登入كان الشارع المؤدي إلى المتحف أكثر هدوءًا مما توقع عمر.
لم يكن هناك سوى بعض السيارات التي تمر من وقت لآخر، وأضواء الشوارع التي تنعكس على الإسفلت الرطب. كان عمر يسير بسرعة، وأمل بجواره. منذ خروجهما من الشقة لم يتحدث أي منهما كثيرًا. كانت كل دقيقة تمر تجعل العودة تبدو فكرة أسوأ. قالت أمل فجأة: "إحنا ممكن نرجع بكرة." نظر إليها عمر. "بكرة ممكن تكون الحقيبة اختفت." "وممكن الشرطة تكون لسه هناك." "عشان كده لازم نعرف قبل ما نقرب." سكتت لحظة. ثم قالت: "إنت دايمًا بتاخد قرارات بسرعة كده؟" ابتسم. "مش دايمًا." "واضح." "بس لما يكون في مشكلة، مبحبش أفضل واقف." نظرت إليه للحظة. "يمكن دي أول حاجة فيك عجبتني." التفت إليها عمر. "إيه؟" ابتسمت بسرعة. "ولا حاجة." رفع حاجبه. "سمعتك." "انسى." ضحك. ثم عاد الصمت بينهما. كلما اقتربا من المتحف، بدأت ملامح أمل تتغير. كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكن عمر لاحظ أنها أصبحت تمشي أبطأ. قال: "خايفة؟" "لا." "كدابة." نظرت إليه. "وأنت؟" "أنا؟ مستحيل." "يبقى إحنا الاتنين كدابين." ابتسم. وصل الاثنان إلى الشارع المقابل للمتحف، وتوقفا خلف مبنى صغير. نظر عمر إلى المكان من بعيد. المتحف كان مظلمًا تقريبًا، لكن عند المدخل كانت هناك إضاءة واضحة. لم تظهر سيارات شرطة. قالت أمل: "شايف؟ مفيش حد." رد عمر: "لسه مش معناه إن المكان فاضي." انتظرا عدة دقائق. ثم عبرا الشارع بسرعة. وصلا إلى الجانب الخلفي من المبنى، ودخلا من نفس الباب الذي استخدماه في هروبهما. كان المكان هادئًا. هادئًا بشكل مخيف. أخرج عمر هاتفه وأشعل ضوء الشاشة بدلًا من استخدام الكشاف. قال: "المكان اللي اختبينا فيه كان هنا." هزت أمل رأسها. "أيوه." دخلا الممر. كانت كل خطوة تجعل صوت حذائهما يبدو أعلى من اللازم. وصلت أمل إلى الزاوية التي تركت فيها حقيبتها. نظرت حولها. لا شيء. انحنت تبحث بجوار السور. ثم خلف الباب. ثم تحت الطاولة الصغيرة الموجودة في المكان. لم تجد شيئًا. قالت: "مش موجودة." "دوري كويس." "أنا بدور." "يمكن وقعت في مكان تاني." "عمر، أنا عارفة أنا حطيتها فين." نظر إليها. "طيب." وفجأة... صدر صوت من نهاية الممر. توقف الاثنان. صوت باب يُفتح. ثم صوت خطوات. أطفأ عمر شاشة هاتفه فورًا. قال هامسًا: "اطفي أي نور." فعلت أمل. غرق المكان في الظلام. اقتربت الخطوات. خطوة. ثم أخرى. وضعت أمل يدها على ذراع عمر دون أن تشعر. لم يتحرك. كان يسمع أنفاسها بجواره. ظهر ضوء كشاف في نهاية الممر. اقترب. اقترب أكثر. أشار عمر إلى باب جانبي صغير. تحرك الاثنان ببطء شديد. فتح عمر الباب بصعوبة، ودخلا. كان المكان ضيقًا جدًا. أغلقت أمل الباب خلفهما. وقفا متلاصقين تقريبًا. خارج الباب، مر الضوء. توقف. أمل حبست أنفاسها. عمر وضع إصبعه أمام فمه. ظل الرجل واقفًا للحظات. ثم تحرك. ابتعدت الخطوات. تنفست أمل ببطء. همست: "كان قريب." رد عمر: "عارف." "إنت قلبك بيدق بسرعة." ابتسم رغم الظلام. "إنتِ سامعاه؟" "آه." "يبقى بتاعك أسرع." كادت تضحك، لكنها وضعت يدها على فمها. ثم سمعا صوت الباب الخارجي يُغلق. انتظرا قليلًا. فتح عمر الباب بحذر. خرج أولًا. ثم أمل. قال: "نرجع ندور." عادا إلى المكان. بعد دقائق، لم تجد أمل شيئًا. قال عمر: "لازم نخرج." "مش من غيرها." "لو فضلنا هنا هنتقفش." "مش فارق." نظر إليها. "إنتِ محتاجة إيه في الحقيبة للدرجة دي؟" ترددت. "حاجات شخصية." "بس؟" "آه." لم يضغط عليها. قال: "طيب ندور في مكان تاني." تحركا بسرعة. وأثناء مرورهما بأحد الممرات، سمعا