مشاركة

الفصل 11

مؤلف: الروائي
last update تاريخ النشر: 2026-07-14 16:51:06

ظلّت أمينة ملقاة على أرض الغرفة الباردة، وقد غطّت آثار الضرب وجهها، وتناثرت الكدمات على جسدها النحيل. شعرت وكأن الدنيا بأسرها قد تآمرت عليها، وأن السعادة لم تُخلق لها قط. راحت تبكي بصمت حتى أثقلها الإعياء، فاستسلمت للنوم.

مع إشراقة اليوم التالي، دخلت والدتها الغرفة، وساعدتها على الجلوس برفق، ثم قدّمت إليها الطعام والماء، لكن أمينة أبت أن تتناول شيئًا. بقيت صامتة، تحدّق في الفراغ بعينين أنهكهما البكاء. حاولت أمها مواساتها بكلمات حانية، إلا أن أمينة لم تُجب، وكأن روحها قد انطفأت.

مرّ اليوم الثاني، ثم الثالث، ولم يلامس الطعام أو الشراب شفتيها.

دخلت أمها وهي تكاد تبكي، وقالت بصوت مرتجف:

"يا ابنتي، ستهلكين إن بقيتِ على هذه الحال."

أجابت أمينة بصوت خافت، يملؤه الانكسار:

"ليت الموت يريحني من هذا العذاب."

وفي تلك اللحظة دخل إخوتها. قال أحدهم بغلظة:

"احمدي الله أن أبانا لم يقتلك. ولو علمنا أن بينك وبين ذلك الشاب شيئًا، لما ترددنا في قتلك بأيدينا."

رفعت أمينة رأسها ببطء، وكانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، وقالت بمرارة:

"وماذا تنتظرون إذًا؟ اقتلوني وأريحوني... أرجوكم، دعوني وحدي."

ساد الصمت، وغادر الجميع الغرفة، بينما بقيت والدتها تنظر إليها بعجز قبل أن تخرج هي الأخرى.

جلست أمينة وحدها، وقد أثقلها اليأس حتى لم تعد ترى أمامها سوى الظلام. ولم تمضِ لحظات حتى فقدت وعيها من شدة الإنهاك، فهرع حسين إليها وهو ينادي باسمها مذعورًا. حملها بين ذراعيه، وركض بها خارج المنزل، بينما كانت الأصوات من حولها تتلاشى شيئًا فشيئًا، ولم تعد ترى سوى ضباب كثيف يلفّ المكان.

...

فتحت عينيها بصعوبة، لتجد نفسها في غرفة بالمستشفى. كان الهدوء يخيّم على المكان، ولم يكن إلى جوارها سوى أحمد، ممسكًا بيدها، وقد اغرورقت عيناه بالدموع.

ما إن شعر بأنها استعادت وعيها حتى قال بصوت متهدج:

"لماذا فعلتِ هذا بنفسك يا أمينة؟ كنتِ ستفارقين الحياة... ولو خسرتك، لما سامحت نفسي أبدًا."

نظرت إليه بعينين أنهكهما الحزن، وهمست:

"سامحني يا أحمد... سامحني لأنك أحببتني، وتعلقت بي، ولم أستطع أن أكون لك. هذا قدري... فلا تُضع شبابك في انتظار حلمٍ قد لا يتحقق. انسني، وابحث عن حياتك."

وانحدرت دموعها على وجنتيها كالمطر.

هزّ أحمد رأسه بقوة، وقال:

"لا تقولي هذا. أقسم لكِ أنني سأنتظرك ما حييت، ولن يغيّر قلبي أحد."

وقبل أن تتمكن أمينة من الرد، اندفع حسين إلى الغرفة وهو يلهث، وقال بصوت خافت:

"أحمد... أسرع، أبي وصل. إن رآك هنا فلن تمرّ الأمور بسلام."

شدّ أحمد على يد أمينة، ونظر في عينيها قائلًا:

"إن كنتِ تحبينني، فعديني ألا تؤذي نفسك مرة أخرى. حافظي على نفسك... فأنتِ كل حياتي."

