INICIAR SESIÓNجلست أمينة أمام والدتها، تحدق في وجهها بقلق، بينما كان قلبها يخفق بعنف، وكأن أنفاسها توقفت في انتظار الحقيقة. رفعت الأم بصرها إليها وقالت بصوتٍ مثقل بالحزن: "أتمنى يا ابنتي ألا تغضبي مني، وألا تلومي قلبي على أنني أخفيت عنك هذا السر كل هذه السنين." ابتسمت أمينة ابتسامة باهتة وقالت: "أنا اعتدت الحزن يا أمي، واعتدت البكاء حتى لم يعد شيء يؤلمني أكثر مما عشته." تنهدت الأم طويلًا، ثم قالت: "قبل أن أتزوج والدك، تقدم لخطبتي شاب فقير. لم يكن يملك بيتًا ولا مالًا، لذلك رفضه أهلي، رغم أنه كان يحبني كثيرًا، وكنت أكنّ له مجرد إعجاب لا أكثر." سكتت لحظة، ثم تابعت: "بعدها تقدم والدك، وكان يملك بيتًا وأحواله المادية جيدة، فوافق عليه أهلي دون تردد، وتم الزواج." أطرقت برأسها، وكأنها تستعيد تلك الأيام المؤلمة. "في بداية زواجنا كان والدك شديد العصبية، وكنت أخشاه كثيرًا. وفي أحد الأيام، جاء ذلك الشاب إلى جوار بيتنا، وناداني من خلف السور. خرجت إليه لأطلب منه أن يرحل، وقلت له: أنا امرأة متزوجة، فلا تعد إلى هنا مرة أخرى، فأنت لن تجلب لي سوى المشكلات." وأضافت وهي تمسح دموعها: "قال لي إنه لم يستطع ا
دخلت هند، زوجة عبد الله، وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، ثم قالت بقلق: "عبد الله، أرجوك لا تخرج من المنزل مرة أخرى. نحن لدينا أطفال، وأخشى أن يصيبك مكروه. أما بشأن المال، فلماذا لا تذهب إلى والدك وتطلب منه المساعدة؟ لا بد أنه باع الأغنام وغادر القرية، فمن المستحيل أن يبقى هناك حتى الآن." رمقتها والدة عبد الله بنظرة حزينة، ثم قالت: "يا ابنتي، حين كنا جميعًا نعيش معًا، وقبل أن تندلع الحرب، لم يكن يعطينا قرشًا واحدًا. كانت جميع أمواله بيد زوجته، وهي التي تتحكم بكل شيء. فكيف تظنين أنه سيساعدنا اليوم بعد أن اشتدت هذه المحنة؟" تنهد عبد الله وأطفأ سيجارته، ثم قال بهدوء: "غدًا سأذهب إلى القرية لأرى كيف أصبحت الأوضاع هناك. فإن كانت آمنة وعدنا قادرين على العيش فيها، فسنرجع جميعًا. هناك أرضنا ورزقنا، وإن ضاقت بنا الدنيا زرعنا أرضنا وأكلنا من خيرها. قد لا نجد المال، لكننا على الأقل لن نجوع." ساد الصمت من جديد، ولم يجرؤ أحد على الرد. كان كل منهم يعلم أن العودة إلى القرية ليست قرارًا سهلًا، وأن الحرب غيّرت كل شيء، ولم يعد أحد يعرف ما الذي ينتظره في الغد. في صباح اليوم التالي، استيقظ عبد ال
بعد أن فرغوا من تناول الفطور، جلسوا في غرفة الجلوس يتبادلون الحديث، وقد خيّم القلق على وجوههم. كانت أخبار البلاد تتصدر كل مجلس، فلا حديث يعلو على ما يجري من أحداث. قال عبد الله مخاطبًا والدته: "يا أمي، سأحاول العثور على عمل هنا في المنطقة لأساهم في تأمين نفقات المنزل. فأنتِ تعلمين أن الأوضاع في البلاد لم تعد مستقرة، وعلينا أن نوفّر الطحين والغاز والمازوت قبل حلول الشتاء القارس." ثم تنهد وأردف قائلًا: "يتداول الناس أخبارًا عن احتمال انقطاع الخبز، بعد أن تعرّض عدد من المخابز والأفران للقصف، وأصبح إنتاج الخبز يتراجع يومًا بعد يوم." أطلقت والدته تنهيدةً عميقة، ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت بحرقة: "اللهم ارفع هذا البلاء عن بلادنا، واحفظ أهلها من كل سوء. ما ذنب هؤلاء الناس حتى يُهجَّروا من ديارهم ويواجهوا الجوع والبرد والخوف؟ إلى أين يمضون، وقد ضاقت بهم الأرض بما رحبت؟" وفي صباح اليوم التالي، خرج عبد الله باكرًا، والضباب يلف الطرقات. كان يحمل في قلبه أملاً صغيرًا بأن يجد فرصة عمل، لكن ما رآه في الطريق كان أشد قسوة مما توقع. اصطف عشرات الرجال أمام أحد المستودعات ينتظرون فرصة ل
