؟ من الذي فعل هذا؟"

أعادت التفاح إلى السلة واحدة تلو الأخرى، تنفض عنها

الغبار وتكتم حزنها، حين مرّ بها أحد المارة، نظر إليها

باشمئزاز، وقال:

— "يأكلون من القمامة، ثم يمرضون وينشرون لنا الأمراض... تبا!"

تجمدت ريموندا في مكانها لثوانٍ، وكأن كلماته أوجعتها أكثر من أي سكين.

لكنها لم ترد، بل خفضت رأسها، وأكملت ما تفعله بصمت، ثم حملت سلتها واتجهت إلى السوق.

تسوّقت ريموندا كعادتها، وأكملت يومًا آخر من الروتين القاسي. كانت عائدة إلى البيت، تحمل سلةً تحتوي بقايا الطعام من عند السيدة ميرندا والتفاح الذابل   —ذاك ما اعتادت عليه من أجل العشاء.

عند باب المنزل، تفاجأت برؤية خالها السيد هنري واقفًا، يرتدي معطفا اسود طويلا وقبعه سوداء دائرية حادة الحواف يبتسم ابتسامةً دافئة غمرت وجهه:

— "يا إلهي، ما هذا الجمال؟ إنها ابنة أختي الصغيرة!"

ابتسمت له ريموندا بلطف:

— "مرحبًا بك يا خالي."

كان يخفي شيئًا خلف ظهره، ثم سألها بمرح:

— "أتدرين ما الذي أخفيه؟"

هزت رأسها بخجل:

— "لا أدري، يا خالي."

ضحك وقال:

— "انظروا إلى هذه الخجولة..."

ثم أخرج من خلف ظهره كُرّاسًا ضخمًا ذو غلاف مزخرف وقلمًا أنيقًا.

تفجّر وجه ريموندا بالسعادة، وضعت السلة جانبًا وأخذت الكرّاس بكلتا يديها، ثم ضمّته إلى صدرها بقوة:

— "يا خالي... لقد أسعدتني حقًا! لا تصدق كم كنت أتمنى هذا!"

ضحك وهو يضع يديه خلف ظهره:

— "ابنة أختي تريد أن تصبح كاتبة... أتُحرَم من القلم والورق؟!"

ضحكت مجددًا، واحتضنت الكرّاس وكأنه كنز.

صمت هنري لوهلة، وكأن شيئًا ثقيلًا مرّ في ذهنه، ثم

سألها:

— "ألم تتواصل معكِ والدتكِ مؤخرًا؟"

خفضت رأسها ببطء، وهزّته نفيًا، بعينين حزينتين.

وفجأة، انقطع المشهد بصوت والدها السيد جيمس، يصرخ من بعيد:

— "ماذا يفعل أخو تلك الساقطة أمام بيتي؟!"

كان آت مترنّحًا من أثر الكحول، يتمايل يمينًا ويسارًا.

هنري ابتسم لها بحنان:

— "حسنًا، صغيرتي... إلى اللقاء."

ثم مرّ بجوار جيمس الذي لم يكف عن شتمه ولعنه، لكن هنري تجاهله، ومضى.

ريموندا لم تجرؤ على التحديق أكثر، التقطت سلتها بسرعة ودخلت إلى البيت، خبّأت الكرّاس والكتاب في غرفتها، ثم خرجت وهي ترتجف.

دخل جيمس وهو يترنّح ويستند على الباب، ثم صاح بصوت غليظ:

— "أيتها البغيضة الصغيرة... هل تشتاقين إلى أمك؟! تلك التي تخلّت عنكِ؟! تتواصلين مع أخيها، أيتها الحقيرة؟!"

تلفّت في المكان، ثم التقط عصًا:

— "سأُريكِ الآن!"

كان رين يلعب مع بقية الاطفال في الشارع لكنه هرع، إلى الداخل بعد أن رأى المشهد فقال صارخا :

— "أبي! أرجوك لا تضرب أختي! أرجوك!"