صوتًا خلفهما. استدار عمر. لم يكن هناك أحد. قال: "تعالي." لكن أمل تعثرت فجأة. "آه!" التفت إليها. كانت تمسك قدمها. "إيه اللي حصل؟" "رجلي." اقترب منها. "اتعورتي؟" "مش عارفة." حاولت الوقوف، لكنها لم تستطع. نظر عمر إلى الممر. ثم إليها. كان أمامه خيار واضح. يتركها ويهرب. أو يعود إليها. لم يفكر طويلًا. انحنى أمامها. "اركبي." نظرت إليه. "إيه؟" "اركبي على ضهري." "إنت مجنون؟" "أمل، مفيش وقت." "بس..." "اركبي." وضعت ذراعيها حول كتفيه. حملها عمر وبدأ يتحرك. قالت بصوت منخفض: "كان ممكن تسيبني." "عارف." "ليه ما سبتنيش؟" لم يجب. سارت خطواته أسرع. وصل إلى الباب الخلفي. فتحه. خرج بها. وبمجرد أن وضعها على الأرض، سمعا صوت سيارة تقترب بسرعة. نظر عمر إلى الشارع. سيارة شرطة ظهرت عند نهاية الطريق. تجمدت أمل. "عمر..." قال: "شوفت." "هنعمل إيه؟" نظر حوله. ثم أمسك يدها. "المرة دي مش هتجري لوحدك." ركضا. كانت قدم أمل تؤلمها، لكنها حاولت ألا تتوقف. عمر كان يبطئ سرعته كلما شعر أنها تتعب، ثم يعود فيسرع عندما يسمع السيارة تقترب. وصل الاثنان إلى زقاق ضيق. دخلاه. صوت السيارة مر من أمامه. ثم ابتعد. توقفا. كانا يلهثان. ضحكت أمل فجأة. نظر إليها عمر باستغراب. "بتضحكي على إيه؟" قالت وهي تحاول التقاط أنفاسها: "مش عارفة." ضحك هو الآخر. ولأول مرة، لم يكن الضحك بسبب موقف عابر. كان بسبب شعورهما الغريب بأنهما نجوا معًا مرة أخرى. لكن قبل أن يستوعبا اللحظة، نظرت أمل إلى عمر. ثم قالت: "الحقيبة..." تغير وجهه. "إيه؟" "أنا افتكرت." "إيه اللي افتكرتيه؟" "أنا آخر مرة شفتها فيها..." سكتت. "فين؟" رفعت عينيها إليه. "كانت معايا وأنا خارجة من المتحف." صمت عمر. ثم قال: "يعني..." هزت رأسها. "يعني أنا اللي ضيعتها في الهروب." نظر إليها لثوانٍ. ثم انفجر بالضحك. "إنتِ رجعتيني للمتحف عشان حقيبة إنتِ أصلًا نسيتيها معاكي؟" ضربته بخفة على كتفه. "متضحكش!" "أنتِ اللي رجعتيني!" ضحكت رغمًا عنها. لكن ضحكتهما توقفت فجأة عندما ظهرت أضواء السيارة مرة أخرى عند بداية الزقاق. نظر عمر إلى أمل. أمل نظرت إليه. قالت: "مش معقول." ابتسم عمر وهو يمسك يدها. "واضح إن الليلة مش ناوية تخلص." ثم ركضا مرة أخرى، وهذه المرة لم تكن أمل تفكر في حقيبتها. كانت تفكر فقط في يد عمر التي تمسك يدها... وفي سؤال بدأ يكبر داخلها: لماذا أصبحت تشعر بالأمان وهي تهرب بجواره؟في اليوم التالي، لم تتحدث أمل عن الورقة التي مزقها عمر.لم تكن تريد أن تعطي الماضي فرصة أخرى ليظهر بينهما.وضعت الهاتف في حقيبتها، ثم جلست أمام الكمبيوتر تبحث عن الرحلة التي اتفقا عليها.قالت:"لقيتها."اقترب عمر."إيه؟""الرحلة."نظر إلى الشاشة.كانت هناك رحلة بعد أربعة أيام إلى مدينة ساحلية خارج البلاد، ومنها يمكنهما الوصول إلى الجزيرة التي اختارتها أمل.قال:"الموعد مناسب.""وأهو المكان هادي.""والبيت؟""حجزته."نظر إليها."إنتِ خلصتي كل حاجة؟"ابتسمت."أخيرًا مرة أسبقك.""واضح."ثم أضاف:"بس لسه في حاجة.""إيه؟""إحنا مش واخدين قرار إننا نبيع كل حاجة ونختفي.""مش هنختفي.""أمال؟""هنعيش."جلس بجوارها."في فرق.""عارفة."ثم نظرت إلى الشاشة مرة أخرى."بس عندي سؤال.""إيه؟""لو سافرنا، هنرجع؟"لم يجب فورًا.قال:"أكيد.""إنت مش متردد؟""متردد في إيه؟""في ترك كل حاجة."نظر إلى يديها."أنا مش بسيب كل حاجة.""أمال؟""باخد أهم حاجة معايا."نظرت إليه.فهمت.ابتسمت."أنت بتعرف تختار كلامك أوقات.""أوقات بس."ضحكت.ثم ضغطت زر تأكيد الحجز.ظهر أمامهما تأكيد الرحلة.توقفت أمل للحظة."خلاص."