خرجت أمينة مع والدتها وسط جموع النازحين، وكل واحد منهم يحمل ما استطاع حمله من متاعه، بينما ترك خلفه بيتًا وعمرًا كاملًا من الذكريات. وبعد مسافة، لحق بهم أخوها عبد الله وزوجته وأطفاله، وهو يسرع في خطواته حتى وصل إليهم. نادى بصوت مرتفع: "أمي... أمي، انتظرينا." توقفت الأم والتفتت إليه، فقال وهو يلهث: "تعالي معي أنتِ وأمينة وإخوتي الصغار. أهل زوجتي لديهم بيت فارغ، فقد سافروا خارج البلاد، ويمكننا أن نقيم فيه جميعًا حتى تهدأ الأوضاع ونعود إلى بيوتنا." نظرت إليه والدته بعينين امتلأتا بالامتنان، لكنها قالت بتردد: "يا بني، سنثقل عليكم. أنت وزوجتك وأولادك بحاجة إلى راحة،ولا أريد أن أضيق عليكم." اقترب عبد الله منها، وأمسك يدها بحنان، ثم قال: "يا أمي، هذا ليس وقت مثل هذا الكلام. الحمد لله أننا وجدنا سقفًا يأوينا. خيرٌ لنا أن نجتمع في بيتٍ واحد، على أن نفترق ونعيش في الخيام مثل كثير من هؤلاء الناس." سكتت الأم لحظات، ثم أومأت برأسها موافقة، بينما شعرت أمينة بشيء من الطمأنينة لأول مرة منذ أن غادرت منزلها. ورغم أن الحزن كان يملأ قلبها، إلا أن وجود أخيها إلى جانبها خفف عنها شيئًا م
في صباح اليوم التالي، استيقظت أمينة على غير عادتها على أصوات بعيدة تشبه دوي الرعد، لكنها لم تكن رعدًا. كانت أصوات انفجارات تتردد بين الجبال المحيطة بالقرية، فتوقفت للحظات وهي تحدق من نافذة المنزل، وقلبها يخفق بقوة. خرج أهل القرية إلى الطرقات، وكل واحد يسأل الآخر عما يجري، لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا واضحًا. كانت الأخبار تتغير كل ساعة، والخوف يزداد في وجوه الجميع. دخلت أمها وهي تحمل كيسًا صغيرًا، وقالت بصوت امتزج فيه القلق بالحزن: "يلا يا أمينة... لازم نطلع قبل ما تسكر الطرق." نظرت أمينة حولها، وكأنها تودع كل زاوية في بيتها. لم تستطع أن تمنع دموعها وهي تمر بيدها على جدران المنزل التي شهدت طفولتها، ثم خرجت إلى الحديقة الصغيرة. اقتربت من شجيرات الورد التي زرعتها بنفسها، ولمست أوراقها برفق، وهمست: "سامحيني... إن شاء الله برجعلك قريب." ثم اتجهت نحو الحظيرة، فوجدت خروفها الصغير يقفز حولها كعادته، غير مدرك أن الفراق قد حان. احتضنته بقوة، وقبلت رأسه، وانهمرت دموعها وهي تقول: "ديروا بالكم عليه... لا تتركوه يجوع." حملت أمينة حقيبة صغيرة لم تضم سوى بعض الملابس، ومصحفًا قديمًا أه
- لا تزالين تنتظرين ذلك الذي تركك وسافر؟ لو كان يحبك حقًا لما رحل وتركك. اسمعي نصيحتي، ابحثي لكِ عن شيخٍ كبير يقبل الزواج بكِ... إن وجد أصلًا من يرضى بكِ! رفعت أمينة رأسها، ونظرت إليها بثبات، ثم قالت بلهجةٍ لاذعة: - لا تقلقي... سأجد زوجًا، كما وجدتِ أنتِ زوجًا بعدما طال بكِ العمر، ولم تجدي غير أبي تتزوجينه. اختفت الابتسامة الماكرة عن وجه زوجة أبيها، وحلّ مكانها غضبٌ شديد. صرخت بها: - اخرسي! ضحكت أمينة ضحكةً امتزجت بالمرارة، وما تزال الدموع تلمع في عينيها، ثم أدارت ظهرها لها ومضت في طريقها نحو البستان، تاركةً خلفها امرأةً تتأجج غيظًا. ما إن وصلت أمينة إلى البستان حتى اتجهت مباشرة نحو شجرة التوت. اقتربت منها ببطء، ومدّت يدها تتحسس المكان الذي نقش فيه أحمد حرف اسمه إلى جانب حرف اسمها. مررت أصابعها على النقش وكأنها تلامس يده، وشعرت للحظة أن الزمن قد توقف عند ذلك اليوم الذي جمعهما تحت ظلال هذه الشجرة. احتضنت جذع الشجرة بقوة، وأغمضت عينيها، ثم همست بصوتٍ اختنق بالبكاء: - أنتِ الوحيدة التي تؤنس وحدتي في غياب أحمد... وكلما جئت إليكِ أشعر أن شيئًا منه ما زال هنا. وانهمرت دمو