لكن الأب استدار نحوه بعينين مخمورَتين:

— "أتعترضني أيها الحثالة؟!"

ثم بدأ ينهال عليه بالضرب. ريموندا قالت وهي تصرخ:

— "لا! أرجوك، لا تضربه يا أبي!"

أسرعت نحو رين، واحتضنته بقوة تحميه بجسدها الصغير، بينما استمر جيمس بضربهما معًا. كان رين يبكي:

وهو يتمتم "أرجوك... توقّف!"

لكن جيمس لم يتوقف إلا بعد أن أنهكه الغضب والإعياء. ركل السلة عند الباب، فتناثر التفاح وبقايا الطعام على الأرض.

تابع الى الداخل مترنّحًا، يلعن كل شيء... يلعن أم ريموندا، ويلعن حياته..

بعد كل ما تلقّته من ضرب، وبعد أن انتهى عشاءهم بتناول التفاح الذابل الملقى أرضًا، نام رين في حضن ريموندا وهو يشهق ببكاء مكبوت.

نظرت إليه بعطف، وراحت تمرّر يدها على شعره بلين. كان صغيرًا لا ذنب له، مجرد طفل بريء شاءت الأقدار أن يولد في بيتٍ مليء بالكسر والغياب.

فبعد أن هجرت والدة ريموندا والدها، تزوّج بأخرى بعد فترة قصيرة، وأنجب منها رين. لكن الأم الجديدة لم تمكث طويلًا، إذ غادرت هي الأخرى، لتجد ريموندا نفسها أماً لطفلٍ لم تلده، وهي الان لم تتجاوز السابعة عشرة.

ربّته على قدر قلبها، لا على قدر عمرها.

بهدوء، حرّكت جسدها لتسحب نفسها من تحته دون أن توقظه، ثم جلست وأخرجت ورقة صغيرة من تحت وسادتها. كانت تلك الورقة جدولًا بعنوانين: الأحلام والواجبات.

تحت عنوان الأحلام، كانت هناك قائمة بأمنياتها البسيطة:

    •    مرآة جديدة

    •    كتاب "الملك" (وليس بالإعارة)

    •    فستان جديد

    •    تفاح طازج

    •    إكسسوارات

    •    بندانة جديدة

    •    حذاء

    •    كرّاس

    •    جمع المال للسفر إلى منطقة والدتها

تناولت القلم، وأشارت بعلامة (✔) بجانب الكراس.

ثم أمعنت النظر إلى رين النائم، وقد بدا أن ملابسه كلها مرقعة. تنهدت، ثم كتبت تحت عنوان الواجبات:

    •    ملبس جديد لـ رين

أعادت الورقة إلى مكانها تحت الوسادة، ثم أنزلت رأس رين على الوسادة بلطف، وتسللت بهدوء إلى زاوية الغرفة حيث تخبئ حصالتها الصغيرة بعيدًا عن عين والدها.

فتحتها برفق، وأخذت تعدّ ما ادخرته، تتمتم لنفسها:

— "غدًا... أحتاج فستانًا جديدًا من أجل الحفل في الحي."

نظرت إلى فستانها الوحيد المعلّق، كان مرقعًا بشكل واضح. فتحت خزانتها، تفقدت ما تملك: ثلاثة فساتين، وكلها رقع فوق رقع.

تنهدت ببطء... ثم ابتسمت.

— "يجب أن أشتري فستانًا جديدًا... ولو مرة واحدة فقط.

********

فتحت عينيها على صياح وضجيج. كان والدها يقلب أغراضها بعشوائية، يفتش بعنف، يتنفس كمن يلهث من الجنون.

نهضت بسرعة.

— "أبي؟! ما الذي تفعله؟! توقف!"

حاولت إيقافه، لكن عبثًا... دفعها بعنف فارتطم جسدها بالحائط.

صرخ، وعيناه تقدحان شررًا:

— "أين أخفيتِ المال؟ تحدثي!"

ردّت وهي ترتجف، بالكاد تقدر على الوقوف:

— "أبي... أنا لا أملك أي مال... فـ-فقط..."

قاطعها بصراخ مجنون، تهجم عليها، فغطّت رأسها بذراعيها تدافع عن نفسها.

— "لا تملكين أي مال؟! إذًا لماذا تعملين؟ كيف أصدّق هذا؟!"

بصوت مختنق وهي تحاول شرح ما لا يُفهم:

— "أنا... أنا أدفع ثمن الطعام، والشراب... وتعليم رين..."

صفعها بقوة:

— "تعليم؟! ومن طلب منك أن تعلّميه، أيتها اللعينة؟!"

فتح رين عينيه على مشهدٍ صار له روتينًا... بلا نهاية.

ركض بسرعة، احتضن ريموندا من خصرها وهو يبكي بشهقات صغيرة:

— "دعها... لا تضرب أختي!"

ضمّته ريموندا بقوة، تحتضنه وكأنها تحاول أن تحميه من العالم بأكمله.

أما الأب، فاستمر في البحث كالمجنون... حتى وقعت عينه على الكرّاس.

أمسكه بغلّ، رفعه أمامها:

— "هاه! تضعين المال هنا، في هذه التفاهات؟!"

ركضت إليه محاولة منعه:

— "لا! أرجوك... أبي، لا تفعل!"

لكن كان الأوان قد فات، مزّق الورقات الواحدة تلو الأخرى أمام ناظريها.

— "أبي... أرجوك... لا، هذا الكرّاس... أرجوك!"

كان صوتها يختنق بالبكاء، حتى سقطت على الأرض تجمع قصاصات الورق الممزقة، تحتضنها بصدرها المرتعش.

همست لنفسها وسط دموعها:

— "أبي... لم يكتفِ بأنه لم يحقق لي أي حلم... بل حتى ما حققه لي غيره، مزّقه بيديه."

اقترب رين منها، واحتضنها من الخلف باكيًا:— "أنا آسف، ريموندا... آسف جدًا." بقي الاثنان على الأرض... يبكيان****

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
34 Chapters
ريموندا
أشرقت الشمس شمس الشتاء الباهته تتراقص على كوخهم الصغير ، استيقظت ريموندا، تثاءبت، وقامت على عجل.طوت الأغطية ورتّبت فراشها البسيط المفروش على الأرض، ثم حملت كتابها الذي كان ملقا على الأرض مفتوحا:"يا ويلي! غابَ عن ذهنيّ طيّ الكتاب قبل النوم."انتبَهت إلى الشمعة المطفأة وقد احترقت حتى نهايتها.ضربت جبهتها بكفها: "غبية، ريموندا! نسيتِ الشمعة مشتعلة... كانت قد تُسبّبت حريقاً !" ،وضعت الشمعة جانبًا وتلفّتت إلى أخيها، الذي كان قد تدحرج أثناء نومه حتى وصل عند باب الغرفة.ابتسمت برفق، ثم اقتربت من رأسه وهمست بخبث:"يا الهي ! صرصور!" استيقظ على الفور يتلفّت بذعر: "أين؟ أين الصرصور؟!"ضحكت قائلة :"كنت أمزح!"قال وهو يعقد ذراعيه: "حرام عليكِ..."ردّت بدفعات خفيفة على ظهره:"هيا، هيا! اغسل وجهك وتجهّز."خرجت إلى فناء الكوخ، فرأت والدها — وكالعادة — رائحة الكحول تفوح منه، وجسده مطروح نائمًا عند الباب، يبدو أنه لم يحتمل سُكره.مرّت بجانبه بهدوء دون تعليق ، دخلت المطبخ، حضرت فطورهم الرتيب على عجل، ثم صاحت:"هيا للفطور، يا رين!"جاء أخوها يتثاءب: "حسنًا، حسنًا..."ألقى نظرةً خاطفة على والده، ثم تج
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
زنزانة
وبعد دوّامة البكاء التي شاركتها مع أخيها، مسحت ريموندا دموعها وغسلت وجهها. ما من وقت للانهيار... فالحياة لا تنتظر، ولا تمنح أحدًا رفاهية التوقّف. أعدّت فطورًا بسيطًا بما توفر في المطبخ، ثم تنبّهت إلى أن البرد اشتد — الشتاء على الأبواب.ارتدت معطفها القديم المهترئ، وغطّت به رأسها . ثم ساعدت رين في ارتداء معطفه هو الآخر، وأمسكت بيده، لينطلقا معًا إلى روتين يومٍ جديد.عند البستان، كانت السلال تُحمّل إلى العربات استعدادًا للتوصيل.دخلت ريموندا بابتسامتها المعتادة — تلك الابتسامة التي تخبّئ خلفها هشاشة قلبٍ متعب. لم يكن أحد ليسمع شكواها، لذا فضّلت الصمت.لفتت آنا انتباهها وهي تحمل إحدى السلال:— "لماذا لم ترتدي ثيابًا أفضل؟"رمشت ريموندا مرتين، لم تفهم.أكملت آنا وهي تضرب جبينها بيدها:— "يا غبية، نسيتِ؟"لدينا حفل اليوم ،ثم همست:— "وسنذهب إلى القصر اليوم!"هتفت ريموندا، وقد فهمت أخيرًا:— "لكن... الحفل في المساء، أليس كذلك؟"وضعت آنا يديها على خصرها وقالت بسخرية:— "هل وُلدتِ غبية، أم أنه مجهود شخصي؟! نحن ذاهبتان إلى قصر الملك، ولفتَ نظرك الحفل الراقص مع الفلاحين؟!"ضحكت ريموندا بخفة وق
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
وصمة عار
ظلت تتراجع إلى الخلف، خطواتها الصغيرة تتعثر في بلاطٍ بدا وكأنه يذوب تحتها، وصوته يزحف خلفها كهمس الأفاعي:— "لقد دفعت لوالدك لقاء هذا..."اتسعت عينا ريموندا، تراجع النور منهما فجأة، كأن روحها شُطِبت ، وضعت كفيها على فمها، محاولة كتم شهقة الخذلان...في داخلها، شيء تكسّر بصوتٍ لم يسمعه أحد، لكنها سمعته جيدًا."لماذا يا أبي؟"ترددت الجملة في ذهنها كجرس جنازة ، واصلت تراجعها...حتى اصطدمت بطاولة ارتجّ قلبها.كان هناك حامل شموع فضي.أمسكته ، رفعته ، وضربت ، ارتد رأسه للخلف، وسقطت منه صرخة مفترسة:— "أيتها المتسولة الصغيرة! كيف تجرؤين؟!"