فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه

فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه

last updateLast Updated : 2026-07-31
By:  هيروUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
92Chapters
549views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، أثناء اجتماع رسمي وتبرعات لدار الأيتام. شعرتُ بالملل وتسللتُ بعيداً عن الحشود، وفجأة لمحتُ فتاة غريبة الأطوار وتبدو جديدة على المكان. تحركت بخفة وسرقت مقص الكيك الحاد، ثم حاولت الاختفاء مستغلة الزحام. لحقتُ بها مدفوعاً بالفضول إلى ممر خلفي مهجور، وإذ بها تصعد فوق دلو قديم مقلوب، وترفع المقص لتقص شعرها بجنون وعشوائية! وأثناء ذلك التهور، سال الدم بغزارة؛ أجل، لقد جرحت رقبتها بعمق. لكن الصدمة المرعبة التي جمدت الدماء في عروقي لم تكن الجرح، بل رد فعلها.. لقد لمست دمها الساخن بأصابعها وابتسمت بنشوة مريبة! وبينما كنتُ أنظر إليها بشلل ورعب تام، التفتت برأسها ببطء، وثبّتت عينيها المتسعتين في عيني مباشرة.

View More

Chapter 1

الفصل ١

لم أكن أتخيل أن أسوأ كوابيسي سيتحقق؛ أن أقف مجدداً أمام البوابة الحديدية للدار التي أقسمت أنني لن أعود إليها أبداً لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني.

وقفتُ أمام الباب الحديدي للحظات أتأمل المكان؛ لم يتغير شيء على الإطلاق. الطلاء المتقشر لا يزال كما هو، والحديقة الصغيرة التي بالكاد تستحق هذا الاسم بدت ذابلة، بينما النافذة المكسورة في الطابق الثاني لم يكلف أحد نفسه عناء إصلاحها منذ سنوات. شددتُ قبضتي على حقيبتي، وتذكرت كيف احتضنني هذا المكان يوماً، ثم تركته وأنا أقسم ألا أعود إليه أبداً، لكن الحياة تملك حساً ساخراً في بعض الأحيان.

دفعت الباب ودخلت، وما إن خطوت عدة خطوات حتى سمعت صوتاً مألوفاً:

"مستحيل..."

رفعت رأسي لتلتقي عيناي بجايون التي كانت جالسة على حافة الدرج تمضغ علكتها بملل. حدقت بي لثوانٍ قبل أن تطلق ضحكة قصيرة متهكمة وقالت ملتفتة نحو الداخل:

"انظرن من عادت."

التفتت فتاتان كانتا بالقرب منها، فعبست إحداهما قبل أن تتسع عيناها بصدمة:

"سو آه؟"

أما الأخرى فاكتفت برفع حاجبها وقالت بنبرة جافة:

"ظننت أنكِ نسيتِ الطريق إلى هنا."

أجبتها بهدوء وثبات:

"وأنا ظننت أنكن كبرتُن."

أطلقت جايون صفيراً ساخراً وقالت:

"لا تزال تملكين لساناً حاداً."

وضعت الحقيبة على الأرض لأريح ذراعي وأردفت:

"وأنتِ لا تزالين تمضغين العلكة نفسها منذ طفولتنا."

كتمت إحدى الفتيات ضحكة صغيرة، لكن جايون لم يعجبها ذلك؛ فنهضت عن الدرج واقتربت مني خطوتين متحدية:

"إذن... ماذا تفعلين هنا؟ زيارة خيرية؟"

"أعيش هنا مؤقتاً."

ساد الصمت للحظة، ثم ظهرت هيجين من خلف الباب الزجاجي وهي تحمل كوباً ورقياً بين يديها. عندما رأتني توقفت مكانها وقالت بصوت هادئ يحمل شيئاً من الشماتة:

"حقاً؟ بعد كل تلك السنوات؟"

نظرت إليها مباشرة:

"نعم."

ابتسمت هيجين ابتسامة صغيرة وقالت:

"غريب كيف يعود الإنسان دائماً إلى المكان الذي حاول الهرب منه."

شعرت بشيء يضيق في صدري، لكنني حافظت على برودي وابتسمت بالمقابل:

"وغريب أيضاً كيف يبقى بعض الناس في المكان نفسه كل هذه السنوات."

اختفت الابتسامة عن وجهها للحظة، في حين اكتفت جايون بإطلاق ضحكة ساخرة وقالت:

"ما زلتِ تظنين نفسك أفضل منا."

هززت رأسي بنفاذ صبر:

"لو كنت أظن ذلك، لما كنت واقفة هنا الآن."

ساد الصمت من جديد، ثم استدارت جايون نحو الداخل وقالت بلا اهتمام وهي تبتعد:

"السرير قرب النافذة فارغ... إذا لم يسبقك إليه أحد."

دخلت الفتيات الواحدة تلو الأخرى، وبقيت واقفة وحدي في الممر. للحظة شعرت أن السنوات العشر الماضية لم تحدث أبداً، كأنني ما زلت تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل حقيبة أكبر من جسدها وتحاول جاهدة إقناع نفسها بأنها لا تخاف. حملت حقيبتي مجدداً، ثم تبعتهن إلى الداخل.

دخلت غرفتي القديمة التي لم تتغير كثيراً؛ السرير الحديدي، المراتب القاسية، ورائحة العفن الندية التي تأبى أن تختفي من الزوايا. وضعت حقيبتي قرب قدمي، وتمددت بصمت أراقب السقف المتشقق. في السرير المجاور، كانت سويون تنظر إليّ دون أن تتحدث، قبل أن تقول فجأة بصوت خافت:

"هل عدتِ وتذكرتنا الآن فقط؟"

سؤالها أصابني كصفعة في وجه كبريائي. التفتُّ نحوها ثم قلت بصدق مرير:

"عدت لأنني... ضعت قليلاً. لم أعد أملك مكاناً أذهب إليه."

أخفضت عينيها للحظات ثم همست:

"كنا نظن أنكِ نسيتِنا."

"لم أنسَ."

"لكن لم تعودي."

لم أعرف ماذا أجيب، فبعض الأسئلة لا تملك إجابات جميلة يمكن قولها بصوت عالٍ. صمتت سويون وأدارت ظهرها لي، وفي الطرف الآخر من الغرفة، سمعت ضحكة مكتومة من جايون كالعادة. لم أرد، لكنني شعرت به... ذلك الغضب القديم يعود ليتسلل إلى صدري ببطء. هذه المرة لم أفعل شيئاً، فقط تنفست عميقاً، وأغمضت عيني للاستسلام للنوم.

وحين أغلقت عينيّ… عاد الماضي بكل ثقله، وعاد معه حي هونغدوك.

كان حي هونغدوك يتنفس الحياة بكل تفاصيله الصغيرة؛ شارع ضيق مليء بالبائعين الصغار الذين يعرضون سلعهم البسيطة، وأطفال يركضون ويلعبون في الأزقة الضيقة بين البيوت القديمة المتلاصقة. ورغم ضيق المكان وقسوته، كانت هناك روح دافئة تسكنه؛ فالنساء يخرجن من بيوتهن لتبادل الحديث عند زاوية الشارع، بينما يتجمع الرجال حول البقالة الصغيرة لشراء مستلزماتهم والحديث عن تفاصيل يومهم.

الحياة هناك كانت تدور حول أشياء بسيطة، لكن تلك البساطة كانت تغني عن الكثير. وفي تلك الزاوية المزدحمة، كانت ترتفع لافتة كُتب عليها بخط يدوي: "تبرعات للدار". كان الحي بأسره يجتمع لدعمنا نحن الأيتام، ورأيت الأطفال يذهبون مع آبائهم حاملين أكياساً مليئة بالطعام، تزامناً مع صرخات الفرح التي تملأ المكان. لكنني كنتُ دائماً أتسلل من بينهم بصمت دون أن يشعر بي أحد.

لم أكن أعتقد أنني سأعود يوماً إلى هنا؛ إلى هذا الحي الذي تربيتُ فيه حتى تم التخلي عني. زقاقه الضيق، وجدرانه القديمة المتآكلة تشهد على كل لحظة انكسار مرت في حياتي. كانت الحياة هنا قاسية بلا شك، ولكنها كانت منزلي الوحيد في يوم من الأيام، قبل أن تقرر العائلة التي تبنتني ذات يوم أن تعيدني إلى الملجأ.

ورغم مرور السنوات، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة الثقيلة؛ كانت كل كلمة منهم، وكل نظرة اعتذار أو برود، بمثابة جرح نازف في روحي. المنزل الجديد الذي عشت فيه بعد التبني كان مختلفاً تماماً؛ كان أكبر، وأكثر حداثة وفخامة، لكنه كان يفتقر تماماً إلى روح الحياة التي شعرت بها في زواريب هونغدوك. كانت الجدران بيضاء باردة، والشوارع واسعة وصامتة كالمقابر، والجيران بالكاد يعرف بعضهم بعضاً.

كنت أعتقد في البداية أن تلك العائلة ستمنحني الحياة المستقرة التي طالما حلمت بها، لكن مع مرور السنوات بدأت الفجوات تظهر بيننا بوضوح، ولم أستطع أن أجد نفسي في عالمهم المخملي. كنتُ أشعر دائماً أنني جسد غريب في بيتهم؛ كانوا يحبونني، نعم، ولكن الحب هناك كان مختلفاً… كان حباً مشروطاً، يتطلب مني دائماً أن أرتدي قناعاً وأكون شخصاً آخر لا يشبهني.

ثم جاءت اللحظة التي كنا نهرب منها جميعاً؛ فبعد عشر سنوات كاملة من التبني، أعادتني العائلة إلى دار الأيتام مجدداً وأنا في الخامسة عشرة من عمري. لم يكن القرار ناتجاً عن كراهية مباشرة، بل عن ضغوط مالية وعاطفية واجتماعية متراكمة جعلت سقف عالمهم ينهار ببطء فوق رؤوسنا. كانوا يشعرون في أعماقهم أنهم خذلوني، وأنا أيضاً كنت أستيقظ كل ليلة وأنا أشعر أنني خذلتهم ولم أكن الابنة المثالية التي تمنوها.

فتحتُ عينيّ ببطء ليعود سقف الغرفة المتشقق إلى الظهور فوق رأسي، معلناً عودتي الصادمة إلى الحاضر.. إلى الدار، وإلى الغرفة نفسها التي بدأت منها كل الحكاية.

في الصباح، كان الجو بارداً على غير عادته، والسماء ملبدة بغيوم رمادية كافية لإغراق المدينة بأكملها في صمت ثقيل. رشفتُ قهوتي واقفة كالعادة دون أن أملك رغبة في تذوقها، كنت فقط أحتاج إلى ملامسة شيء دافئ يذكرني أنني ما زلت هنا… أتنفس وأقاوم. وضعتُ دفتر المحاضرات في حقيبتي، ثم التقطت بطاقة المتطوعين الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة قرب السرير، ولم أكن أحب النظر إليها كثيراً لأنني أعرف جيداً الظروف المريرة التي أوصلتني إليها.

الآن، وأنا في الحادية والعشرين من عمري، كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، أجد نفسي أدور في نفس الدائرة المغلقة، أصارع الزمن والذكريات لأشتري حريتي من جديد من خلال ساعات التطوع المعدودة هذه في تدريس الطلاب الأصغر سناً ومجالستهم كجزء من روتين إقامتي المؤقتة، بينما عقلي يغلي بالتفكير في كيفية جمع ما يكفي من المال لأهرب من هنا مجدداً.

كل شيء بدأ قبل أشهر عندما طلبت مديرة الدار متطوعين لمساعدة الأطفال في الدراسة والأنشطة اليومية. في البداية رفضت بشدة، فلم أكن أريد قضاء وقت أطول داخل هذا المكان الذي أحاول النجاة منه لا التعلق به، لكنني وافقت في النهاية؛ ربما بسبب إلحاح المديرة، أو ربما لأنني كنت أحاول واهمة إقناع نفسي بأنني لم أعد تلك الطفلة الخائفة التي تنتظر خلف الباب أملاً في أن يأتي أحد ليأخذها.

في أول يوم لي، جلست وسط مجموعة من الأطفال أساعدهم في حل واجباتهم المدرسية؛ كانوا يرفعون أيديهم باستمرار، ويسألون بفضول عن كل شيء، يضحكون بصخب على أشياء لا تستحق الضحك، ويتشاجرون بضراوة بسبب أقلام التلوين وكأنها كنوز وطنية ثمينة. أذكر أن طفلة صغيرة حدقت في وجهي وسألتني فجأة:

"أنتِ هنا لأنكِ موظفة؟"

هززت رأسي نفياً:

"لا."

"إذن لماذا تساعديننا؟"

توقفت للحظة، ابتلعت غصتي ثم قلت بصوت خافت:

"لأن أحداً ساعدني عندما كنت في عمرك." لم تكن إجابة كاملة، لكنها كانت كافية لإسكات فضولها الصغير.

مع مرور الوقت، أصبحت ساعات التطوع هذه الجزء الأكثر هدوءاً وسلاماً في يومي المزدحم؛ فهناك، بين هؤلاء الأطفال، لم يكن أحد يسألني لماذا عدت، ولا لماذا فشلت، ولا كيف انتهى بي الأمر في نقطة الصفر مجدداً. الأطفال لا يهتمون بكل تلك التعقيدات الاجتماعية، كل ما كانوا يريدونه هو شخص صادق يستمع إليهم بحب… وربما، كنت أنا أيضاً بحاجة ماسة إلى شخص يستمع إليّ.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
92 Chapters
الفصل ١
لم أكن أتخيل أن أسوأ كوابيسي سيتحقق؛ أن أقف مجدداً أمام البوابة الحديدية للدار التي أقسمت أنني لن أعود إليها أبداً لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحديدي للحظات أتأمل المكان؛ لم يتغير شيء على الإطلاق. الطلاء المتقشر لا يزال كما هو، والحديقة الصغيرة التي بالكاد تستحق هذا الاسم بدت ذابلة، بينما النافذة المكسورة في الطابق الثاني لم يكلف أحد نفسه عناء إصلاحها منذ سنوات. شددتُ قبضتي على حقيبتي، وتذكرت كيف احتضنني هذا المكان يوماً، ثم تركته وأنا أقسم ألا أعود إليه أبداً، لكن الحياة تملك حساً ساخراً في بعض الأحيان. دفعت الباب ودخلت، وما إن خطوت عدة خطوات حتى سمعت صوتاً مألوفاً: "مستحيل..." رفعت رأسي لتلتقي عيناي بجايون التي كانت جالسة على حافة الدرج تمضغ علكتها بملل. حدقت بي لثوانٍ قبل أن تطلق ضحكة قصيرة متهكمة وقالت ملتفتة نحو الداخل: "انظرن من عادت." التفتت فتاتان كانتا بالقرب منها، فعبست إحد
Read more
الفصل ٢
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ليالٍ كاحلة كهذه. جلستُ على الأرض منزوياً قرب الحائط البارد، أطوي ركبتيّ تحت ذقني بجمود، وأراقب الضوء البرتقالي وهو يتكسّر على وجوههن المتعبة، مشكلاً ظلالاً مشوهة تتحرك على الجدران العتيقة. كنّ يأكلن ويضحكن ويتحدثن دفعة واحدة في حلقة دافئة؛ أحاديث متداخلة عن أحلامهن الصغيرة، وضحكات ممتدة تكسر كآبة المكان، ورائحة خبز ساخن طازج امتزجت بدخان الشموع العبق. كانت تفاصيل هذا الدار القديم، بزواياه المظلمة وأثاثه المستهلك، تلقي على كل شيء طبقة كثيفة من غبار العقود الماضية، وكأن عقارب الزمن قد توقفت عن الدوران هنا منذ أمد بعيد، لتسجننا جميعاً في روتين لا ينتهي. لكنني لم أكن معهن بالكامل في ذلك المجلس؛ كنت أسمع جلبتهن بجسدي فقط، بينما عقلي شارد يفكر في شيء آخر تماماً.. أو بالأحرى، في هاجس غريب لا أع
Read more
الفصل ٣
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاوية معزولة داخل مكتبة الحرم الجامعي الصغيرة، أفتح كتاباً دراسياً ثقيلاً دون أن أقرأ سطوره فعلياً، بل كانت عيناي تائهتين بين الصفحات، حين جاءت صديقتي جيني وسحبت الكرسي المقابل لتجلس قبالتي بهدوء. نظرت جيني إليّ لزمن طويل، تتفحص ملامحي بدقة وقلق قبل أن تنطق بأولى كلماتها: "وجهكِ شاحب للغاية اليوم يا سو آه… هل أنتِ بخير حقاً؟" أغلقتُ الكتاب ببطء شديد أداري به توتري وأجبتها: "أنا بخير، لا تقلقي." لكن نبرة صوتي المبحوحة والجافة لم تقنع حتى نفسي، فكيف لها أن تقنعها؟ أمالت جيني رأسها قليلًا، وخفضت صوتها وهي تلامس طرف الطاولة: "منذ عودتكِ الاضطرارية إلى دار الأيتام، وأنتِ تبدين طوال الوقت وكأن جسدكِ معنا هنا بينما روحكِ وعقلكِ في مكان آخر بعيد لا يمكننا الوصول إليه." تجمد الهواء في صدري لثوانٍ
Read more
الفصل ٤
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذاته… بل كان مرهقاً للروح، يستنزف ما تبقى من طاقة جسدي المنهك. كان روتيني اليومي بسيطاً، متكرراً كعقوبة أبدية، مثل ظلٍ لا يتبدّل ولا يزول: أستيقظ مجبرة عند السادسة صباحاً، أرتدي قميصي الأزرق الباهت، أُصلح حذائي المهترئ بشريط لاصق إن غدرتني أطرافه واقتضت الحاجة، ثم أمشي في الطريق الترابي الوعر نحو المتجر. كنت من فرط التكرار أعرف مكان كل حجر على الطريق، وأميز كل صوت يعبر الحي الصامت؛ وفي بعض الأيام، كنت أجد نفسي أسبق ضوء الشمس قبل أن يشرق. هذا الحذاء… لم يكن مجرد حذاء أرتديه. كان شاهداً صامتاً وقاسياً على حياتي هنا، وكل خدش عميق في جلده المتشقق يشبه لحظة انكسار من الماضي لا تُمحى. بدأت أطرافه وتجاويفه تتآكل أكثر مع مرور الأيام، مسببة صريراً خافتاً في كل خطوة أخطوها. كنت أتجنّب النظر إليه كثيرا
Read more
الفصل ٥
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب عند أول الممر، واتسعت عيناها بصدمة وخوف جمد الدماء في عروقها. هناك… عند نهاية الممر البارد، كانت سو آه مستلقية بجمود على الأرض الإسمنتية؛ بقميصها الأزرق الباهت، وشعرها الأسود متناثر بفوضى حول وجهها الشاحب كالموت، وبجانب جسدها المرتخي كان حذاؤها المهترئ ملقى بإهمال. لم تكن هناك أي أوراق أو مقتنيات في يدها؛ لا تذكرة حافلة قديمة، لا دفتر ملاحظات صغير، لا شيء على الإطلاق سوى الفراغ المطبق. اقتربت المشرفة منها بسرعة البرق والهلع يأكل قلبها، وانحنت فوق جسدها لتتحقق برعب من أنفاسها الضعيفة والمتقطعة، ثم التفتت نحو الممر ونادت بصوت مرتجف ومليء بالذعر: "اتصلوا بالإسعاف… بسرعة! هناك فتاة تموت هنا!" في الطريق نحو العيادة الطبية القريبة من الحي، كان الصمت المطبق داخل سيارة الإسعاف المسرعة مشحوناً بثقلٍ
Read more
الفصل ٦
