Masukاتسعت العيون بدوار وذهول، وتطلعت النظرات نحو الجد الواقف بجوار زياد بذهول عارم.انكمشت لمار على نفسها تشد قبضتها على ذراعها بقوة حتى كادت أظافرها تغرس في لحمها، والتفت رأسها تلقائياً تتأمل قامته الطويلة الباسقة، وثبتت نظراتها المتسعة على رأسه من الخلف بشفاه متباعدة بخفة. كانت تشاطرهم الصدمة ذاتها؛ فمنذ لحظتها الأولى معه توهمت أنه مجرد سائق، ولتوها تكتشف أنه حارسها الشخصي المسؤول عن حمايتها!نطق يمان والأحرف تتكسر في حلقي بذهول فاضح:"حارس؟!"أكد الجد بالصلابة ذاتها:"نعم.. إنه مكلف مني شخصياً لحمايتها والسهر على سلامتها."استنكر يمان بمرارة وهو يضيق عينيه:"ولماذا يتوجب عليك تكليف حارس لحمايتها؟! ومِمّ تحاول حمايتها بالضبط؟!"ثم أردف بسخرية لاذعة:"لا تقل لي إنك تحاول حمايتها مني؟!"قال الجد بنبرة امتزج فيها الحزن بالجدية الحارقة:"وهل تحسبها في غنى عن الحماية منك؟! وهل تظن أن واجبنا يقتصر على حمايتها من الغرباء فقط؟!"ثم زفر بمرارة:"صدقني.. هي بحاجة للتحصن من الأقرباء أكثر بكثير من الغرباء البعيدين!"كانت لمار تتطلع إلى ظهر زياد الذي لم ينطق بحرف. ولا تنكر أنها شعرت بطعنة خيانة وخدا
توقف زياد في مكانه ونظر إليها بحاجب مرفوع واستفهام:"عفواً؟"أزاحت نظرها المرتجف بعيداً عنه:"أشعر كأنك تراني بوضوح رغم الحلكة المحيطة بنا."قال محاولاً ملاطفتها وإغاظتها:"في هذا الظلام الدامس، بالكاد أتبين بريق أسنانكِ يا سيدتي!"ضربت كتفه بيديها بضيق لطيف وهي تقوس شفتيها:"أنت تتنمر علي!"كتم ابتسامته ونظر نحو القصر:"فلنعد الآن، وإلا سيسكن القلق قلب السيد الأكبر لغيابكِ."زفرت بغير رضا، غير أنها سارعت بالركض خلفه حين لاحظت ابتعاده بخطواته الطويلة، وهتفت:"زياد! لا تتركني بمفردي!"عند وصولهما للبوابة الخارجية، كانت إحدى الخادمات تترقب وتنظر كمن ينتظر صيداً. وما إن أبصرتهما، حتى هرعت للداخل بابتسامة غريبة على وجهها.قطبت لمار حاجبين وضمت شفتيها في خط مستقيم وقالت لزياد:"أظن أنني شهدت هذا المشهد من قبل..."التفت زياد نحوها ووضع كفه على فمه ليخفي ابتسامة متسعة:"أعتقد أن عليكِ إعداد نفسكِ لعقاب حتمي!"نظرت إليه بخوف:"ماذا؟! ولماذا؟!"أومأ زياد برأسه قائلاً:"سؤال وجواب منطقيان.. ستعرفين السبب بعد قليل!"نظرت لمار نحو زياد بشك وريبة وهما يلجان عتبة القصر معاً.في الصالة الرئيسية، كا
تقدمت نحوه بخطوات بطيئة، بينما الصداع والدوار لا يزالان يعبثان برأسها. أدركت أنه شعر بوجودها، لكنه ظل جالساً يتأمل المكان بعينيه الواسعتين، كأن وجوده وسط الطبيعة لوحة فنية نادرة.وما إن دنُت منه، حتى استدار ووقف متطلعاً إليها بنبرة دافئة:"أأنتِ هنا؟ هل أضحيتِ بخير؟"كانت حركاته متزنة وصوته يحمل دفئاً نادراً، متناقضاً تماماً مع جفاء يمان. خطا نحوها بابتسامة خفيفة، فأومأت له برأسها لتطمئنه:"أنا بخير."مد كفه بلطف:"إن كنتِ بحاجة لمن يسندكِ..."أشارت بيدها وهي تواصل السير ببطء نحو المقاعد:"أستطيع السير بمفردي.. شكراً لك."سحب يده وأبقاها خلف ظهره وهو ينظر حوله متأملاً:"المكان هنا بديع للغاية.. وسيسهم في شفائكِ سريعاً."أجابت بعد أن جالت بنظرها في المكان:"أعتقد ذلك.. كان هذا بغيتي الأساسية من الخروج."وصلت للجلوس واختار زياد المقعد المواجه لها. وضعت ذراعيها على الطاولة الخشبية وأسندت رأسها عليهما تتطلع نحو المياه المتدفقة. كانت عيناها محمرتين والدموع العالقة تتلألأ على أهدابها، وهي تتنفس بحدّة تبتلع بكاءً يوشك على الانهيار، بينما اكتست وجنتاها بحمرة الحمى الشديدة.وضع زياد يده تحت ذق
قال الجد بعزم قاطع:"لكنني أردتكِ أنتِ حفيدة لي، ولم تكن سِواكِ تلائم هذه المكانة! كان هذا الأتفاق بيننا ، لا استطيع تجاوزه ، منذ ذلك الحين ، أصبحتِ حفيدتي الحبيبة."قالت بأسى وعيناها تترقرقان بالدموع:"جدّي..."حاول الجد التخفيف عن كاهلها:"أنا لستُ مثلهم يا لمار.. لن ألقي عليكِ باللوم في أمر لم تكن لكِ فيه إرادة."ثم أردف لاهجاً بغضب مكتوم تجاه العائلة:"كيف يسوغ لهم تحميلكِ مسؤولية رحيل الطفلين، وأنتِ بالكاد كنتِ على قيد الحياة لساعات طوال؟!"وقعت الكلمة على مسامعها كصعقة كهربائية جردت جسدها من القوة!شعرت بأن الهواء يتلاشى من رئتيها وأن قلبها يتوقف عن الخفقان. أضحت الرؤية ضبابية، ولم تعد تلمح سوى وجه جدها الذي كان يبتسم بمرارة وهو يكرر:"ألم يخبروكِ عن أخيكِ من قبل؟"تمتمت بصوت واهن ومختنق:"هـ.. هل.. هل كان.. لي أـخ؟!"لم تستطع إكمال عبارتها؛ إذ بدأ رأسها يدور بجنون، وأضحي صوت جدها خافتاً وقادماً من غياهب بعيدة. أخ؟! أخيها؟! كانت الكلمة غريبة للغاية على مسامعها، وكأنها لا تنتمي لعالمها. لماذا كتموا السر؟ لماذا طمسوا وجود روح كانت تشاطرها الحياة؟في تلك اللحظة الحاسمة، دخل يمان إل
ردت بارتباك شديد: "جدي..." ابتسم الجد بمرارة وخيبة أمل جليّة: "لم يتممه إذن..." وضعت لمار كفها الدافئة فوق يد جده المستقرة على كتفها، وقالت بنعومة: "ما زلنا بعمر الشباب يا جدي، وأمامنا متسع من الوقت ليفهم كل منا الآخر.. كل شيء سيكون على ما يرام." قال الجد وهو يحمل نفسه المسؤولية: "أنا السبب في تعاستكِ.. أرى بوضوح كيف يعاملكِ يمان، فهو لا يداري رفضه لهذا الزواج، لكني خيلت لنفسي أنه سيتغير فور عقد القران.. ولكن..." قاطعته قبل أن يتم جملته: "يمان رجل يعتز بنفسه كثيراً، وسيعاني قليلاً قبل أن يستوعب الواقع، لكنه س يتقبله في النهاية.. لا تقلق يا جدي، هو ليس بهذا السوء، بل إنه يعاملني برفق." في تلك اللحظة، مرت صور قسوته وجفائه كأطياف لاذعة في مخيلتها، وشقت ابتسامة متهكمة شفتيها؛ كانت تدرك تماماً أنه لن يتغير، وسيواصل إذلالها بتلك الطريقة. غير أنها لم ترد أن تحمّل قلب الجد مزيداً من الهموم، ولم ترغب في إدخال طرف ثالث بينهما حتى لو كان حليفاً لها.. لقد عقدت العزم على مواجهة يمان وحل هذا اللغز المظلم بمفردها!تسللت نظرات لمار المترددة نحو جدها الذي كان يتأمل الأفق الممتد من نافذة الغر
سار يمان بخطى ثقيلة ومبتعدة، فصاح الجد بنبرة مكتومة:"يمان! يمان!"غير أن يمان لم يلتفت، وواصل سيره بينما كانت النيران التي تستعر في صدره أعلى صفجيها من أي نداء.بشفاه متباعدة ونظرات ترتجف بذهول، كانت لمار تتطلع في أرجاء الغرفة، تشعر بمرارة علقمية تغص في حلقها وحرقة لاذعة تسري في أرنبة أنفها.أسندت الجزء السفلي من جسدها على الباب وهوى الجزء العلوي للأمام، ثم مررت يدها بين خصلات شعرها واعتصرت شفتيها بضغط مستقيم.وبصوت مرتجف يكاد لا يبين، تمتمت غير مصدقة:"يامن..."تلفتت حولها، فلم تجد أحداً يقاسمها هذا الفراغ الموحش.تلاحقت أنفاسها، وشرع رأسها ينفجر بدوار وصداع عاتٍ. تساءلت في شرود وضبابية:"من كان يقصد بالعائلتين؟"التقطت هاتفها من فوق المنضدة بأصابع مرتعشة، وراحت تتصفح حساب يمان على منصات التواصل بعينين متسعتين علّها تجد إجابة تشفي غليلها. لم تجد شيئاً سوى منشورات رسمية تخص العمل، غير أن عبارة "الحالة الاجتماعية: معقدة" أثارت دهشتها الشديدة!تساءلت في سريرتها: "أليس متزوجاً بي بالفعل؟ ماذا يعني بـ 'معقدة'؟"تأوهت مشتية بخطوات مضطربة وهي تعتصر رأسها من شدة الألم. وقفت حافية القدمين أم







