LOGINلم تكن جيسيكا تكتفي بمشاهدة انهيار جواد الأكبر، بل كانت تنتظر اللحظة التي يظهر فيها "المحرك الحقيقي" لكل هذا الدمار. بينما كان سامر يصرخ في وجه أخيه، هدوء جيسيكا كان هو الشيء الأكثر رعباً في القاعة. قامت بسحب شريط فيديو لم يعرض بعد، وقالت بصوت جليدي: "جواد ليس سوى بيدق غبي، انظروا إلى من كان يعطيه الأوامر في جناح الفندق المظلم".ظهرت على الشاشة ضخمة صورة رجل ملامحه حادة، يرتدي خاتماً يحمل شعار "آل السيف" القديم، لكنه ليس من العائلة. إنه (عثمان)، المستشار القانوني الأول لوالد سامر وصديق عمره. ساد صمت الموت في المكان؛ فهذا الرجل هو "خزينة أسرار" كمال آل السيف. تبين أن جواد كان ينفذ أوامر عثمان الذي خطط لسرقة ملفات التصاميم العالمية لبيعها لمنافسين في ميلانو وتدمير الشركة من الداخل ليشتريها هو بأبخس الأثمان.فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن الطابق بالكامل. ساد الهرج، لكن جيسيكا لم تتحرك من مكانها. شعرت بيد قوية تحاول جذبها، فاستخدمت مهارة دفاعية لم يعرف أحد أنها تتقنها، ولت ذراع المعتدي خلف ظهره في ثوانٍ. عندما اشتغلت أضواء الطوارئ الحمراء، تبين أنه كان أحد حراس عثمان الشخصيين الذين تسللو
انطلقت جيسيكا من رقعة الشطرنج التي رسمتها في مخيلتها إلى أرض الواقع، حيث لا مجال للخطأ. كانت تدرك أن تحريك "البيدق" قد يطيح بـ "الملك" إذا لم يُحسب بدقة. في صباح اليوم التالي، لم تتوجه جيسيكا إلى مكتبها مباشرة، بل دخلت إلى "غرفة الأرشيف السرية" في شركة آل السيف، وهي تحمل في يدها فنجان قهوتها والهدوء يغلف ملامحها.بذكائها الفذ، استطاعت الوصول إلى ملفات الصفقات القديمة التي كان يشرف عليها "جواد الأكبر". كانت تبحث عن خيط واحد يربط بين الخسائر الطفيفة غير المبررة في قطاع الإنتاج وبين العقود الخارجية. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى وجدت ضالتها؛ ثغرة قانونية في عقود التوزيع كان جواد يستخدمها لتمرير حصص من الأرباح لشركات واجهة. لم تكن جيسيكا تنوي فضحه فوراً، بل أرادت "تجميده" على رقعة الشطرنج وجعله ورقة ضغط رابحة في يدها.في تلك الأثناء، كان كمال آل السيف قد أعلن عن اجتماع طارئ لمناقشة "هوية العلامة التجارية الجديدة". دخلت جيسيكا القاعة وهي ترتدي بدلة رسمية من تصميمها الشخصي، بدت فيها كقائدة لا تقهر. جلس سامر بجانبها، يراقبها بعيون يملأها الانبهار والولاء المطلق؛ فقد أصبح يرى العالم من خلال عيني
خرج الجميع من المصعد، لكن جيسيكا لم تكن تنظر للمكان كمنزل جديد، بل كإمبراطورية تنتظر من يديرها. كانت ردهة القصر الكبرى تزدحم بصور من عروض أزياء سابقة لشركة "آل السيف"، لكن عين جيسيكا الخبيرة كانت ترى العيوب خلف الإطارات المذهبة. توجهت مباشرة إلى الطاولة الكبيرة حيث كانت تتناثر الأقمشة والرسوم الأولية لمجموعة الشتاء القادم.كان "كمال آل السيف" يراقبها بصمت، وهو الرجل الذي بنى هذا الصرح من الصفر ولا يثق بسهولة في ذوق أحد. اقتربت جيسيكا، وبحركة واثقة سحبت قطعة من قماش "التويد" الفرنسي، وبدأت تتفحص حياكتها تحت الضوء. قالت بنبرة هادئة ولكن قاطعة: "هذه الحياكة لن تصمد أمام عدسات المصورين في عرض باريس القادم، الغرزة واسعة جداً، وهذا يوحي بإنتاج تجاري رخيص لا يليق باسم عائلة آل السيف".ساد صمت ثقيل. كان سامر ينظر إليها بذهول، ليس فقط لأنها تجرأت على انتقاد المجموعة أمام والده كمال، بل لأنها كانت محقة تماماً. أما "عمر"، فقد ابتعد عن الجدار واقترب من الطاولة، وعيناه تلمعان بتقدير جديد؛ لم تعد جيسيكا بالنسبة له مجرد امرأة جميلة دخلت العائلة، بل أصبحت "عقلاً" يملك رؤية ثاقبة قد تغير مجرى استثمارا
