LOGINبعد أن ابتعدوا عن الفرع وساروا مسافة طويلة على الطريق، وصلوا إلى مفترق يفصل بين طريق القرية والطريق المؤدي إلى المدينة. توقف أحمد فجأة، ثم نظر إلى الإخوة الثلاثة، وقال بصوت حاول أن يخفي فيه ألمه: "إلى هنا سأودعكم يا شباب." نظر إليه عبد الله باستغراب، وقال: "وماذا تقصد؟ ألم تكن ستأتي معنا إلى القرية؟" ابتسم أحمد ابتسامة باهتة، ثم هز رأسه وقال: "لن أستطيع... سأعود إلى أهلي، سأغادر سوريا من جديد. يبدو أن هذه البلاد لم يعد فيها مكان لنا." ساد الصمت للحظات، ثم اقترب أحمد من عبد الله وقال: "عبد الله... هل يمكن أن أكلمك على انفراد؟" أومأ عبد الله برأسه، وابتعدا قليلًا عن حسن وحسين. تنهد أحمد طويلًا، ثم قال: "قد تكون هذه آخر مرة أراك فيها. وربما لن تجمعنا الأيام مرة أخرى، لذلك أريد منك جوابًا صريحًا." قال عبد الله: "اسأل، ولن أخفي عنك شيئًا." نظر أحمد إلى عينيه وقال: "يوم سألتك عن موقف والدك من موضوعي مع أمينة، رأيتك ارتبكت وغيرت الحديث. أنت تعرف كم أحب أمينة، وأنني كنت مستعدًا أن أهبها عمري كله. أخبرني... ماذا كان يخفى عني؟" خفض عبد الله رأسه، وبقي صامتًا لثوانٍ، ثم قال بحزن:
رفع الأربعة رؤوسهم بسرعة، وكأن نافذة صغيرة من الأمل قد فُتحت أمامهم. قال عبد الله: "يا سيدي... نحن مستعدون لأي شيء، فقط أخرجونا من هنا." ابتسم الضابط ابتسامة باردة وقال: "كل واحد منكم يحكي مع أهله، ويطلب منهم مبلغ مئة مليون مقابل الإفراج عنكم." ساد الصمت في الغرفة، وتبادل الإخوة النظرات المليئة بالذهول. كانوا يعلمون أن عائلاتهم لا تملك سوى قوت يومها، فكيف لها أن تؤمن مبلغًا كهذا؟ كان أحمد يقف بصعوبة، يضغط بيده على كتفه الذي لم يلتئم بعد من آثار التعذيب، ثم قال بصوت متعب: "اسمح لي أن أتصل بوالدي، وسأطلب منه أن يؤمن المال. إذا استطاع، سيدفعه في أسرع وقت." نظر إليه الضابط وقال بنبرة حاسمة: "اسمعوا جيدًا... كل يوم يمر، يزداد المبلغ المطلوب. وإذا لم يصل المال، فأنتم تعرفون جيدًا ماذا سيكون مصيركم." ثم ضغط على الجرس، فدخل العناصر وأعادوا الأربعة إلى الزنزانة، بينما كانت كلمات الضابط تتردد في آذانهم، لتضيف همًا جديدًا فوق ما يحملونه من ألم وخوف. بعد ساعات، سمحوا لأحمد بإجراء اتصال هاتفي قصير تحت مراقبة أحد العناصر. كانت يده ترتجف وهو يمسك بسماعة الهاتف، بينما كان قلبه
بعد أن أخذ الأمن الإخوة الثلاثة إلى الفرع ومعهم أحمد. وهناك بدأ التحقيق معهم، وكان التعذيب يشتد ساعة بعد أخرى، وبين الفينة والأخرى كانوا يسمعون أصوات إطلاق النار أو صرخات شباب تُقطع نياط القلب، ثم يخيم الصمت، فيدرك الجميع أن روحًا أخرى قد فارقت الحياة. اقتادهم العناصر إلى غرفة ضيقة جدًا، تكاد تخلو من الهواء، كانت مكتظة بعشرات المعتقلين. بعضهم ملقى على الأرض من شدة الإعياء، وآخرون تغطي الدماء أجسادهم، ومنهم من كُسرت أطرافه ولم يجد من يداوي جراحه. كانت رائحة الدم والعرق والرطوبة تخنق الأنفاس، بينما تعلو بين الحين والآخر أنين الجرحى وهم يطلبون شربة ماء أو كلمة رحمة، لكن دون جدوى. تبادل عبدالله وإخوته النظرات، وقد خيمت على وجوههم الصدمة. لم يكونوا يتخيلون أن يروا كل هذا العذاب بأعينهم، وشعروا لأول مرة أن الموت أصبح أقرب إليهم من أي وقت مضى. جلسوا في زاوية الغرفة بصمت، وكل واحد منهم يدعو الله في سره أن يحفظ أهله، وأن يكتب لهم النجاة مهما طال هذا البلاء. عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، دوّى صوت خطوات ثقيلة في الممر، ثم انفتح باب الزنزانة بعنف. كان المعتقلون يعرفون ما الذي يعنيه ذل
ما إن دخلت النساء والأطفال إلى المنزل حتى أسرعت أمُّ حسن وحسين نحوهما بلهفة. احتضنت أحفادها واحدًا تلو الآخر، وأغرقت وجوههم بالقبلات، وقد غلبتها الدموع. حملت أمينة ما تبقى من الحقائب إلى الداخل، ثم أغلقت الباب خلفها، بينما جلست النساء يلتقطن أنفاسهن بعد رحلة النزوح الشاقة. تنهدت الجدة وهي تهز رأسها بأسى، ثم قالت: "لقد قلت لكم أن تغادروا جميعًا، وأخبرتكم أن الأوضاع ستزداد سوءًا، لكنكم لم تستمعوا إلى كلامي." أسندت حنان، زوجة حسين، ظهرها إلى الحائط وقالت بصوت متعب: "والله يا عمتي، لم يكن الأمر بأيدينا. أبناؤك أصروا على البقاء، وأنت تعلمين ذلك. وفي النهاية خرجنا رغماً عنا." وأضافت ريم، زوجة حسن: "دعينا نُريح الأطفال أولًا، ثم نُحممهم ونُطعمهم، فقد أنهكهم السفر." همّت حنان بالنهوض، لكن الجدة أمسكت بيدها فجأة، وكأن خاطرًا مرعبًا اجتاح قلبها. سألت بصوت ارتجف من الخوف: "تمهلي... أين حسن وحسين؟ لماذا لم يصلا معكم حتى الآن؟" تبادلت حنان وريم نظرة طويلة، ثم انخفضت رؤوسهما، ولم تستطيعا الإجابة. تسارعت دقات قلب الجدة، وأعادت السؤال بقلق أكبر: "تكلمتا... ماذا حدث لهما؟"
اندفع الجنود نحو عبد الله وحسن وحسين وأحمد، وقيدوا أيديهم بعنف. صرخ أحمد وهو يحاول الإفلات منهم: - اتركونا... لم نفعل شيئًا! نظر إليه الضابط بازدراء وقال: - في الفرع سنعرف إن كنت بريئًا... أم تخفي أكثر مما تقول. في تلك اللحظة، انفجرت النساء بالبكاء، وارتفعت صرخات الأطفال وهم يتعلقون بآبائهم، لكن الجنود أبعدوهم بقسوة. اقترب السائق من النساء وقال بصوت خافت: - اصعدن بسرعة... إذا بقينا هنا سيأخذوننا جميعًا. وقبل أن يبتعد الجنود بالرجال، التفت عبد الله وإخواه نحو عائلاتهم، وقد امتلأت أعينهم بالدموع. صرخ عبد الله بأعلى صوته: - اعتنوا بالأطفال... ولا تتوقفوا عن الطريق! وقال حسن: - مهما تأخرنا... لا ترجعوا إلى القرية. أما حسين، فكانت عيناه معلقتين بأطفاله، وقال بصوت اختنق بالبكاء: - أولادي... كونوا رجالًا واسمعوا كلام أمكم. ثم دفعتهم أيدي الجنود بعنف نحو السيارة العسكرية، وأُغلقت الأبواب الحديدية خلفهم بقوة، بينما بقيت النساء واقفات على جانب الطريق، يشاهدن المركبة تبتعد شيئًا فشيئًا، حتى اختفت خلف سحابة من الغبار... ولم يكن أحد يعلم إلى أي مصير كانت تمضي بهم.بعد أن اقتادت الدو
وصل أحمد إلى عبد الله وهو يلهث من شدة الركض، وما إن اقترب منه حتى أمسك بيده وقال بلهفة: - عبد الله... كيف حالك؟ أين كنتم طوال هذه المدة؟ عدت إلى القرية منذ أيام، وبحثت عنكم في كل مكان، لكن الجميع أخبرني أنكم غادرتم. توقف لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة وقال: - طمئني... كيف حال أمينة؟ ربت عبد الله على كتفه وقال بهدوء: - تعال، لنجلس. هناك أمور كثيرة يجب أن أحدثك بها. جلسا تحت شجرة قريبة، وساد بينهما صمت قصير قطعه عبد الله بقوله: - وأنت... أين عائلتك؟ ألم يكونوا هنا؟ تنهد أحمد وقال: - عندما سافرت إلى باريس لإكمال دراسة الدكتوراه، كان ذلك باتفاق بين أبي ووالد أمينة. اتفقا أن أنهي دراستي ثم أعود لأتزوجها. لكن بعدما بدأت الأحداث في البلاد، تواصلت مع أبي، وساعدت أهلي على الخروج إلى خارج سوريا. صمت قليلًا، ثم أكمل بصوت مكسور: - هناك أخبرني أبي أن أمينة لم تعد تريدني، وأنها قالت إنها تكرهني، وأنها لم تكن تحبني يومًا. لم أصدق كلامه، لذلك عدت لأعرف الحقيقة بنفسي. ابتسم عبد الله بسخرية مريرة وقال: - هذا ما قاله لك والدك؟ - نعم... ولماذا؟ هل هناك شيء لا أعرفه؟ أطرق عبد الله ر