في صباح اليوم التالي، قررت أمل أن تفعل شيئًا لم تفعله منذ وقت طويل.أغلقت هاتفها.وضعته داخل الدرج، ثم قالت لعمر:"النهارده ممنوع أي مكالمات."كان عمر يجهز القهوة."حتى لو مهمة؟""مفيش مهام.""ولو كريم؟""خصوصًا كريم."ضحك."أوامرك."وضعت أمل كوب القهوة أمامه."أنا عايزة يوم طبيعي.""طبيعي جدًا.""من غير مطاردات.""تمام.""من غير أسرار.""تمام.""ومن غير حد يظهر فجأة ويقول لنا عندي عملية.""وعد."ارتدت أمل ملابس بسيطة، وخرجا من الفندق من غير أي خطة.لم يكن معهما سوى مبلغ بسيط وهاتف عمر.قالت:"نروح فين؟""إنتِ اللي قلتي عايزة يوم طبيعي.""يعني؟""نمشي وخلاص."ابتسمت."أول مرة نخرج من غير ما يكون عندنا هدف.""ودي أحسن حاجة."---مشيا في شوارع المدينة القريبة من البحر.دخلا متجرًا صغيرًا، ثم خرجا منه دون أن يشتريا شيئًا.توقفت أمل أمام محل ملابس.نظرت إلى فستان في الواجهة.قال عمر:"عجبك؟""آه.""ادخلي.""مش محتاجاه.""بس عجبك.""إحنا مش هنشتري كل حاجة تعجبنا."دخل عمر المحل.وبعد دقائق خرج وهو يحمل كيسًا.نظرت إليه بدهشة."إنت عملت إيه؟""ولا حاجة."فتحت الكيس.كان الفستان نفسه.نظرت إ
عاد عمر وأمل إلى المدينة مع غروب الشمس. لم يتحدثا كثيرًا في الطريق. كان كل واحد منهما غارقًا في أفكاره، لكن الصمت هذه المرة لم يكن ثقيلًا. لم يكن هناك سؤال عن مطاردة جديدة، ولا خوف من شخص يراقبهما، ولا محاولة لمعرفة ما سيحدث بعد ساعات. كان هناك شعور غريب بأن شيئًا طويلًا بدأ أخيرًا ينتهي. عندما وصلا إلى الفندق، وضع عمر الحقيبة فوق الطاولة. أخرج الملفات التي أخذاها من الخزنة، ثم وضعها جانبًا. أما الخريطة الصغيرة فبقيت في يده. قالت أمل: "لسه بتفكر فيها؟" نظر إليها. "مش عارف أرميها." "ولا أنا." "بس مش هنروح الجزيرة دي." ابتسمت. "أكيد." أعاد الخريطة إلى الحقيبة. ثم أغلقها. قال: "خلصنا." نظرت إليه أمل طويلًا. "خلصنا فعلًا؟" "أيوه." اقتربت منه. "حاسّة إن كلمة خلصنا دي كبيرة." "لأنها أول مرة نقولها ونكون مصدقين." وضعت يدها على صدره. "أنا فخورة بيك." ابتسم. "ليه؟" "عشان كل مرة كان ممكن تختار نفسك، اخترتني." أمسك يدها. "وأنتِ كنتِ بتعملي نفس الحاجة." سكتت. ثم قالت: "بس من النهارده مش عايزة حد فينا يضحي بنفسه عشان التاني." "هحاول." "مش تحاول." نظر إليها. "
لم يكن البحر هادئًا بما يكفي ليجعل الرحلة مريحة.كانت الأمواج تضرب جانب القارب، والجزيرة تظهر أمامهما تدريجيًا، صغيرة ومعزولة وسط البحر.وقفت أمل بجوار عمر، تنظر إليها بصمت.قالت:"حاسّة إن المكان ده مخبي حاجة."أجاب عمر:"وأنا حاسس إننا هنكتشفها غصب عننا."نظرت إليه."لسه عندك فرصة نرجع."ابتسم."وإنتِ؟""أنا جاية معاك."أمسك يدها."يبقى خلاص."وصل القارب إلى شاطئ صغير.نزل عمر وأمل، بينما بقي كريم مع الرجل الذي يقود القارب.أشار كريم إلى طريق ضيق بين الأشجار."الباب في آخر الطريق."سأله عمر:"وإنت مش جاي؟""