استغلت اللحظة...ركضت ، صوت قدميها كأنهما نداء النجاة ، دموعها كانت تسبقها سقطت الوردة التي كانت على شعرها وردة صغيرة... لكن ذابلة تمامًا.خرجت من المنزل ، الشارع صامت، والثلج بدأ في السقوط ، رآها السيد براد، الخباز، وهو يغلق المخبز. تمتم بقلق:— "ريموندا؟"لكنها لم تسمع...أو ربما لم تكن مستعدة لسماع شيءدخلت منزلها،أغلقت الباب،ودخلت غرفتها ، وجلست في الزاوية، تضمّ ركبتيها، وتدفن رأسها بينهما تبكي... بصمت ، حتى البكاء لديها خاضع لقوانين.لم تنم ، عيناها ظلّتا م
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
غدرة
توقفت في مكانها، رفّت عيناها، واستدارت نحوه ببطء، متسائلة بعينيها قبل لسانها:— "ماذا تقصد...؟"أشار براد إلى الكرسي أمامه قائلا :— "اجلسي، ما زال أمامنا ما يجب أن نتحدث فيه."وبعد ان جلست ريموندا حيث إشارة قال السيد براد وهو يبتسم:— "اسمعي، ريموندا."خفضت ريموندا رأسها بخجل، وقالت وهي تحك ذراعها:— "نعم... عم براد."قال بلطف:— "لن أطيل عليكِ ، ما رأيكِ أن تعملي عندي، في المخبز؟"رفعت رأسها بدهشة:— "ماذا؟!"ضحك بخفة :— "لن تبيعي الخبز، فوالدة آنا لن تسمح، لكنكِ ستعملين في إعداد العجينة وتشغيل الفرن. ما رأيك؟"قاطعته ريموندا بحماس: — "موافقة! موافقة! شكرًا لك، عم براد. لن أنسى هذا المعروف ما حييت."ابتسم وقال بحنان:— "تعالي غدًا لتباشري العمل."أومأت بفرح:— "حسنًا، شكرًا لك."ثم أردف هو ينهض من الكرسي قائلا لها:—"اتبعيني."خرجت ريموندا من المجلس، تمشي خلف السيد براد، وابتسامة خفيفة تعلو وجهها وهي تحدق في الأرض.وفجأة، ظهرت "آنا "من حيث لا تدري، وقرنت ذراعها بذراع ريموندا وهي تقول بنبرتها المرحة المعتادة:— "ما رأيكِ بالعرض يا صديقتي؟ لقد رأيتُ ذلك العجوز، كاد كرشه أن ينفجر من الغضب! و
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
نيڤاريم
– "أتريدين أن تعيشي؟... وبأيّ ثمن؟لوّح بإصبعه السبابة، ضامًّا بقيّة أصابعه في الهواء. تومض من إصبعه بريقٌ غريب، وكأن شرارةً من سحرٍ خفيّ قد انطلقت نحوها ثم فجأة، وكأنّما أُلقِيَت عليها تعويذة، شهقت ريموندا شهقة عالية، وفتحت عينيها فجأة.بدأ دمها النازف يعود إلى جسدها، كأنما يُعرض المشهد من نهايته إلى بدايته، كفيديو معكوس ، نظرت إليه مذهولة، ما زالت مستلقية على الأرض، لكن وجهها يشعّ بالحياة. غير أنّها بقيت عاجزة عن الحركة، وألم الطعنة لا يزال ينهش صدرها.ابتسم لها بهدوء وقال:– "لا يمكنك الحراك بحرية ... لم أعالجك بعد ، كل ما فعلته أنني ألقيت تعويذة تُبقيك على قيد الحياة... فقط حتى تتمكني من عقد الاتفاق."ثم تنهد، وتلفّت جانبًا كمن يراقب شيئًا لا يُرى:– "سيظل الألم معكِ... سيبقى ملازمًا لكِ... حتى تفهمي لِمَ تحتاجين إلى هذا العقد."أدخل يديه في جيوب سترته ببطء، ووقف ينظر إليها وهي ممددة على الأرض :– "بعقد العمر... سأُنقذ حياتك.جلست ببطء نصف جلسه ، تتنفس بثقل، تضع يدها فوق موضع الجرح الملتئم، لا تزال تشعر بحرارته وكأن الطعنة حدثت لتوّها. رفعت بصرها إليه، وصوتها بالكاد يُسمع:– "عقد ما
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
من الفلاحة للنبل
وبعد أن هز صراخها القصر وكأنه زُلزل، جاء ليتفقّد الأوضاع ، دخل إلى غرفتها، وكانت الخادمات يُفسحن له المجال مع كل خطوة يخطوها، حتى انتصف الغرفة وهو يراها بنظراته الحادّة ووجهه الخالي من التعبيرات، وذاك البرود المعتاد.كانت تركض في أرجاء الغرفة ذهابًا وإيابًا، والخادمات يحاولن تهدئتها، وهو يُحرّك نظره معها بصمت، يراقبها كلما انتقلت من زاوية لأخرى."وما إن تنبّهت الخادمتان، اللتان كانتا تسعيان جاهدتَين لتهدئتها، إلى حضوره حتى توقفتا في الحال، وانحنتا باحترامٍ عميق، ثم تراجعتا بخطى متئدة إلى الخلف، تاركتَين المكان يتهيّب سكونه أمام طلّته.تنهد بنفاد صبر وقال بنبرة هادئة ولكن حادة:— "ما تظنين نفسكِ فاعلة؟!"توقفت ريموندا، واستدارت ببطء لتجده واقفًا هناك، ينظر إليها بغضب ، امتلأت عيناها بالدموع تلقائيًا، وقالت وهي تشير إلى موضع الجُرح: — "هنا... هناك دوامة دائرية... تحوم في داخلي..."أغمض عينيه وزفر بضيق، ثم التفت للخادمات قائلا :— "يمكنكن الخروج."انحنين بسرعة وخرجن، وأغلقن الباب خلفهن.نظر إليها، ثم عقد يديه خلف ظهره، وتقدّم ناحيتها.وحالما اقترب، تراجعت خطوة إلى الخلف.قال لها بنبرة ثا
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
شروط العقد
بعد تبادل النظرات، نزلت ريموندا من سريرها بخطوات هادئة وتقدّمت نحوه، حتى وقفت أمامه مباشرة. عقدت يديها وقالت بنبرة جادّة:— "نعم... أنا أيضًا أريد أن أعرف ، لماذا أنا هنا؟"ظلّ يحدّق بها بنظرته المعتادة، الخالية من أي تعبير. مدت يدها فجأة نحوه وأشارت إلى معصمها: — "ولِمَ هناك ختم على معصمي؟ وما تلك الدوّامة التي تدور بلا توقف في صدري؟ ولماذا لا أحد يتحدّث عنها؟ الخادمات، أنت... الجميع يتجاهل الأمر وكأنه غير موجود!"رفع حاجبه بهدوء وقال:— "هذا فقط ما تريدين إجابات له؟"ارتبكت للحظة، ثم هزت رأسها وقالت:— "بالطبع لا! أريد أن أفهم كل شيء!"تنهد، ثم ضم يديه خلف ظهره ،وبدأ يدور بهدوء حولها ، ثم قال بنبرة باردة:— "باختصار... عقود نيفاريم لا تُبرم مع أي أحد، بل تعقد فقط بعد "الاستدعاء". نحن لا نختار، بل نُصغي لأصوات أولئك الذين يقفون على حافة الموت، أولئك الذين يرفضون الاستسلام رغم اقتراب النهاية.وغالبًا، يعود ذلك لأسباب مختلفة، تختلف حسب ظروف كل شخص ، منهم من يريد فقط أن يوصي بشيء قبل الرحيل، ومنهم من يشعر أن هناك أمرًا لم يُكمله بعد... ومنهم، من يريد أن يعرف من أنهى حياته، مثلك تمامًا.
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
سر
بينما كانت تقترب من مصدر الشعاع بخطوات حذرة، باغتها بقبضته تمسك بمعصمها فجأة، ولفه بقوة جعلتها تنتفض، وجهه يقطر غضبًا، وعيناه تشتعلان شررًا قال من بين أسنانه، بصوت منخفض مخنوق بالغضب:— "أنتِ... ماذا تظنين أنكِ تفعلين؟"ارتبكت وراحت تحاول أن تستجمع كلماتها:— "أنا... أنا فقط..."قاطعها بانفجار صوته: — "كِدتِ تدخلين إلى هنا وكأن الأمر يخصّك، وكأن لكِ حقًا في ذلك!"ارتبكت أكثر، وقالت بصوت خافت مرتجف: — "كنت فقط أشعر بالضجر، فقلت في نفسي... ربما أقرأ كتابًا، قد ينسيني قليلاً..."