مشاركة

الفصل 2

مؤلف: كهرمان وخردل
كان الجو مفعمًا بالدفء والانسجام، حتى بدا كأنني أنا وابني اقتحمنا بيت غرباء بالخطأ.

"ياسر…"

نهضت نوران فجأة، وأسرعت إلى الباب لتأخذ معطفي.

"لقد باع مالك بيت مروان منزله على نحو مفاجئ، وطرد مروان وابنته."

"لم يجدا مكانًا يقيمان فيه مؤقتًا، فهل يمكن أن تسمح لهما بالبقاء هنا مدة قصيرة؟"

لم أجبها، واكتفيت بمشاهدة الخدم وهم ينقلون أغراضي وأغراض ابني، قطعة تلو الأخرى، إلى غرفة التخزين.

تحدث مروان بتذلل، لكن تعابيره لم تستطع إخفاء نشوته:

"آسف يا أخي ياسر، صحتي ليست جيدة، ولا أستطيع إلا أن أقيم في غرفة مضيئة وجيدة التهوية. لذلك أخلت نوران غرفة النوم الرئيسية من أجلي."

حتى غرفة ابني استولت عليها سلمى.

أما مجسم غريندايزر الذي كان يحبه أكثر من أي شيء، فقد رمته سلمى إلى الخارج، فانكسرت أيديه وأرجله.

بدا على نوران شيء من الارتباك فجأة.

"ياسر، إن كنت لا توافق، فيمكنني أيضًا أن أجد لهما…"

"أنا موافق."

مددت يدي نحوها.

"يبقى الإيجار كما كان من قبل، لكن رسوم استخدام بيتي، وأجرة مرافقتك له ليلًا، تُحسبان على حدة."

صدر صوت ارتطام حادّ، إذ ألقت نوران معطفي بعنف على الأرض، واسودّ وجهها كالحبر

"ياسر، هل جُننت؟"

"أي كلام مجنون هذا تقوله أمام الطفل؟ هل لم تعد تعبأ بالحياء والكرامة؟"

لم أرغب إلا في الضحك بسخرية.

هي من أدخلت رجلًا آخر وطفلته إلى بيتنا، ثم تلومني أنا لأنني كشفت الأمر، وتتهمني بأنني لا أعرف الحياء والكرامة.

شدّت نوران مروان وابنته، واتجهت بهما نحو الباب.

وعندما مرت بي، رمت بطاقة مصرفية في وجهي.

"خمسة ملايين! هل تكفيك؟"

"حفظت لك ماء وجهك، لكنك لم تقدر ذلك، فلتعش مع مالك إذن!"

بعد أن خيّم الصمت تمامًا على البيت، أخذ ابني يبكي بصوت مكتوم ويمسح وجهي بمنديل ورقي.

عندها فقط اكتشفت أن زاوية عيني جُرحت بسبب البطاقة المصرفية، وسال منها الدم.

"أبي، كل هذا بسبب مرض كريم. أنا السبب في أنك تتحمل غضب أمي كل يوم."

ضممت ابني بقوة إلى صدري.

"يا أبي، لا تغضب. بعد أن تنتهي عمليتي، سأصبح بخير، فكن سعيدًا قليلًا يا أبي…"

نام ابني بين ذراعي والدموع في عينيه، ذلك الطفل الذي كان منذ صغره لا ينام إلا بعد أن تحكي له أمه قصة قبل النوم.

نظرت إلى حاجبيه المعقودين، وشعرت بألم في قلبي كأن سيارة دهسته.

تلك العائلة الصغيرة التي كانت يومًا سعيدة ومكتملة، أنا وهي وابننا، متى بدأت تتحول إلى ما هي عليه الآن؟

كان ذلك بعد وفاة زوجة مروان، حين خافت نوران أن ينهار، فكانت تذهب إليه كل ليلة لتواسيه وتبقى إلى جانبه.

تكرر الأمر إلى درجة أن عودتها إلى بيتها صارت تُفهم من مصوري الفضائح على أنها خيانة.

وكان ذلك عندما خافت نوران أن تتعرض سلمى للتنمر في المدرسة لأنها بلا أم، فحضرت كل اجتماعات أولياء أمورها دون أن تفوّت واحدًا.

حتى يوم الطفل وحفلات عيد الميلاد لم تغب عنها أبدًا.

وكانت النتيجة أن ابني عومل كأنه ابن امرأة دخيلة، وتعرض في المدرسة لكل صنوف التنمر.

وكان ذلك يوم أصيب ابني بأول نوبة قلبية وفقد وعيه، فاتصلت بنوران مرات لا تُحصى، لكن خطها كان مشغولًا دائمًا.

وحين وصلت إلى المستشفى بعد مشقة، أخبروني أن جميع الأطباء نُقلوا لعلاج خدش في جسد سلمى.

توقف قلب ابني ثلاث مرات. ركعت على ركبتي، وضربت رأسي بالأرض حتى سال الدم، حتى تمكنت أخيرًا من إيقاف طبيب بالكاد أنقذ حياة ابني.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم رتبت الأمتعة.

حملت ابني النائم، وغادرت ذلك البيت الذي تبدلت ملامحه تمامًا، من دون ذرة حنين.

بعد أن استقررت في المسكن الجديد أسبوعًا كاملًا، لم ترسل نوران أي رسالة.

أما رسائل مروان فلم تنقطع.

كلها كانت إعادة إرسال لأخبار مصوري الفضائح عن رحلاتهما، كأنه يخشى ألا أراها.

فتحتها بوجه خالٍ من التعبير، فوجدت أن الأماكن التي ذهبا إليها كلها أماكن كنت أنا وابني نرغب في زيارتها من قبل.

بل إن الوسيلة الإعلامية التي نشرت الخبر كانت نفسها التي روّجت يومًا لزفافي الأسطوري من نوران.

"آسف يا أخي ياسر، لقد حاولت أن أقنع نوران بأن تدفع لمصوري الفضائح حتى يحذفوا الخبر، لكنها أصرت على القول إن المال لا ينقصك."

"وبما أن الأمر بدأ بسببي، ما رأيك أن أبيع الساعة التي اشترتها لي نوران، وأساعدك على حذف الخبر؟"

صوّر مروان الهدية التي أهدتها إليه نوران خفية، محاولًا استفزازي.

فأنا في الماضي، لو رأيت شيئًا كهذا، لكنت قد اندفعت إلى مروان وقلبت كل شيء وحطمته.

أما أنا الآن، فاكتفيت بالرد بخفة: “إذن أترك الأمر لك.”

ظل جانب مروان يظهر أنه يكتب مدة طويلة، لكنه في النهاية لم يرسل أي رسالة جديدة.

وبينما ظننت أنهم سيتمكنون أخيرًا من الهدوء قليلًا، دخل إلى حسابي فجأة مبلغ عشرة ملايين.

وفي اللحظة التي قرأت فيها الملاحظة المرفقة، شعرت بأن الدم في جسدي كله اندفع عكسيًا!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • حب ضائع ودموع لا تنتهي   الفصل 9

    حقًا، كما تدين تدان.لم أُعد الأسهم.فهي حق ابني.بعد الفحص الدوري، اصطحبت ابني وعدنا بالطائرة إلى جمهورية السهوب.اكتُشفت لدى ابني موهبة مذهلة في الرسم.استعنت له بمعلم يتولى صقل موهبته على نحو خاص.كنت أجمع كل لوحاته واحدة تلو الأخرى، وأحفظها بعناية.كما أنشأت له خصيصًا حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي.ورفعت عليه نسخًا ممسوحة ضوئيًا من لوحاته.وسرعان ما جمع عددًا لا بأس به من المتابعين.عندما بلغ ابني الثالثة عشرة، كان قد نال قدرًا من الشهرة.أقمت له في الوطن معرضًا فنيًا.وما لم أتوقعه أن عدد الزوار في المعرض فاق خيالي بكثير.بعد تلك المرة، ازدادت ثقة ابني بنفسه كثيرًا.وتدفقت إلهاماته بلا انقطاع.كما بلغت أسعار لوحاته على الإنترنت مبالغ مرتفعة.نصحني أن أخرج لوحاته القديمة وأبيعها.رفضت ذلك، لكنني لم أمنعه من بيع أعماله الجديدة.عندما بلغ ابني السابعة عشرة، أثار ضجة كبيرة مرة أخرى بسبب سعر بيع لوحاته.عدت به إلى الوطن، وافتتحت له متحفًا فنيًا.حتى إذا لم يرغب في الرسم يومًا، يجد طريقًا آخر يمضي فيه.مستفيدًا من شهرته، بدأ ابني يقيم المعارض على نحو متكرر.في ذلك اليوم، وبينما كان

  • حب ضائع ودموع لا تنتهي   الفصل 8

    استدرتُ مذهولًا، فاكتشفتُ أن ابني نزل من السيارة من حيث لا أدري.كان يشدّ طرف ثوبي، وعلى وجهه حيرة بريئة.شحبت نوران تمامًا."كريم، ماذا تقول؟""أنا أمك، أليس كذلك؟ هل ما زلت تلوم أمك، لذلك تقول هذا؟""كريم، أخطأت. سامحني، أرجوك."تراجع ابني خطوة إلى الخلف."يا خالة، أمي ماتت منذ زمن.""حتى إنها جاءتني في المنام أثناء عمليتي لتدعو لي وتحرسني.""فكيف يمكن أن تكوني أمي؟""هل سمعتِ؟ غادري فورًا، وكفّي عن استفزاز ابني!"احمرّت عينا نوران، وفتحت فمها كأنها تريد الكلام، لكنها في النهاية غادرت شاردة مكسورة قبل أن أتصل بالشرطة.لكنها مع ذلك لم تستسلم.طلبتُ إجازة من الشركة لبعض الوقت، وصرتُ أوصل ابني وآخذه بالسيارة كل يوم.لم أجرؤ على أن يبتعد عن نظري ولو نصف خطوة.وفي إحدى الليالي، بينما كنتُ أجفف شعر ابني، قال فجأة:"أبي، لماذا تظهر أم سلمى دائمًا قرب مدرستي؟""ألم تعد تريد سلمى؟"تيقّظتُ على الفور."هل اقتربت منك؟ هل قالت لك أي كلام غريب؟"هزّ ابني رأسه."المعلّمون في المدرسة يعرفون أنها ليست أمي، وكلما ظهرت يطردونها!""لكنها جاءت اليوم، وتركت عند البوابة لعبة غريندايزر ثم رحلت.""من النوع

  • حب ضائع ودموع لا تنتهي   الفصل 7

    "ففي النهاية، لقد خرج للتو من عملية جراحية، ومن الأفضل ألا تكشفوا له الحقيقة في هذه الفترة قدر الإمكان.""لا تجعلوه يتعرض لأي صدمة."عندما سمعت كلام الطبيب، ضحكت ضحكة عاجزة.لم أتوقع أن تلك الجملة التي قلتها لنوران، إنها لم تعد تستحق أن يكون لها كريم،ستتحقق بطريقة غير مباشرة.انحنيت ولمست رأس ابني."كريم الطيب، ما رأيك أن ننتقل للعيش في مكان آخر معي بعد خروجك من المستشفى؟"أخرجت التأشيرة التي كنت قد أعددتها منذ وقت طويل، وأخذت ابني وانتقلنا إلى بلدة صغيرة في جمهورية السهوب.وفوق بدل الإيجار الذي دفعته نوران لمرافقة مروان وابنته، حصلت من الطلاق على مبلغ كبير من المال.كان يكفي لأن أعيش أنا وابني بقية حياتنا بلا همّ.اشتريت فيلا صغيرة لها حديقة، وسيارة صغيرة.صحيح أن حياتنا لم تعد كما كانت في الوطن، حيث كان هناك مدير منزل وخادمة وطاهٍ.لكن أن أطبخ بنفسي كل يوم، وأن أعتني بزهور الحديقة ونباتاتها كما أشاء، كان نوعًا من السعادة العادية.حتى حالة ابني النفسية تحسنت بوضوح.ورغم اختلاف اللغة، فإن الصداقة بين الأطفال تنمو بسرعة.في السابق، وبسبب سلمى، كان ابني يشعر بنفور ومقاومة خفيين تجاه الأ

  • حب ضائع ودموع لا تنتهي   الفصل 6

    شحب وجه نوران في لحظة."لم يعد… هناك كريم؟"مدّت يدها تستند إلى الجدار، وكادت تنزلق جالسة على الأرض."كيف يمكن ذلك؟ ألم تكن العملية على وشك الانتهاء؟"بدأ جسدها يرتجف، وسقط ما تسلّمته من يدها على الأرض.كانت وثيقة طلاق، ومعها دفتر ادخار."ما هذا أيضًا يا ياسر؟ أهذه وثيقة طلاقنا السابقة؟"مدّت نوران يدها كأنها تريد الإمساك بي."أنا المخطئة، لا تواصل إخافتي، خذني لأرى كريم…""لم تعد لدي أي مشاعر تجاه مروان منذ زمن. كل ما في الأمر أنني رأيتك لا تهتم إلا بالمال ولا تهتم بي، ففعلت تلك الأمور لأستفزك قليلًا.""تستفزينني؟"التقطت دفتر الادخار من الأرض وقذفته بقوة في وجهها."تأخذين حياة ابني وسيلةً لاستفزازي؟""نوران، أنت لست إنسانة أصلًا.""دفتر الادخار هذا يخص كريم."كبحت ارتجافي وفتحته، ثم أشرت إلى سجلّ الحركات فيه."كان يريدك أن ترافقيه في العملية، فادّخر المال قرابة سنة كاملة."اتسعت عينا نوران، ونظرت إلى السجلات أمامها غير مصدّقة.من مبلغ كبير قدره عشرة آلاف من العيدية، إلى مكافأة صغيرة قدرها خمسة مقابل مساعدته في الأعمال المنزلية.كل ذلك كان مال ابنها، أودعه في البنك مبلغًا بعد مبلغ.لم

  • حب ضائع ودموع لا تنتهي   الفصل 5

    كانت الأجهزة داخل غرفة العمليات مقلوبة ومبعثرة، وآثار الدماء تمتدّ في فوضى حتى الممر.شهق الأطباء الذين جرّتهم معها من هول ما رأوا.أمسكت نوران بأحدهم وصرخت:"ألم آمر بأن يبقى الجرّاح المسؤول هنا؟!""لماذا أصبح المكان هكذا؟ أين ابني؟!"قال الطبيب وهو يرتجف:"ا… السيد مروان قال إن المريضة تعاني حساسية خطيرة، وإن على جميع أطباء المستشفى أن يذهبوا إلى هناك…""وقال إنه سيتحمّل كل العواقب، وإن تأخرنا في علاج ابنته فسيدفعنا جميعًا الثمن غاليًا."برزت العروق عند صدغي نوران."لذلك تركتم ابني ينتظر الموت على طاولة العمليات؟!"صرخت بعينين محمرتين: "اذهبوا وابحثوا عنه!"وحين تذكّرت نوران يأسي في الفيديو، وأنا أركع أمام مروان وأضرب رأسي بالأرض متوسلًا، كادت ساقاها تعجزان عن حملها.كانت تظن أنني أغار وأفتعل مشهدًا متعمّدًا."لقد كنت مخطئة. يا رب، لا تجعل كريمًا يصيبه مكروه.""من الآن فصاعدًا، سأعوّضهما، هو ووالده، خير تعويض."كانت نوران تدعو في سرّها، ثم اندفعت مع مساعدها إلى غرفة المراقبة.رأت في التسجيل صورتي وأنا ألوّح بمشرط العمليات بعجز، وأجبر وسائل الإعلام على التراجع.تألّم قلب نوران حتى كاد

  • حب ضائع ودموع لا تنتهي   الفصل 4

    نظرتُ إلى داخل الباب، فوجدتُ صدر ابني قد فُتح بالفعل.ولم يكن على جهاز مراقبة القلب سوى تموّجات واهنة.سارع الطبيب إلى تخليص يده من قبضتي:"ابنة السيدة نوران أصابتها حساسية مفاجئة، فاستُدعي طاقم المستشفى كله لإنقاذها، ولا بد من إيقاف العملية مؤقتًا.""لا يحق لكم أن تغادروا!"خرج صوتي متهدّجًا كأنه ينزف، وأخرجتُ بطاقتي المصرفية بيدين ترتجفان."كم دفع لكم؟ سأدفع الضعف! أتمّوا عملية ابني!"وخوفًا من أن يروا المبلغ قليلًا، أخرجتُ هاتفي لأحوّل المال إليهم أولًا.عندها فقط رأيتُ بوضوح الملاحظة المرفقة برسالة وصول المال.كانت مبلغ استئجار الأطباء الذي دفعته نوران."سيدي، المسألة ليست مسألة مال.""نحن نخشى أن نفقد وظائفنا."ومهما طرقتُ رأسي بالأرض متوسلًا، ظلّ الأطباء يفكون أصابعي واحدًا واحدًا ثم غادروا.بقي ابني وحيدًا على طاولة العمليات.كان يفصله عن بداية حياة جديدة نصف ساعة فقط.أما الآن، فبسبب أمه التي أنجبته، تُرك بصدر مفتوح هنا ينتظر الموت.ظهرت رسالة من مروان.في الصورة، لم تكن على جسد سلمى سوى بقع حمراء خفيفة.وغير أن الأطباء كانوا يحيطون بسرير المريض من كل جانب، حتى بدت الغرفة مكتظة

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status