التقت عيناهما، ورغم الألم الذي يعتصر قلبها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، وقالت:

"وأنا أيضًا... سأنتظرك إلى آخر يومٍ في عمري."

غادر أحمد الغرفة على مضض، وعاد الصمت يخيم على المكان. لم يمضِ وقت طويل حتى انفتح الباب بعنف، ودخل والد أمينة، وقد ارتسم الغضب على ملامحه.

تقدّم نحو سريرها وقال بلهجة قاسية:

"إلى أين تريدين أن توصلي بتصرفاتك هذه؟ أما زلتِ مصرة على عنادك؟"

رفعت أمينة رأسها ببطء، وحدّقت في وجهه. لكنها لم تكن تلك الفتاة التي اعتادت أن تخفض بصرها خوفًا. كانت نظرتها ثابتة، يملؤها وجع سنوات طويلة، وقوة لم يعرفها عنها من قبل.

قالت بصوت هادئ، لكنه كان حادًا كالسيف:

"أتمنى الموت كل يوم... لعلني أرتاح منك ومن هذا العذاب."

تجمد والدها في مكانه، بينما تابعت هي حديثها، وقد انهمرت دموعها دون أن تنكسر نبرة صوتها:

"لم أشعر يومًا بحنانك، ولا عرفت معنى أن يكون للإنسان أبٌ يحتمي به. كنتُ أشعر دائمًا أنني ابنة عدوك، لا ابنتك."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • حب وحرب   الفصل 21

    دخلت هند، زوجة عبد الله، وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، ثم قالت بقلق: "عبد الله، أرجوك لا تخرج من المنزل مرة أخرى. نحن لدينا أطفال، وأخشى أن يصيبك مكروه. أما بشأن المال، فلماذا لا تذهب إلى والدك وتطلب منه المساعدة؟ لا بد أنه باع الأغنام وغادر القرية، فمن المستحيل أن يبقى هناك حتى الآن." رمقتها والدة عبد الله بنظرة حزينة، ثم قالت: "يا ابنتي، حين كنا جميعًا نعيش معًا، وقبل أن تندلع الحرب، لم يكن يعطينا قرشًا واحدًا. كانت جميع أمواله بيد زوجته، وهي التي تتحكم بكل شيء. فكيف تظنين أنه سيساعدنا اليوم بعد أن اشتدت هذه المحنة؟" تنهد عبد الله وأطفأ سيجارته، ثم قال بهدوء: "غدًا سأذهب إلى القرية لأرى كيف أصبحت الأوضاع هناك. فإن كانت آمنة وعدنا قادرين على العيش فيها، فسنرجع جميعًا. هناك أرضنا ورزقنا، وإن ضاقت بنا الدنيا زرعنا أرضنا وأكلنا من خيرها. قد لا نجد المال، لكننا على الأقل لن نجوع." ساد الصمت من جديد، ولم يجرؤ أحد على الرد. كان كل منهم يعلم أن العودة إلى القرية ليست قرارًا سهلًا، وأن الحرب غيّرت كل شيء، ولم يعد أحد يعرف ما الذي ينتظره في الغد. في صباح اليوم التالي، استيقظ عبد ال

  • حب وحرب   الفصل 20

    بعد أن فرغوا من تناول الفطور، جلسوا في غرفة الجلوس يتبادلون الحديث، وقد خيّم القلق على وجوههم. كانت أخبار البلاد تتصدر كل مجلس، فلا حديث يعلو على ما يجري من أحداث. قال عبد الله مخاطبًا والدته: "يا أمي، سأحاول العثور على عمل هنا في المنطقة لأساهم في تأمين نفقات المنزل. فأنتِ تعلمين أن الأوضاع في البلاد لم تعد مستقرة، وعلينا أن نوفّر الطحين والغاز والمازوت قبل حلول الشتاء القارس." ثم تنهد وأردف قائلًا: "يتداول الناس أخبارًا عن احتمال انقطاع الخبز، بعد أن تعرّض عدد من المخابز والأفران للقصف، وأصبح إنتاج الخبز يتراجع يومًا بعد يوم." أطلقت والدته تنهيدةً عميقة، ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت بحرقة: "اللهم ارفع هذا البلاء عن بلادنا، واحفظ أهلها من كل سوء. ما ذنب هؤلاء الناس حتى يُهجَّروا من ديارهم ويواجهوا الجوع والبرد والخوف؟ إلى أين يمضون، وقد ضاقت بهم الأرض بما رحبت؟" وفي صباح اليوم التالي، خرج عبد الله باكرًا، والضباب يلف الطرقات. كان يحمل في قلبه أملاً صغيرًا بأن يجد فرصة عمل، لكن ما رآه في الطريق كان أشد قسوة مما توقع. اصطف عشرات الرجال أمام أحد المستودعات ينتظرون فرصة ل

  • حب وحرب   الفصل 18

    خرجت أمينة مع والدتها وسط جموع النازحين، وكل واحد منهم يحمل ما استطاع حمله من متاعه، بينما ترك خلفه بيتًا وعمرًا كاملًا من الذكريات. وبعد مسافة، لحق بهم أخوها عبد الله وزوجته وأطفاله، وهو يسرع في خطواته حتى وصل إليهم. نادى بصوت مرتفع: "أمي... أمي، انتظرينا." توقفت الأم والتفتت إليه، فقال وهو يلهث: "تعالي معي أنتِ وأمينة وإخوتي الصغار. أهل زوجتي لديهم بيت فارغ، فقد سافروا خارج البلاد، ويمكننا أن نقيم فيه جميعًا حتى تهدأ الأوضاع ونعود إلى بيوتنا." نظرت إليه والدته بعينين امتلأتا بالامتنان، لكنها قالت بتردد: "يا بني، سنثقل عليكم. أنت وزوجتك وأولادك بحاجة إلى راحة،ولا أريد أن أضيق عليكم." اقترب عبد الله منها، وأمسك يدها بحنان، ثم قال: "يا أمي، هذا ليس وقت مثل هذا الكلام. الحمد لله أننا وجدنا سقفًا يأوينا. خيرٌ لنا أن نجتمع في بيتٍ واحد، على أن نفترق ونعيش في الخيام مثل كثير من هؤلاء الناس." سكتت الأم لحظات، ثم أومأت برأسها موافقة، بينما شعرت أمينة بشيء من الطمأنينة لأول مرة منذ أن غادرت منزلها. ورغم أن الحزن كان يملأ قلبها، إلا أن وجود أخيها إلى جانبها خفف عنها شيئًا م

  • حب وحرب   الفصل17

    في صباح اليوم التالي، استيقظت أمينة على غير عادتها على أصوات بعيدة تشبه دوي الرعد، لكنها لم تكن رعدًا. كانت أصوات انفجارات تتردد بين الجبال المحيطة بالقرية، فتوقفت للحظات وهي تحدق من نافذة المنزل، وقلبها يخفق بقوة. خرج أهل القرية إلى الطرقات، وكل واحد يسأل الآخر عما يجري، لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا واضحًا. كانت الأخبار تتغير كل ساعة، والخوف يزداد في وجوه الجميع. دخلت أمها وهي تحمل كيسًا صغيرًا، وقالت بصوت امتزج فيه القلق بالحزن: "يلا يا أمينة... لازم نطلع قبل ما تسكر الطرق." نظرت أمينة حولها، وكأنها تودع كل زاوية في بيتها. لم تستطع أن تمنع دموعها وهي تمر بيدها على جدران المنزل التي شهدت طفولتها، ثم خرجت إلى الحديقة الصغيرة. اقتربت من شجيرات الورد التي زرعتها بنفسها، ولمست أوراقها برفق، وهمست: "سامحيني... إن شاء الله برجعلك قريب." ثم اتجهت نحو الحظيرة، فوجدت خروفها الصغير يقفز حولها كعادته، غير مدرك أن الفراق قد حان. احتضنته بقوة، وقبلت رأسه، وانهمرت دموعها وهي تقول: "ديروا بالكم عليه... لا تتركوه يجوع." حملت أمينة حقيبة صغيرة لم تضم سوى بعض الملابس، ومصحفًا قديمًا أه

  • حب وحرب   الفصل 16

    - لا تزالين تنتظرين ذلك الذي تركك وسافر؟ لو كان يحبك حقًا لما رحل وتركك. اسمعي نصيحتي، ابحثي لكِ عن شيخٍ كبير يقبل الزواج بكِ... إن وجد أصلًا من يرضى بكِ! رفعت أمينة رأسها، ونظرت إليها بثبات، ثم قالت بلهجةٍ لاذعة: - لا تقلقي... سأجد زوجًا، كما وجدتِ أنتِ زوجًا بعدما طال بكِ العمر، ولم تجدي غير أبي تتزوجينه. اختفت الابتسامة الماكرة عن وجه زوجة أبيها، وحلّ مكانها غضبٌ شديد. صرخت بها: - اخرسي! ضحكت أمينة ضحكةً امتزجت بالمرارة، وما تزال الدموع تلمع في عينيها، ثم أدارت ظهرها لها ومضت في طريقها نحو البستان، تاركةً خلفها امرأةً تتأجج غيظًا. ما إن وصلت أمينة إلى البستان حتى اتجهت مباشرة نحو شجرة التوت. اقتربت منها ببطء، ومدّت يدها تتحسس المكان الذي نقش فيه أحمد حرف اسمه إلى جانب حرف اسمها. مررت أصابعها على النقش وكأنها تلامس يده، وشعرت للحظة أن الزمن قد توقف عند ذلك اليوم الذي جمعهما تحت ظلال هذه الشجرة. احتضنت جذع الشجرة بقوة، وأغمضت عينيها، ثم همست بصوتٍ اختنق بالبكاء: - أنتِ الوحيدة التي تؤنس وحدتي في غياب أحمد... وكلما جئت إليكِ أشعر أن شيئًا منه ما زال هنا. وانهمرت دمو

  • حب وحرب   الفصل15

    احمرّ وجه أمينة خجلًا، ثم رفعت يدها إلى عنقها، ونزعت السلسلة التي كانت ترتديها. كان يتدلى منها حرفا اسميهما. مدّتها إليه وقالت: - احتفظ بها... لتكون ذكرى مني. مع أنني أعلم أنك لن تنساني، لكن كلما نظرت إليها تذكر أن هناك قلبًا ينتظرك، ولن يتوقف عن الدعاء لعودتك. سأبقى أنتظرك مهما طال الزمن. أخذ أحمد السلسلة برفق، وأغلق كفه عليها بقوة، وكأنه يخشى أن تضيع منه. ثم نظر إليها بعينين تملؤهما المحبة وقال: - أنتِ لا تغيبين عن بالي لحظة واحدة، حتى لو لم تكن هذه السلسلة معي. مكانك هنا... ووضع يده على صدره، فوق قلبه. - أعدك يا أمينة... سأعود، وسأعود من أجلك أنتِ فقط. بعد أن غادر أحمد، بقيت أمينة واقفة عند نافذة غرفتها، تتابع خطواته حتى اختفى عن ناظريها. كان قلبها يهمس لها بشعورٍ غريب، وكأنه يخبرها أن هذا الوداع لن يعقبه لقاء قريب. مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات... وكبرت أمينة، ولم يصلها عن أحمد أي خبر. تزوجت شقيقاتها الواحدة تلو الأخرى، وكلما تقدم شاب أعزب لخطبتها رفضه والدها بحجةٍ أو بأخرى، أما إذا كان الخاطب رجلًا كبيرًا في السن أو متزوجًا، كان يُلح عليها أن توافق. لكن أمين

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status