جذبها من معصمها بقوة، حتى اهتز جسدها أمامه، ثم اشار بيده الأخرى نحو الرفوف:— "تقرئين؟! من هذه المكتبة التي قلتُ لكِ بوضوح ألا تقربيها ؟!"ثم علا صوته كالرعد، وجهه لا يزال مقطّبًا: — "هل جننتِ؟! لماذا تمسين شيئًا انت تجهله !"أغمضت عينيها من شدة الذعر، فاقترب أكثر وأشار بإصبعه إلى وجهها، سبابته تكاد تلامس جبينها: — "اسمعيني جيدًا... إياكِ أن تتعدي حدودك، وإلا..."خفض صوته فجأة، لكن نبرته صارت أكثر فتكًا: — "ستجدين نفسكِ واقعة مثل الكلب تمامًا... تنزفين في الشارع، مثلما وجدناكِ ملقاة."اتسعت عيناها من الصدمة، والد
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
اديلين
كانا يسيران بخطى محسوبة، يتقدم الملك إيلادور بخطوات مهيبة، تكاد الأرض تهتز تحت وقع قدميه. لم يكن ذلك من نسج الخيال، بل من هيبته التي تحمل عبق السنين ووقع السيوف. ملك فلموريا، وأقوى محاربيها، لا يحتاج إلى تاج ليُعرف، فكل خطوة منه تُعلن من يكون.إلى جواره كان يسير الدوق أدريان، بخطى ثابتة ونظرات حادة، بينما كانت تسير خلفهما بخطوة واحدة فقط، فارسة لا تشبه سائر الفارسات: أديلين.صمتها كان كالسيف، وبزّتها العسكرية المطرزة بالنجوم والنياشين تحكي عن معارك لا تُحصى، وانتصارات لم تُنس. وجهها جامد كأنها لم تتعلم الابتسام يومًا، وعيناها تُحصيان التفاصيل كآلة لا تعرف الخطأ. إنها أديلين... إحدى أقوى فرسان نيڤاريم.قال إيلادور بصوته العميق دون أن يلتفت، كأنه يتحدث للهواء:— "ثمة من دخل نطاقنا من جهة الحدود."أجابته أديلين بثبات دون أن تُبطئ خطاها:— "نعم، جلالتك. وفق تقارير الحراسة، فإن أقرب مملكة من الجهة الشرقية هي "فاليسيا" . لكن... لا أرجّح أن يتجرؤوا. أقوى فرسانهم لا يتجاوزون الدرجة الرابعة. لن يغامروا بالدخول."قال إيلادور، وهو لا يزال يتقدّم بخطى لا تعرف التردّد:— "إذاً لا شك... إنهم ....هم.
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
عدم تاقلم
في إحدى الأزقة الضيقة للسوق الشعبي، كان "بيرون" يسير بخطى سريعة، مرتديًا ملابس بسيطة تشبه ملابس العامة، يربط خنجرًا عند خاصرته، وشعره الرمادي منسدل حتى آخر رأسه، كأن ملامحه لا تنتمي لملوك أو أمراء.كان السوق يعج بالحياة والفوضى: الباعة يرفعون أصواتهم لعرض بضائعهم من توابل وعطور وأقمشة ملونة، وأكشاك الخشب المهترئة تصدح بأصوات الطرق على المعادن والمساومات الحادة. رائحة الخبز الطازج والبهارات تتخلل الأجواء، والحيوانات الصغيرة تتجول بين الأرجل المتعجلة للمتسوقين، بينما ضوء الشمس يتسلل بخجل بين الأزقة الضيقة، ليعكس ألوانًا زاهية على الجدران المتهالكةكان خلفه يركض "فلوكاز"، صديقه ومساعده، يحاول اللحاق بخطاه المتسارعة.صاح فلوكاز وهو يلهث:— "أيها الأمير بيرون! لقد قلت أمام المجلس بأكمله إن إيلادور يتوهم... ثم تأتي الآن بنفسك إلى هنا؟!"توقف بيرون فجأة عن السير، ثم استدار ببطء نحو فلوكاز، عينيه تلمعان بحدة : — "لأنكم ببساطة فشلتم في التجسس ،رُصدتم بلا نتيجة."ثم تابع سيره بخفة، دون أن ينتظر ردًا، بينما ظل فلوكاز يحاول مجاراته، وقال بقلق متصاعد:— "لكن هذا خطير! نحن الآن داخل نطاق طاقتهم...
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status