في المساء، جلستُ في زاوية معتمة من غرفتي المؤقتة الضيقة بدار الرعاية، أتأمل بنظرات باهتة ذلك المكتب الخشبي المستعمل الذي اشتريته قبل أيام قليلة من أجر عملي المضني في البقالة الصغيرة. كان الهيكل الخشبي هزيلاً، قديماً، ومليئاً بالخدوش العميقة التي تركها عليه مالكوه السابقون، لكني أصررتُ على شرائه واقتنائه رغماً عن ضيق ذات اليد؛ لأدرس عليه بجد وأستعد بكامل طاقتي لامتحاناتي الجامعية النهائية في تخصص الإدارة الصناعية. فكل دينار شحيح كنتُ أجمعه بصعوبة من وقوفي الطويل والمرهق خلف رفوف البقالة الغارقة برائحة صابون الأواني وعلكة الفراولة، لم يكن مجرد مال عابر، بل كان خطوة مدروسة تقربني من هدفي الأساسي والوحيد: دفع رسوم تجديد عقد السكن الجامعي، والخروج نهائياً وبلا عودة من جدران هذا الملجأ الكئيب. كنتُ أمسك قلمي الحبري بين أصابعي المرتجفة لزمن طويل دون أن أكتب حرفاً واحداً في دفتري. فقط أفكر، وأغرق في دوامة هواجسي الخاصة. ثلاثة أشهر كاملة مرّت ببطء شديد منذ ذلك الصباح المرعب الذي استيقظت فيه غائبة عن الوعي داخل العيادة الطبية، لكنني منذ تلك اللحظة لم أعد نفس الشخص الذي كنت عليه يوماً. عادت الأي
Read more
الفصل ٧
بعد انتهاء المحاضرات الجامعية الثقيلة وساعات العمل المرهقة في البقالة، وقفت سو آه في منتصف الشارع الترابي وهي تحتضن بقوة الدفتر المستعمل والبطاقة الجامعية التي وجدتها داخل الأثاث القديم. كان في داخلها شيء يتحرك ببطء؛ لم يكن مجرد فضول عابر، بل شعور غامض بالمسؤولية، كأن الأوراق التي بين يديها ليست مجرد ذكريات منسية لشخص غريب، بل أثر حياة كاملة لم تُغلق فصولها بعد وتنتظر من يعيدها. بدأت تسير بخطوات متباطئة في أرجاء الحي القديم. سألت المارة واحداً تلو الآخر عن الاسم المكتوب على البطاقة الجامعية، حتى دلّها أحد أصحاب المحال في المنطقة على منزلٍ صغير في طرف الحي، تسكنه امرأة مسنّة وعجوز تعرف كل عائلات المنطقة وتاريخها. كان البيت بسيطاً جداً وقديماً، لكنه يحمل دفئاً غريباً بشكل مريح. استقبلتها العجوز بابتسامة واسعة ومرحبة، وكأنها تعرف سو آه منذ زمن بعيد، ثم دعتها للدخول والجلوس دون تردد أو ريبة. جلسا معاً في الغرفة، وارتفعت رائحة الشاي في المكان، وامتدت الأجواء بصوت حديث خفيف يشبه الطمأنينة الساكنة. لم تكن الأسئلة بينهما كثيرة، ولا الإجابات معقدة؛ بل كانت مجرد حياة قديمة تُروى بسهولة ويسر.
Read more
الفصل ٨
تجمدتُ في مكاني تماماً، وشعرتُ برعشة باردة تسري في أطراف جسدي. كانت الصرخة الحادة ما تزال تتردد بقوة بين جدران المنزل الطويلة والضيقة، كأنها امتدت لتصطدم بالسقف الإسمنتي، ثم عادت لتسقط وتتراكم فوقنا من جديد في ذلك الممر المعتم. رفعتُ رأسي ببطء والوجل يتملكني نحو الطابق العلوي حيث مصدر ذلك الصوت البشري المشوه، وفي اللحظة نفسها التي انقطع فيها الهواء، نهض جيهون من على الأرض فجأة وحركة مباغتة. مع نهوضه السريع، تناثرت قطع الزجاج المكسور التي كان يجمعها من بين يديه المرتجفتين لتعود وتسقط على الأرض محدثة رنيناً مكتوماً. في تلك الثواني المعدودة، اختفى ذلك الشرود الطويل والمعتاد الذي كان يملأ عينيه