LOGINلم تكن سو-آه تملك شيئًا سوى نفسها. نشأت في دار الأيتام، وكبرت وهي تعرف أن عليها أن تقاتل وحدها حتى لا تخسر المكان الوحيد الذي سمّته بيتًا. ثم جاءت الجامعة، وظنت أن حياتها ستمنحها فرصة أخيرًا. لكن في أحد المصانع، خلال رحلة جامعية عادية، حدث ما لم يكن في الحسبان. دفعتها مجموعة من الطالبات نحو آلة خطرة، فتمسكت بالشخص الأقرب إليها دون تفكير. هيتشول. وريث إحدى أغنى العائلات. سقط هو بدلًا منها. ومنذ تلك اللحظة، تغير كل شيء. بينما كانت تحاول استيعاب ما حدث، تحولت سو-آه إلى فتاة تحاصرها الاتهامات، وتلاحقها الشائعات، وينظر إليها الجميع وكأنهم يعرفون الحقيقة أكثر منها. لكنها تعرف شيئًا واحدًا... هي لم تحاول قتله. ولهذا تبدأ بالبحث. تراجع تفاصيل الحادث، تتبع الأسماء، وتبحث عن الأدلة التي اختفت بطريقة لا تبدو عشوائية. لكنها لا تعرف أن بعض الأشخاص لا يريدون للحقيقة أن تظهر. وفي وسط هذه الفوضى، تدخل ثلاثة رجال إلى حياتها. جيهون، الذي اقترب منها بهدوء، حتى أصبح وجوده شيئًا لم تعد قادرة على تجاهله. وكانغ وو، الشاب الثري الذي اعتاد أن تكون الفتيات مجرد لعبة، قبل أن تصبح سو-آه التحدي الوحيد الذي لم يستطع التعامل معه كما اعتاد. وهيتشول... الرجل الذي كان من المفترض أن يكون مجرد ضحية في قصتها. لكنه بدلًا من أن يبتعد عنها، وقف إلى جانبها. وكلما اقتربت سو-آه من الحقيقة، بدأ هيتشول يخسر شيئًا آخر. عائلته. مكانته. وحياته التي عرفها. دون أن يعرف أيٌّ منهما إلى أين سيقودهما ذلك الحادث. فخلف أبواب العائلات الغنية أسرار لا تظهر في الصحف، وخلف حادث المصنع قصة لم تنتهِ يوم سقط هيتشول. والسؤال الذي سيلاحق سو-آه ليس فقط: من حاول قتلي؟ بل... لماذا كان هناك من يحتاج إلى أن تصبح هي المذنبة؟
View Moreلم أكن أتخيل أن أسوأ كوابيسي سيتحقق؛ أن أقف مجدداً أمام البوابة الحديدية للدار التي أقسمت أنني لن أعود إليها أبداً لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني.
وقفتُ أمام الباب الحديدي للحظات أتأمل المكان؛ لم يتغير شيء على الإطلاق. الطلاء المتقشر لا يزال كما هو، والحديقة الصغيرة التي بالكاد تستحق هذا الاسم بدت ذابلة، بينما النافذة المكسورة في الطابق الثاني لم يكلف أحد نفسه عناء إصلاحها منذ سنوات. شددتُ قبضتي على حقيبتي، وتذكرت كيف احتضنني هذا المكان يوماً، ثم تركته وأنا أقسم ألا أعود إليه أبداً، لكن الحياة تملك حساً ساخراً في بعض الأحيان. دفعت الباب ودخلت، وما إن خطوت عدة خطوات حتى سمعت صوتاً مألوفاً: "مستحيل..." رفعت رأسي لتلتقي عيناي بجايون التي كانت جالسة على حافة الدرج تمضغ علكتها بملل. حدقت بي لثوانٍ قبل أن تطلق ضحكة قصيرة متهكمة وقالت ملتفتة نحو الداخل: "انظرن من عادت." التفتت فتاتان كانتا بالقرب منها، فعبست إحداهما قبل أن تتسع عيناها بصدمة: "سو آه؟" أما الأخرى فاكتفت برفع حاجبها وقالت بنبرة جافة: "ظننت أنكِ نسيتِ الطريق إلى هنا." أجبتها بهدوء وثبات: "وأنا ظننت أنكن كبرتُن." أطلقت جايون صفيراً ساخراً وقالت: "لا تزال تملكين لساناً حاداً." وضعت الحقيبة على الأرض لأريح ذراعي وأردفت: "وأنتِ لا تزالين تمضغين العلكة نفسها منذ طفولتنا." كتمت إحدى الفتيات ضحكة صغيرة، لكن جايون لم يعجبها ذلك؛ فنهضت عن الدرج واقتربت مني خطوتين متحدية: "إذن... ماذا تفعلين هنا؟ زيارة خيرية؟" "أعيش هنا مؤقتاً." ساد الصمت للحظة، ثم ظهرت هيجين من خلف الباب الزجاجي وهي تحمل كوباً ورقياً بين يديها. عندما رأتني توقفت مكانها وقالت بصوت هادئ يحمل شيئاً من الشماتة: "حقاً؟ بعد كل تلك السنوات؟" نظرت إليها مباشرة: "نعم." ابتسمت هيجين ابتسامة صغيرة وقالت: "غريب كيف يعود الإنسان دائماً إلى المكان الذي حاول الهرب منه." شعرت بشيء يضيق في صدري، لكنني حافظت على برودي وابتسمت بالمقابل: "وغريب أيضاً كيف يبقى بعض الناس في المكان نفسه كل هذه السنوات." اختفت الابتسامة عن وجهها للحظة، في حين اكتفت جايون بإطلاق ضحكة ساخرة وقالت: "ما زلتِ تظنين نفسك أفضل منا." هززت رأسي بنفاذ صبر: "لو كنت أظن ذلك، لما كنت واقفة هنا الآن." ساد الصمت من جديد، ثم استدارت جايون نحو الداخل وقالت بلا اهتمام وهي تبتعد: "السرير قرب النافذة فارغ... إذا لم يسبقك إليه أحد." دخلت الفتيات الواحدة تلو الأخرى، وبقيت واقفة وحدي في الممر. للحظة شعرت أن السنوات العشر الماضية لم تحدث أبداً، كأنني ما زلت تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل حقيبة أكبر من جسدها وتحاول جاهدة إقناع نفسها بأنها لا تخاف. حملت حقيبتي مجدداً، ثم تبعتهن إلى الداخل. دخلت غرفتي القديمة التي لم تتغير كثيراً؛ السرير الحديدي، المراتب القاسية، ورائحة العفن الندية التي تأبى أن تختفي من الزوايا. وضعت حقيبتي قرب قدمي، وتمددت بصمت أراقب السقف المتشقق. في السرير المجاور، كانت سويون تنظر إليّ دون أن تتحدث، قبل أن تقول فجأة بصوت خافت: "هل عدتِ وتذكرتنا الآن فقط؟" سؤالها أصابني كصفعة في وجه كبريائي. التفتُّ نحوها ثم قلت بصدق مرير: "عدت لأنني... ضعت قليلاً. لم أعد أملك مكاناً أذهب إليه." أخفضت عينيها للحظات ثم همست: "كنا نظن أنكِ نسيتِنا." "لم أنسَ." "لكن لم تعودي." لم أعرف ماذا أجيب، فبعض الأسئلة لا تملك إجابات جميلة يمكن قولها بصوت عالٍ. صمتت سويون وأدارت ظهرها لي، وفي الطرف الآخر من الغرفة، سمعت ضحكة مكتومة من جايون كالعادة. لم أرد، لكنني شعرت به... ذلك الغضب القديم يعود ليتسلل إلى صدري ببطء. هذه المرة لم أفعل شيئاً، فقط تنفست عميقاً، وأغمضت عيني للاستسلام للنوم. وحين أغلقت عينيّ… عاد الماضي بكل ثقله، وعاد معه حي هونغدوك. كان حي هونغدوك يتنفس الحياة بكل تفاصيله الصغيرة؛ شارع ضيق مليء بالبائعين الصغار الذين يعرضون سلعهم البسيطة، وأطفال يركضون ويلعبون في الأزقة الضيقة بين البيوت القديمة المتلاصقة. ورغم ضيق المكان وقسوته، كانت هناك روح دافئة تسكنه؛ فالنساء يخرجن من بيوتهن لتبادل الحديث عند زاوية الشارع، بينما يتجمع الرجال حول البقالة الصغيرة لشراء مستلزماتهم والحديث عن تفاصيل يومهم. الحياة هناك كانت تدور حول أشياء بسيطة، لكن تلك البساطة كانت تغني عن الكثير. وفي تلك الزاوية المزدحمة، كانت ترتفع لافتة كُتب عليها بخط يدوي: "تبرعات للدار". كان الحي بأسره يجتمع لدعمنا نحن الأيتام، ورأيت الأطفال يذهبون مع آبائهم حاملين أكياساً مليئة بالطعام، تزامناً مع صرخات الفرح التي تملأ المكان. لكنني كنتُ دائماً أتسلل من بينهم بصمت دون أن يشعر بي أحد. لم أكن أعتقد أنني سأعود يوماً إلى هنا؛ إلى هذا الحي الذي تربيتُ فيه حتى تم التخلي عني. زقاقه الضيق، وجدرانه القديمة المتآكلة تشهد على كل لحظة انكسار مرت في حياتي. كانت الحياة هنا قاسية بلا شك، ولكنها كانت منزلي الوحيد في يوم من الأيام، قبل أن تقرر العائلة التي تبنتني ذات يوم أن تعيدني إلى الملجأ. ورغم مرور السنوات، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة الثقيلة؛ كانت كل كلمة منهم، وكل نظرة اعتذار أو برود، بمثابة جرح نازف في روحي. المنزل الجديد الذي عشت فيه بعد التبني كان مختلفاً تماماً؛ كان أكبر، وأكثر حداثة وفخامة، لكنه كان يفتقر تماماً إلى روح الحياة التي شعرت بها في زواريب هونغدوك. كانت الجدران بيضاء باردة، والشوارع واسعة وصامتة كالمقابر، والجيران بالكاد يعرف بعضهم بعضاً. كنت أعتقد في البداية أن تلك العائلة ستمنحني الحياة المستقرة التي طالما حلمت بها، لكن مع مرور السنوات بدأت الفجوات تظهر بيننا بوضوح، ولم أستطع أن أجد نفسي في عالمهم المخملي. كنتُ أشعر دائماً أنني جسد غريب في بيتهم؛ كانوا يحبونني، نعم، ولكن الحب هناك كان مختلفاً… كان حباً مشروطاً، يتطلب مني دائماً أن أرتدي قناعاً وأكون شخصاً آخر لا يشبهني. ثم جاءت اللحظة التي كنا نهرب منها جميعاً؛ فبعد عشر سنوات كاملة من التبني، أعادتني العائلة إلى دار الأيتام مجدداً وأنا في الخامسة عشرة من عمري. لم يكن القرار ناتجاً عن كراهية مباشرة، بل عن ضغوط مالية وعاطفية واجتماعية متراكمة جعلت سقف عالمهم ينهار ببطء فوق رؤوسنا. كانوا يشعرون في أعماقهم أنهم خذلوني، وأنا أيضاً كنت أستيقظ كل ليلة وأنا أشعر أنني خذلتهم ولم أكن الابنة المثالية التي تمنوها. فتحتُ عينيّ ببطء ليعود سقف الغرفة المتشقق إلى الظهور فوق رأسي، معلناً عودتي الصادمة إلى الحاضر.. إلى الدار، وإلى الغرفة نفسها التي بدأت منها كل الحكاية. في الصباح، كان الجو بارداً على غير عادته، والسماء ملبدة بغيوم رمادية كافية لإغراق المدينة بأكملها في صمت ثقيل. رشفتُ قهوتي واقفة كالعادة دون أن أملك رغبة في تذوقها، كنت فقط أحتاج إلى ملامسة شيء دافئ يذكرني أنني ما زلت هنا… أتنفس وأقاوم. وضعتُ دفتر المحاضرات في حقيبتي، ثم التقطت بطاقة المتطوعين الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة قرب السرير، ولم أكن أحب النظر إليها كثيراً لأنني أعرف جيداً الظروف المريرة التي أوصلتني إليها. الآن، وأنا في الحادية والعشرين من عمري، كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، أجد نفسي أدور في نفس الدائرة المغلقة، أصارع الزمن والذكريات لأشتري حريتي من جديد من خلال ساعات التطوع المعدودة هذه في تدريس الطلاب الأصغر سناً ومجالستهم كجزء من روتين إقامتي المؤقتة، بينما عقلي يغلي بالتفكير في كيفية جمع ما يكفي من المال لأهرب من هنا مجدداً. كل شيء بدأ قبل أشهر عندما طلبت مديرة الدار متطوعين لمساعدة الأطفال في الدراسة والأنشطة اليومية. في البداية رفضت بشدة، فلم أكن أريد قضاء وقت أطول داخل هذا المكان الذي أحاول النجاة منه لا التعلق به، لكنني وافقت في النهاية؛ ربما بسبب إلحاح المديرة، أو ربما لأنني كنت أحاول واهمة إقناع نفسي بأنني لم أعد تلك الطفلة الخائفة التي تنتظر خلف الباب أملاً في أن يأتي أحد ليأخذها. في أول يوم لي، جلست وسط مجموعة من الأطفال أساعدهم في حل واجباتهم المدرسية؛ كانوا يرفعون أيديهم باستمرار، ويسألون بفضول عن كل شيء، يضحكون بصخب على أشياء لا تستحق الضحك، ويتشاجرون بضراوة بسبب أقلام التلوين وكأنها كنوز وطنية ثمينة. أذكر أن طفلة صغيرة حدقت في وجهي وسألتني فجأة: "أنتِ هنا لأنكِ موظفة؟" هززت رأسي نفياً: "لا." "إذن لماذا تساعديننا؟" توقفت للحظة، ابتلعت غصتي ثم قلت بصوت خافت: "لأن أحداً ساعدني عندما كنت في عمرك." لم تكن إجابة كاملة، لكنها كانت كافية لإسكات فضولها الصغير. مع مرور الوقت، أصبحت ساعات التطوع هذه الجزء الأكثر هدوءاً وسلاماً في يومي المزدحم؛ فهناك، بين هؤلاء الأطفال، لم يكن أحد يسألني لماذا عدت، ولا لماذا فشلت، ولا كيف انتهى بي الأمر في نقطة الصفر مجدداً. الأطفال لا يهتمون بكل تلك التعقيدات الاجتماعية، كل ما كانوا يريدونه هو شخص صادق يستمع إليهم بحب… وربما، كنت أنا أيضاً بحاجة ماسة إلى شخص يستمع إليّ.في ذلك المساء، دفعت الأم كرسيها حتى وصلت إلى مكتبه. كان الباب مفتوحًا، الضوء يتسلل إلى الممر. رأته جالسًا أمام الأوراق، ظهره منحني قليلًا. لم يرفع رأسه عندما دخلت. صوت العجلات كان كافيًا ليعرفها. «هل وجدت شيئًا؟» توقف عن تقليب الأوراق، أصابعه تتجمد على الورقة. ثم قال، دون أن ينظر إليها: «لا.» كانت الإجابة قصيرة. قاسية في بساطتها. لكنها لم تغضب. اعتادت على هذه الكلمة. اقتربت أكثر، عجلات الكرسي تتوقف قرب مكتبه. «لا تتوقف.» رفع عينيه إليها، عيناه حمراوان من السهر. «لن أتوقف.» «حتى لو طال الأمر؟» «حتى لو احتاج الأمر بقية عمري.» نظرت إليه لثوانٍ، تدرس وجهه المتعب. ثم ابتعدت دون كلمة، العجلات تعود للدوران. ***
بعد عدة أيام، حاولت الممرضة مساعدتها على الجلوس على حافة السرير. وضعت قدميها على الأرض الباردة. انتظرت. لم يحدث شيء. العضلات لم تتقلص. القدمان بقيتا هامدتين. كانت تحدق فيهما، كأنها تنظر إلى أطراف شخص آخر. «حاولي رفع قدمك قليلًا. فقط إصبع القدم.» شدت عضلات ساقها بكل ما أوتيت من قوة إرادة. عرق يتجمع على جبينها. لم تستجب. فراغ تام. حاولت مرة أخرى. ثم أغمضت عينيها، اليأس يتسلل إليها. «لا أستطيع.» قالت الممرضة بهدوء وتعاطف: «لا بأس. الجسم يحتاج وقتًا ليتعلم الثقة مرة أخرى. سنحاول مرة أخرى غدًا.» لم تجب. اكتفت بإغلاق عينيها. بعد قليل، أُحضرت لها كرسي متحرك جديد، لامع ومعقم. جلست فيه للمرة الأولى. الإحساس بالعجز كان ساحقًا. بقيت يداها فوق فخذيها، عاجزة عن لمس العجلات. نظرت إلى الكرسي. ثم إلى ساقيها الميتتين. لم تبكِ. الدموع جفت.