في صباح اليوم التالي، انتقل الجميع إلى مزرعة الخيل الخاصة بالعائلة. كانت الأجواء مشحونة بجمال الطبيعة وشراسة الخيول العربية. وقفت جيسيكا بزي الفروسية الأنيق، فكانت تبدو كملكة تفرض سيطرتها على المكان. اقترب منها جود الصغير وهو يمتطي مهره السريع، وبحركة مباغتة، مال بجسده نحوها وهمس بضحكة عابثة: "هل تجرئين على سباقي يا جيسيكا؟ أم أنكِ تخشين أن يهزمكِ الصغير وتضطري لتنفيذ رغباته؟". ضحكت جيسيكا بدلال مكر، ولمست لجام حصانه بخفة قائلة: "الصغار يحلمون بالسباق، والكبار يملكون خط النهاية يا جود.. ابقَ قريباً لترى كيف تُربح الرهانات". تركت خلفها جود وهو يتنفس بعمق، مسحوراً بتلك اللمسة والمرح الخفي الذي أشعل فيه رغبة لا تهدأ.لم تمضِ دقائق حتى ظهر عمر بفرسه الأسود الجامح، وحاذى حصانها بقوة جعلت الركاب يرتطم بالركاب. نظر إليها بعناد صلب وقال: "تهربين إلى المزرعة؟ الجدران هنا ليس لها آذان، والنسيان الذي تطلبينه لا ينبت في هذه التربة". مالت جيسيكا نحوه حتى لامست أنفاسها أذنه، وقالت بشغف مستفز: "الخيل تعرف فارسها يا عمر، وأنا أعرف متى أشد اللجام ومتى أرخيه.. ليلتنا كانت ذكرى، لكن مستقبلي هو سامر". أف
ستقرت جيسيكا في مقعدها الوثير بصالة القصر الكبرى، تحيط بها جدران شهدت على مؤامرات أجيال. كان سامر، زوجها، يقف خلفها مباشرة، واضعاً يده على كتفها بحماية وثبات، وكأنه يعلن للعالم ولإخوته أن هذه المرأة خط أحمر. سامر لا يرى في جيسيكا إلا الزوجة الرقيقة التي تستحق الدفاع عنها، ولا يدرك أن خلف تلك النظرات الهادئة عقلاً يخطط لابتلاع نفوذ العائلة بالكامل.دخل كمال، الأب المتسلط، يتبعه صمت مهيب. نظر إلى جيسيكا بتقدير ممزوج بالريبة؛ فهو يعلم أن ذكاء كنة عائلته هو المحرك الخفي لنجاحات سامر الأخيرة. بجانبه كانت الأم، تراقب الموقف بعينين صقريتين، تشعر بأن جيسيكا ليست مجرد زوجة ابن، بل هي إعصار ناعم يهدد ترابط أبنائها.في هذه اللحظة، تقدم عمر بخطوات واثقة، لم يكن الانكسار بادياً عليه كما تمنت جيسيكا. عمر رجل عنيد، وقوته تستمد طاقتها من التحدي. نظر إليها مباشرة أمام الجميع، متجاهلاً وجود سامر، وقال بنبرة حملت معانٍ مزدوجة: "النسيان ليس خياراً متاحاً دائماً يا جيسيكا، هناك أشياء تُحفر في الذاكرة ولا تمحوها الكلمات الباردة". اشتعلت شرارة التوتر، لكن سامر تدخل فوراً بصوت جهوري: "عمر، التزم حدودك. جيسيك
كانت الرطوبة في هواء الصباح تزيد من ثقل الأنفاس داخل غرفة المعيشة. جلست جيسيكا تحاول الحفاظ على ثبات ملامحها، لكن طيف ليلتها الماضية مع عمر كان يطاردها؛ لمحات من حديثهما الطويل ونظراته التي كانت تبحث عن ملاذ بعيداً عن تسلط إخوته. عمر، الذي يرى فيها روحاً تشبه انكساراته، كان ينظر إليها الآن بطريقة جعلت يدها ترتجف وهي تمسك بقدح القهوة.أما جواد، الأخ الأكبر والمحرك الفعلي لكل شؤون العائلة، فلم تكن عيناه تفارقان جيسيكا. لم يكن يطمع في عاطفتها كالبقية، بل كان يراقب "ذكاءها" الحاد وطريقتها في التلاعب بالحقائق لصالحه. بالنسبة لجواد، جيسيكا ليست مجرد زوجة لأخيه، بل هي "السلاح" الذي يحتاجه لإدارة صراعاتهم الخارجية؛ كان يرى في مكرها قطعة شطرنج نادرة يريد الاستحواذ عليها وتطويعها لخدمة نفوذه، وكأنه يخطط لضمّ عقلها إلى ممتلكاته الخاصة.في الزاوية المقابلة، كان جود الصغير يراقب المشهد بصمت لا يشبه سنه. كان إعجابه بجيسيكا يتجاوز حدود الاحترام؛ كان يطمح لأن يلتفت إليها وتراه رجلاً يعتمد عليه، لا مجرد الأخ الأصغر المدلل. كانت نظراته تفيض بالرغبة في لفت انتباهها، وكأنه في سباق خفي مع أخويه للفوز بمكا