دائماً، وحلّ مكانه ذعر صامت وصدمة حادة شلت ملامحه. التفت نحوي بسرعة كبيرة وعيناه متسعتان، وقال بنبرة صوت حادة وجافة لم أسمعها منه من قبل في كل المرات التي راقبته فيها: "ابقَي هنا". ثم اندفع دون انتظار ردي نحو السلم الخشبي القديم ليعلو درجاته بسرعة. لكن قدميّ تحركتا من تلقاء نفسيهما دون وعي مني أو تفكير، ولم أستطع البقاء وحيدة في ذلك الممر السفلي الموحش؛ فتبعتُ خطواته المسرعة نحو الأعلى. كانت درج
Read more
الفصل ٩
مرّ الصباح بطيئًا وثقيلًا بشكلٍ خانق، كأنه يرفض عناداً أن ينتهي، أو كأن عقارب الساعة تكبلت بأغلال غير مرئية تمنعها من الحركة. كان المنزل غارقًا في هدوء مريب وموحش، هدوء يثير التوتر والاضطراب في النفس أكثر من أشد الضجيج صخبًا؛ فالضجيج يمنحكِ فكرة عما يحيط بكِ، أما هذا السكون القاتل فكان يترك الخيال ليرسم أبشع الاحتمالات. كانت الساعات تمضي ببطء مميت، وصوت دقات عقارب الساعة الجدارية المعلقة في الصالة يتردد داخل الفراغ المطبق، يطرق في أذني بقسوة كأنه يذكّرني مع كل دقة تمر بوجودي الغريب، المفروض، وغير المرغوب فيه داخل هذا المكان المظلم. وقفتُ في المطبخ أُعدّ وجبة الغداء بقلبٍ مضطرب تتقاذفه الهواجس. لم أكن أعرف الكثير عن عادات أصحاب هذا البيت، أو ما يفضلون تناوله في العادة، لذلك اكتفيتُ بالبحث عما جادت به الثلاجة؛ وجدتُ بعض الخضار الطازجة، القليل من اللحم، وأرغفة خبز قديمة لكنها ما تزال صالحة للأكل بعد تسخينها. بيدين مرتعشتين قليلاً أثراً للتوتر، قطّعتُ الخس والطماطم وأضفتهما بعناية إلى الطبق، محاولةً بكل جوارحي شغل عقلي وتفكيري عن الغوص في كوابيس هذا المنزل. وكنتُ أرتّب الأطباق فوق الطا
Read more
الفصل ١٠
تجمدتُ في منتصف الممر المظلم، وجسدي بات متصلباً كلوح خشب عتيق أكلته الرطوبة، بينما كانت علبة السكر المعدنية تقبع بين يديّ المرتجفتين. لم تكن ثقيلة في ذاتها.. لكن في تلك اللحظة الخانقة، بدت وكأنها تزن أطنانًا من الرصاص. كأنني لم أكن أحمل مجرد علبة مطبخ عادية، بل كنتُ أقبض على دليل قاطع وملموس على وجود كيان خفي، شيء مرعب لا يخضع لقوانين المنطق، سر أسود يتحرك في زوايا هذا البيت ولا أستطيع إيجاد تفسير له. ظلت عيناي مثبتتين على غطائها الأزرق لثوانٍ طويلة دهشت فيها وتوقف عقلي عن العمل، قبل أن أجمع شتات نفسي الضائعة وأرفع رأسي ببطء شديد يصحبه رعب مبطن نحو السقف الخشبي المتآكل. هناك.. فوق رأسي تماماً.. عادت اللعنة لتضرب من جديد. ذلك الصوت المكتوم والمريب تردد في أرجاء المساحة الفارغة. كانت خطوات ثقيلة، بطيئة، ومحسوبة بدقة مرعبة كأن صاحبها يعلم كمية الرعب التي يبثها في قلبي مع كل دقة. خطوة... ثم أخرى... ثم ساد صمت قصير ومطبق، حبس دمائي في عروقي وجعل الهدوء يبدو كسكين حاد، ليعقبه فجأة صوت احتكاك خافت وجاف، كأن أحدهم يجرّ صندوقاً خشبياً عتيقاً أو جسداً ثقيلاً فوق أرضية ذلك الطابق المهجور و
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status