هستناكم هنا.""ليه؟"صمت كريم للحظة."لأن اللي موجود جوه يخصكم أكتر مما يخصني."لم يعجب عمر الرد، لكنه لم يجادله.انطلق هو وأمل بين الأشجار.كان الطريق قصيرًا، لكنه بدا أطول بسبب الصمت المحيط بهما.بعد دقائق، ظهرت أمامهما واجهة حجرية قديمة، وفي منتصفها باب ضخم.وعلى الباب كانت العلامة نفسها.قالت أمل:"دي هي."أخرج عمر المفتاح.نظر إليها."جاهزة؟""أيوه."أدخل المفتاح.دار بسهولة.صدر صوت معدني عميق، ثم انفتح الباب.دخلا.---كان خلف الباب ممر حجري طويل.أضاء عمر المصباح.ظهرت ال
ظل عمر واقفًا أمام الصندوق، وكأنه ينتظر أن يتغير شكله أمام عينيه.أما أمل فلم تتحرك.كانت تنظر إلى كريم، ثم إلى الصندوق، ثم إلى عمر.قالت:"يعني إيه مش الصندوق الحقيقي؟"رد كريم بهدوء:"يعني إن الصندوق اللي شفتوه في المتحف كان نسخة."تقدم عمر خطوة."وأنت عرفت منين؟""لأني كنت أعرف بوجود الصندوق الحقيقي.""فين؟""هنا."أشار كريم إلى الطاولة.اقتربت أمل."إنت عايزنا نصدق إن كل اللي حصل بدأ بسبب صندوق مزيف؟""مش بسبب الصندوق.""أمال بسبب إيه؟"نظر كريم إليها."بسبب اللي كان جواه."سكت عمر.ثم قال:"إيه اللي كان جواه؟"كريم لم يجب فورًا.فتح الصندوق.كان فارغًا.قالت أمل:"فاضي.""دلوقتي.""كان فيه إيه؟"أخرج كريم ورقة صغيرة من جيبه.وضعها أمامهما.كانت عليها نفس العلامة.ثم قال:"كان فيه مفتاح."نظر عمر إلى المفتاح الموجود معه.تغير وجهه.أخرج المفتاح ووضعه بجوار الورقة.كان مطابقًا.قالت أمل:"إذن المفتاح هو اللي كان جوه الصندوق.""أيوه.""إنت حطيته عندنا؟"هز كريم رأسه."لأ.""أمال مين؟""الشخص اللي كان عايزكم توصلوا هنا."اقترب عمر."مين؟"صمت كريم.ثم قال:"لسه مش وقت الاسم."انزعج ع
لم يكن السفر هذه المرة هروبًا.كان قرارًا.استيقظ عمر وأمل في الصباح وهما يعرفان أن أمامهما خمسة أيام فقط قبل الموعد الذي حدده الشخص المجهول.لكن بدلًا من أن يقضيا الأيام في الخوف، قررا أن يستغلاها في الاستعداد.لم يعرفا بالضبط ما الذي ينتظرهما في الميناء.ولا ما الذي سيحدث بعد ذلك.لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.لن يذهبا إلى هناك كضحيّتين.قالت أمل وهي تضع آخر قطعة ملابس في الحقيبة:"حاسّة إننا بنجهز لسفر عادي."كان عمر يراجع بعض الأوراق."لأنه سفر عادي."نظرت إليه."إنت مقتنع؟""لأ."ضحكت."أهو.""بس مش عايز أخلي الموضوع ياخد أكبر من حجمه.""ولو طلع أكبر؟""ساعتها نتعامل معاه."أغلقت الحقيبة."أنا جاهزة."نظر إليها."متأكدة؟""أيوه.""مش خايفة؟"فكرت قليلًا."خايفة."اقترب منها."طب ليه مكملة؟"أمسكت يده."عشان المرة دي الخوف مش هو اللي بيقرر."ابتسم."اتفقنا."---قبل السفر بيوم، قررا أن يقضيا المساء في البيت.لم يريدا أن يكون كل شيء متعلقًا بالمهمة.جلسا معًا يتناولان العشاء.قالت أمل:"فاكر أول مرة أكلنا سوا؟""أيوه.""كان الوضع مختلف تمامًا.""جداً.""كنت مش طايقاك.""كنتِ بتخبي."