كان الصباح هادئًا أكثر مما ينبغي. صمت ثقيل يخنق أروقة القصر، كأن الهواء نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لكارثة. جلست والدة هيتشول في غرفتها منذ وقت مبكر، جالسة على حافة السرير، تحدق في النافذة الزجاجية دون أن ترى شيئًا من العالم الخارجي. عيناها زجاجيتان، فارغتان من الحياة. منذ اختفائه، تغيرت ساعات نومها جذريًا. لم يعد للنوم طعم، ولا للراحة معنى. تستيقظ قبل الجميع، حين يكون الظلام لا يزال متمسكًا بالأرض. تبقى مستيقظة حتى الفجر، تراقب تحرك الضوء ببطء على الجدران. ثم تقضي النهار متنقلة بين الغرف الكبيرة والخالية، خطواتها خفيفة، كأنها شبح يطوف في بيته الخاص، تبحث عن شيء تعرف مسبقًا أنها لن تجده. صوت خطواته. رائحة عطره. دفء وجوده. في ذلك الصباح، وقفت ببطء شديد. مفاصلها تصرخ احتجاجًا على الجمود. وضعت يدها المرتجفة على حافة الطاولة الخشبية لتثبت نفسها. بقيت للحظات دون حركة، رأسها يدور بدوار خفيف. ثم خرجت من الغرفة. كانت تحمل كوبًا من الماء البارد، يداها تشدان الزجاج بقوة بيضاء. خطت
لم يكن غياب هيتشول مجرد اختفاء شخص. كان فراغًا ثقيلاً، كثيفًا، يملأ ممرات القصر الواسعة ويخنق أنفاس من بقي فيه. في الأيام الأولى، بقيت غرفته كما تركها، متحفًا صغيرًا لحياة توقفت فجأة. الباب مغلق بإحكام. السرير مرتب بدقة عسكرية، الملاءات مشدودة بلا تجاعيد. بعض الملابس ما تزال معلقة في الخزانة، تفوح منها رائحة عطره الباهتة. وعلى المكتب الخشبي الداكن، بقي هاتف قديم، شاشته مطفأة، لم يعد أحد يلمسه أو يشحنه. غبار رقيق بدأ يستقر عليه كطبقة نسيان. لكن الوقت مر. والغرفة بقيت فارغة. الصمت فيها أصبح صاخبًا. في صباح اليوم الثالث، وقف والد هيتشول أمام مكتب ابنه. الضوء الرمادي يتسلل عبر الستائر، يلقي ظلالاً طويلة على وجهه المتحجر. مد يده نحو أحد الأدراج العلوية. فتحه ببطء. لم يجد شيئًا. أوراق مرتبة. أقلام. لا رسائل سرية. لا وداع. أغلقه بصوت خافت. ثم فتح الدرج الثاني. صمت طويل. ثقيل. أغلقه أيضًا. دخل أحد رجاله، خطواته حذرة عل
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع





