LOGINكنتُ في الخامسة عشرة من عمري، أثناء اجتماع رسمي وتبرعات لدار الأيتام. شعرتُ بالملل وتسللتُ بعيداً عن الحشود، وفجأة لمحتُ فتاة غريبة الأطوار وتبدو جديدة على المكان. تحركت بخفة وسرقت مقص الكيك الحاد، ثم حاولت الاختفاء مستغلة الزحام. لحقتُ بها مدفوعاً بالفضول إلى ممر خلفي مهجور، وإذ بها تصعد فوق دلو قديم مقلوب، وترفع المقص لتقص شعرها بجنون وعشوائية! وأثناء ذلك التهور، سال الدم بغزارة؛ أجل، لقد جرحت رقبتها بعمق. لكن الصدمة المرعبة التي جمدت الدماء في عروقي لم تكن الجرح، بل رد فعلها.. لقد لمست دمها الساخن بأصابعها وابتسمت بنشوة مريبة! وبينما كنتُ أنظر إليها بشلل ورعب تام، التفتت برأسها ببطء، وثبّتت عينيها المتسعتين في عيني مباشرة.
View Moreلم أكن أتخيل أن أسوأ كوابيسي سيتحقق؛ أن أقف مجدداً أمام البوابة الحديدية للدار التي أقسمت أنني لن أعود إليها أبداً لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني.
وقفتُ أمام الباب الحديدي للحظات أتأمل المكان؛ لم يتغير شيء على الإطلاق. الطلاء المتقشر لا يزال كما هو، والحديقة الصغيرة التي بالكاد تستحق هذا الاسم بدت ذابلة، بينما النافذة المكسورة في الطابق الثاني لم يكلف أحد نفسه عناء إصلاحها منذ سنوات. شددتُ قبضتي على حقيبتي، وتذكرت كيف احتضنني هذا المكان يوماً، ثم تركته وأنا أقسم ألا أعود إليه أبداً، لكن الحياة تملك حساً ساخراً في بعض الأحيان. دفعت الباب ودخلت، وما إن خطوت عدة خطوات حتى سمعت صوتاً مألوفاً: "مستحيل..." رفعت رأسي لتلتقي عيناي بجايون التي كانت جالسة على حافة الدرج تمضغ علكتها بملل. حدقت بي لثوانٍ قبل أن تطلق ضحكة قصيرة متهكمة وقالت ملتفتة نحو الداخل: "انظرن من عادت." التفتت فتاتان كانتا بالقرب منها، فعبست إحداهما قبل أن تتسع عيناها بصدمة: "سو آه؟" أما الأخرى فاكتفت برفع حاجبها وقالت بنبرة جافة: "ظننت أنكِ نسيتِ الطريق إلى هنا." أجبتها بهدوء وثبات: "وأنا ظننت أنكن كبرتُن." أطلقت جايون صفيراً ساخراً وقالت: "لا تزال تملكين لساناً حاداً." وضعت الحقيبة على الأرض لأريح ذراعي وأردفت: "وأنتِ لا تزالين تمضغين العلكة نفسها منذ طفولتنا." كتمت إحدى الفتيات ضحكة صغيرة، لكن جايون لم يعجبها ذلك؛ فنهضت عن الدرج واقتربت مني خطوتين متحدية: "إذن... ماذا تفعلين هنا؟ زيارة خيرية؟" "أعيش هنا مؤقتاً." ساد الصمت للحظة، ثم ظهرت هيجين من خلف الباب الزجاجي وهي تحمل كوباً ورقياً بين يديها. عندما رأتني توقفت مكانها وقالت بصوت هادئ يحمل شيئاً من الشماتة: "حقاً؟ بعد كل تلك السنوات؟" نظرت إليها مباشرة: "نعم." ابتسمت هيجين ابتسامة صغيرة وقالت: "غريب كيف يعود الإنسان دائماً إلى المكان الذي حاول الهرب منه." شعرت بشيء يضيق في صدري، لكنني حافظت على برودي وابتسمت بالمقابل: "وغريب أيضاً كيف يبقى بعض الناس في المكان نفسه كل هذه السنوات." اختفت الابتسامة عن وجهها للحظة، في حين اكتفت جايون بإطلاق ضحكة ساخرة وقالت: "ما زلتِ تظنين نفسك أفضل منا." هززت رأسي بنفاذ صبر: "لو كنت أظن ذلك، لما كنت واقفة هنا الآن." ساد الصمت من جديد، ثم استدارت جايون نحو الداخل وقالت بلا اهتمام وهي تبتعد: "السرير قرب النافذة فارغ... إذا لم يسبقك إليه أحد." دخلت الفتيات الواحدة تلو الأخرى، وبقيت واقفة وحدي في الممر. للحظة شعرت أن السنوات العشر الماضية لم تحدث أبداً، كأنني ما زلت تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل حقيبة أكبر من جسدها وتحاول جاهدة إقناع نفسها بأنها لا تخاف. حملت حقيبتي مجدداً، ثم تبعتهن إلى الداخل. دخلت غرفتي القديمة التي لم تتغير كثيراً؛ السرير الحديدي، المراتب القاسية، ورائحة العفن الندية التي تأبى أن تختفي من الزوايا. وضعت حقيبتي قرب قدمي، وتمددت بصمت أراقب السقف المتشقق. في السرير المجاور، كانت سويون تنظر إليّ دون أن تتحدث، قبل أن تقول فجأة بصوت خافت: "هل عدتِ وتذكرتنا الآن فقط؟" سؤالها أصابني كصفعة في وجه كبريائي. التفتُّ نحوها ثم قلت بصدق مرير: "عدت لأنني... ضعت قليلاً. لم أعد أملك مكاناً أذهب إليه." أخفضت عينيها للحظات ثم همست: "كنا نظن أنكِ نسيتِنا." "لم أنسَ." "لكن لم تعودي." لم أعرف ماذا أجيب، فبعض الأسئلة لا تملك إجابات جميلة يمكن قولها بصوت عالٍ. صمتت سويون وأدارت ظهرها لي، وفي الطرف الآخر من الغرفة، سمعت ضحكة مكتومة من جايون كالعادة. لم أرد، لكنني شعرت به... ذلك الغضب القديم يعود ليتسلل إلى صدري ببطء. هذه المرة لم أفعل شيئاً، فقط تنفست عميقاً، وأغمضت عيني للاستسلام للنوم. وحين أغلقت عينيّ… عاد الماضي بكل ثقله، وعاد معه حي هونغدوك. كان حي هونغدوك يتنفس الحياة بكل تفاصيله الصغيرة؛ شارع ضيق مليء بالبائعين الصغار الذين يعرضون سلعهم البسيطة، وأطفال يركضون ويلعبون في الأزقة الضيقة بين البيوت القديمة المتلاصقة. ورغم ضيق المكان وقسوته، كانت هناك روح دافئة تسكنه؛ فالنساء يخرجن من بيوتهن لتبادل الحديث عند زاوية الشارع، بينما يتجمع الرجال حول البقالة الصغيرة لشراء مستلزماتهم والحديث عن تفاصيل يومهم. الحياة هناك كانت تدور حول أشياء بسيطة، لكن تلك البساطة كانت تغني عن الكثير. وفي تلك الزاوية المزدحمة، كانت ترتفع لافتة كُتب عليها بخط يدوي: "تبرعات للدار". كان الحي بأسره يجتمع لدعمنا نحن الأيتام، ورأيت الأطفال يذهبون مع آبائهم حاملين أكياساً مليئة بالطعام، تزامناً مع صرخات الفرح التي تملأ المكان. لكنني كنتُ دائماً أتسلل من بينهم بصمت دون أن يشعر بي أحد. لم أكن أعتقد أنني سأعود يوماً إلى هنا؛ إلى هذا الحي الذي تربيتُ فيه حتى تم التخلي عني. زقاقه الضيق، وجدرانه القديمة المتآكلة تشهد على كل لحظة انكسار مرت في حياتي. كانت الحياة هنا قاسية بلا شك، ولكنها كانت منزلي الوحيد في يوم من الأيام، قبل أن تقرر العائلة التي تبنتني ذات يوم أن تعيدني إلى الملجأ. ورغم مرور السنوات، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة الثقيلة؛ كانت كل كلمة منهم، وكل نظرة اعتذار أو برود، بمثابة جرح نازف في روحي. المنزل الجديد الذي عشت فيه بعد التبني كان مختلفاً تماماً؛ كان أكبر، وأكثر حداثة وفخامة، لكنه كان يفتقر تماماً إلى روح الحياة التي شعرت بها في زواريب هونغدوك. كانت الجدران بيضاء باردة، والشوارع واسعة وصامتة كالمقابر، والجيران بالكاد يعرف بعضهم بعضاً. كنت أعتقد في البداية أن تلك العائلة ستمنحني الحياة المستقرة التي طالما حلمت بها، لكن مع مرور السنوات بدأت الفجوات تظهر بيننا بوضوح، ولم أستطع أن أجد نفسي في عالمهم المخملي. كنتُ أشعر دائماً أنني جسد غريب في بيتهم؛ كانوا يحبونني، نعم، ولكن الحب هناك كان مختلفاً… كان حباً مشروطاً، يتطلب مني دائماً أن أرتدي قناعاً وأكون شخصاً آخر لا يشبهني. ثم جاءت اللحظة التي كنا نهرب منها جميعاً؛ فبعد عشر سنوات كاملة من التبني، أعادتني العائلة إلى دار الأيتام مجدداً وأنا في الخامسة عشرة من عمري. لم يكن القرار ناتجاً عن كراهية مباشرة، بل عن ضغوط مالية وعاطفية واجتماعية متراكمة جعلت سقف عالمهم ينهار ببطء فوق رؤوسنا. كانوا يشعرون في أعماقهم أنهم خذلوني، وأنا أيضاً كنت أستيقظ كل ليلة وأنا أشعر أنني خذلتهم ولم أكن الابنة المثالية التي تمنوها. فتحتُ عينيّ ببطء ليعود سقف الغرفة المتشقق إلى الظهور فوق رأسي، معلناً عودتي الصادمة إلى الحاضر.. إلى الدار، وإلى الغرفة نفسها التي بدأت منها كل الحكاية. في الصباح، كان الجو بارداً على غير عادته، والسماء ملبدة بغيوم رمادية كافية لإغراق المدينة بأكملها في صمت ثقيل. رشفتُ قهوتي واقفة كالعادة دون أن أملك رغبة في تذوقها، كنت فقط أحتاج إلى ملامسة شيء دافئ يذكرني أنني ما زلت هنا… أتنفس وأقاوم. وضعتُ دفتر المحاضرات في حقيبتي، ثم التقطت بطاقة المتطوعين الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة قرب السرير، ولم أكن أحب النظر إليها كثيراً لأنني أعرف جيداً الظروف المريرة التي أوصلتني إليها. الآن، وأنا في الحادية والعشرين من عمري، كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، أجد نفسي أدور في نفس الدائرة المغلقة، أصارع الزمن والذكريات لأشتري حريتي من جديد من خلال ساعات التطوع المعدودة هذه في تدريس الطلاب الأصغر سناً ومجالستهم كجزء من روتين إقامتي المؤقتة، بينما عقلي يغلي بالتفكير في كيفية جمع ما يكفي من المال لأهرب من هنا مجدداً. كل شيء بدأ قبل أشهر عندما طلبت مديرة الدار متطوعين لمساعدة الأطفال في الدراسة والأنشطة اليومية. في البداية رفضت بشدة، فلم أكن أريد قضاء وقت أطول داخل هذا المكان الذي أحاول النجاة منه لا التعلق به، لكنني وافقت في النهاية؛ ربما بسبب إلحاح المديرة، أو ربما لأنني كنت أحاول واهمة إقناع نفسي بأنني لم أعد تلك الطفلة الخائفة التي تنتظر خلف الباب أملاً في أن يأتي أحد ليأخذها. في أول يوم لي، جلست وسط مجموعة من الأطفال أساعدهم في حل واجباتهم المدرسية؛ كانوا يرفعون أيديهم باستمرار، ويسألون بفضول عن كل شيء، يضحكون بصخب على أشياء لا تستحق الضحك، ويتشاجرون بضراوة بسبب أقلام التلوين وكأنها كنوز وطنية ثمينة. أذكر أن طفلة صغيرة حدقت في وجهي وسألتني فجأة: "أنتِ هنا لأنكِ موظفة؟" هززت رأسي نفياً: "لا." "إذن لماذا تساعديننا؟" توقفت للحظة، ابتلعت غصتي ثم قلت بصوت خافت: "لأن أحداً ساعدني عندما كنت في عمرك." لم تكن إجابة كاملة، لكنها كانت كافية لإسكات فضولها الصغير. مع مرور الوقت، أصبحت ساعات التطوع هذه الجزء الأكثر هدوءاً وسلاماً في يومي المزدحم؛ فهناك، بين هؤلاء الأطفال، لم يكن أحد يسألني لماذا عدت، ولا لماذا فشلت، ولا كيف انتهى بي الأمر في نقطة الصفر مجدداً. الأطفال لا يهتمون بكل تلك التعقيدات الاجتماعية، كل ما كانوا يريدونه هو شخص صادق يستمع إليهم بحب… وربما، كنت أنا أيضاً بحاجة ماسة إلى شخص يستمع إليّ.انعقد اجتماع مجلس إدارة مجموعة كانغ في التاسعة صباحًا؛ كانت القاعة أكثر هدوءًا من المعتاد، لكن ذلك الهدوء لم يكن باعثًا على الراحة، بل أشبه بالصمت الذي يسبق صدور حكمٍ نهائي. جلس أعضاء المجلس في أماكنهم يتبادلون نظرات حذرة؛ منذ المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه هيتشول مطالبته بإعادة فتح التحقيق في حادث المصنع، لم يعد أي اجتماع يمر كما كان. دقائق قليلة ثم فُتح الباب، ودخل رئيس مجلس الإدارة بخطوات ثابتة يتبعه السكرتير القانوني وعدد من المستشارين. لم ينظر إلى أحد، بل جلس في مقعده ووضع الملف الأسود أمامه وقال بهدوء: "لن نناقش ما حدث في المؤتمر." رفع الجميع رؤوسهم نحوه، فأكمل: "لقد انتهينا من تلك المرحلة." ساد الصمت؛ فتح الملف ثم أخرج قرارًا مختومًا وقال: "لدينا اليوم بند واحد." تناول السكرتير نسخة من القرار وبدأ يوزعها على الحاضرين. وما إن قرأ الأعضاء السطر الأول حتى تبدلت ملامحهم؛ قرار بتعيين نائب رئيس تنفيذي جديد لمجموعة كانغ. همس أحدهم دون شعور: "بهذه السرعة...؟" تجاهله الأب تمامًا وقال بصوت ثابت: "من
توقفت حافلة الجامعة أمام بوابة المصنع بعد ساعةٍ ونصف تقريبًا من مغادرتها سيؤول. كان المصنع متوسط الحجم، تحيط به مساحات خضراء صغيرة وسياج معدني حديث؛ لم يكن ضخمًا كمنشآت مجموعة كانغ، لكنه بدا منظمًا بطريقة لفتت انتباه الجميع منذ اللحظة الأولى. نزل الدكتور أولًا ثم التفت إلى الطلاب: "هذا المصنع حصل قبل ثلاث سنوات على شهادة تميز في أنظمة السلامة الصناعية، لذلك أريدكم أن تراقبوا كل تفصيل، لا تكتفوا بتدوين الملاحظات." أخرجت جيني دفترها بحماس، أما سو-آه فعدلت خوذة السلامة فوق رأسها ثم أمسكت الملف الذي أعدته الليلة الماضية. وفي الجهة المقابلة، كان هيتشول يقف صامتًا يراقب خطوط الإنتاج الممتدة خلف الزجاج السميك. اقترب منهم مدير المصنع مرحبًا: "أهلًا بكم، لقد جهزنا كل ما تحتاجونه." صافحه الدكتور، وبدأ الجميع بالدخول. منذ الخطوات الأولى داخل المصنع، بدأت جيني تلتفت يمينًا ويسارًا بإعجاب: "انظرا إلى الأرضية." قالتها وهي تشير إلى الخطوط الصفراء والحمراء المرسومة بدقة. "حتى مسارات المشاة منفصلة عن حركة الآليات." ابتسمت سو-آه وه
خرج هيتشول من مبنى الجامعة بعد انتهاء آخر محاضرة لذلك اليوم، بينما كانت شمس العصر تميل ببطء نحو الغروب. لم يتجه إلى موقف السيارات، بل أخرج هاتفه واتصل بالمحامي كيم: "أريد عنوان شركة سيغان للأمن الصناعي." ساد صمت قصير، ثم جاءه الرد: "وجدناه... لكن الشركة أُغلقت منذ خمس سنوات." توقفت خطوات هيتشول: "ومالكها؟" "اختفى بعد إعلان إفلاسه." انعقد حاجباه: "والعاملون؟" "أغلبهم انتقل إلى شركات أخرى." صمت لحظة قبل أن يضيف: "لكن هناك اسمًا واحدًا... كان مسؤولًا عن عقود المصانع." رفع هيتشول رأسه: "أرسل كل ما لديك." أنهى المكالمة ثم رفع بصره نحو السماء؛ كل خيط يقوده إلى شخص، وكل شخص يقوده إلى باب مغلق، لكن تلك الأبواب بدأت تفتح واحدًا تلو الآخر. وفي الوقت نفسه، كانت سو-آه تنهي دوامها داخل الشركة؛ أغلقت الحاسوب ورتبت مكتبها ثم حملت حقيبتها الصغيرة. "انتهيتِ؟" التفتت لتجد زميلتها تبتسم لها: "نعم." "لا ترهقي نفسك بسبب مشروع الجامعة."
لم تكن السماء قد أشرقت بالكامل عندما توقفت الدراجة النارية أمام البوابة الصدئة للمصنع القديم. أطفأ جيهون المحرك، وساد المكان صمت غريب لا يقطعه سوى صوت الريح وهي تمر بين الهياكل المعدنية المهجورة. خلع خوذته ورفع بصره نحو المبنى الذي غيّر حياة أشخاص كثيرين خلال دقائق معدودة. بدا المكان مهجورًا، لكنه لم يكن ميتًا؛ فقد كانت آثار الأقدام الحديثة واضحة على طبقة الغبار القريبة من البوابة الجانبية. انحنى قليلًا ومرر أصابعه فوقها ثم عقد حاجبيه: "هناك من جاء إلى هنا مؤخرًا..." تمتم بها لنفسه، وأخرج هاتفه لالتقاط عدة صور قبل أن يدفع الباب الحديدي بحذر. صدر صرير طويل ودخل. وفي الوقت نفسه، كان هيتشول يقف أمام نافذة مكتبه الصغير داخل الجامعة. لم يكد يمضي يومان على عودته إلى الدراسة، لكن هاتفه لم يتوقف عن استقبال اتصالات المحامين، والصحفيين، وأعضاء مجلس الادارة الذين يحاولون إقناعه بالتراجع عن موقفه. رن الهاتف مجددًا، ونظر إلى الاسم ليجد والدته. ظل ينظر إلى الشاشة ثوانٍ ثم أجاب؛ جاءه صوتها متعبًا: "هل تناولت دواءك؟" أغ
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل