登入سار يمان بخطى ثقيلة ومبتعدة، فصاح الجد بنبرة مكتومة:"يمان! يمان!"غير أن يمان لم يلتفت، وواصل سيره بينما كانت النيران التي تستعر في صدره أعلى صفجيها من أي نداء.بشفاه متباعدة ونظرات ترتجف بذهول، كانت لمار تتطلع في أرجاء الغرفة، تشعر بمرارة علقمية تغص في حلقها وحرقة لاذعة تسري في أرنبة أنفها.أسندت الجزء السفلي من جسدها على الباب وهوى الجزء العلوي للأمام، ثم مررت يدها بين خصلات شعرها واعتصرت شفتيها بضغط مستقيم.وبصوت مرتجف يكاد لا يبين، تمتمت غير مصدقة:"يامن..."تلفتت حولها، فلم تجد أحداً يقاسمها هذا الفراغ الموحش.تلاحقت أنفاسها، وشرع رأسها ينفجر بدوار وصداع عاتٍ. تساءلت في شرود وضبابية:"من كان يقصد بالعائلتين؟"التقطت هاتفها من فوق المنضدة بأصابع مرتعشة، وراحت تتصفح حساب يمان على منصات التواصل بعينين متسعتين علّها تجد إجابة تشفي غليلها. لم تجد شيئاً سوى منشورات رسمية تخص العمل، غير أن عبارة "الحالة الاجتماعية: معقدة" أثارت دهشتها الشديدة!تساءلت في سريرتها: "أليس متزوجاً بي بالفعل؟ ماذا يعني بـ 'معقدة'؟"تأوهت مشتية بخطوات مضطربة وهي تعتصر رأسها من شدة الألم. وقفت حافية القدمين أم
نكس يمان رأسه بعيداً عنها، وقال بصوت خفيض يقطر بالثقل:"جدي.. أنا لا أستطيع الاهتمام بها."هز الجد رأسه بجفنين مطبقين يجرع المرارة:"ولماذا؟ انظر إليها.. إنها في حال يُرثى لها!"رد يمان بنبرة مبررة ومعذبة:"أنت أكثر من يعلم السبب يا جدي.. ومع ذلك تسألني الآن؟!"قبض الجد بكفه الهرمة على مقبض عكازه بقوة وقال:"لم يكن ذلك ذنبها إطلاقاً!"وبنبرة مشبعة بالحزن والأسى، نطق يمان:"ولم يكن ذنبي أنا أيضاً! لا أستطيع النسيان يا جدي.. لا أستطيع التقاضي عن حقيقة أنها لم تكن لي أبداً!"قال الجد بصوت ينضح بحزن أعمق:"ولكنها أضحت لك الآن."تطلع يمان إلى جده بمرارة لاذعة:"لم تكن يوماً لي.. ولن تكون! لا أستطيع تملكها يا جدي.. لا أستطيع خيانته، ولا أستطيع سلب ما كان حقاً أصيلاً له!"أمسك الجد بذراع يمان وجره بقوة خارج الغرفة، ثم أغلق الباب بهدوء بعد أن تثبت من استغراق لمار في نومها.كانت لمار متعبة إلى حد يعجز معه جفناها عن الانفتاح، غير أن حواسها المتيقظة كانت تلتقط كل شيء؛ ذلك الارتباك الفاضح في صوت الجد، وسرعة سحبه ليمان للخارج، أضرمت في صدرها شرارة فضول حارقة لم تجد لها كبحاً.أزاحت الغطاء عنها بصع
كان يمان يخطو نحو القصر حين توقف فجأة، وحوّل نظراته الحادة نحوهما بوجوم لم يكن متوقعاً. قال زياد بنبرة مهدئة وهو ينظر إليها بعطف صريح: "أنا هنا.. كان مجرد كابوس ، لا تخافي." تركت كم معطفه فور استرداد وعيها، ووضعت يدها على جبهتها تدلكها وهي تزفر بعمق لتحرر نفسها من بقايا الرعب. سألها زياد بقلق حين لاحظ احمرار وجنتيها الطارئ وشحوب بشرتها: "هل أنتِ بخير يا سيدتي؟ تبدين شاحبة للغاية." ردت وهي تحاول الترجل: "أنا بخير." في تلك اللحظة، تقدم يمان بخطوات حاسمة ودفع زياد للخلف برفق قاطع. تجمد زياد في مكانه وضم شفتيه بحدة، بينما وقف يمان أمام لمار وانحنى قليلاً ليضع راحة كفه العريضة فوق جبهتها. حاومت تفادي لمسته، غير أنه قال بصرامة قاطعة: "لا تتحركي!" تسمرت مكانها وأزاحت بصرها المرتجف عنه. أعاد يمان وضع كفه على جبهتها ليتفحص حرارتها، ثم لمس جبهته هو ليقارن الفارق، فبرقت عينه بخطورة وهتف كموبخ: "أنتِ تعانين من حمى حادة! لماذا لم تخبريني بذلك؟!" أبعدت يده عنها وشق طريقها تترجل من السيارة. استقام يمان في وقفته، وشد على فكيه بقوة، ما ان لامست قدمها الارض واستقرت عليها ،هز رأسه وانحنى م
فتحت باب الحمام قليلاً، وأخرجت رأسها تتلصص بحذر في أرجاء الغرفة. وما إن تأكدت من خلوها تماماً، حتى خرجت وهي تتنفس برعشة حادة، واتجهت نحو السرير. استلقت ببدنها الخاوي من أية طاقة، دون أن تملك رغبة في معرفة الوقت أو ما يدور حولها.. لقد سقط من ذاكرتها كلياً وعدها ليمان بالذهاب لزيارة جده. اندفع باب الغرفة بقوة وعنف أحدثا صدى مدوياً.قفزت لمار من السرير بفزع، ونظرت نحو الباب وهي ترتجف ذعراً. كان يمان يقف عند العتبة بكنزة صوفية بيضاء وبنطال أبيض مريح، وخطا نحوها بحدة وصرامة.سقطت نظراته الحادة على قدميها الحافيتين اللتين تطآن الأرض الباردة، وثيابها المجعدة من الأمس، دون أي أثر لتجهيز نفسها للرحيل.سألها بنبرة جافة:"لماذا لم تجهزي نفسكِ حتى الآن؟"نظر إلى ساعته الذهبية وقال بصرامة:"ألم تتفقدي الوقت؟ هل هناك من يغط في النوم حتى هذه الساعة؟"ثم أردف ملقياً باللوم على أهله:"يبدو أن أمي وأبي أفرطا في دلالكِ، حتى أصبحتِ بحاجة لإعادة تقويم وتأديب من جديد!"لم تنطق بكلمة. طأطأت رأسها لأسفل باستسلام، واتجهت بخطوات بطيئة نحو الحمام دون أن تنظر إليه.استوقفها بنبرة آمرة:"إلى أين تتجهين؟"أجابت ب
دفعت كفه عن كتفها بقوة غير متوقعة، وقهقهت بتهكم بينما هبط بصرها إلى الأرض لتداري الرعشة القاسية التي اجتاحت جسدها:"عن أي زوجة تتحدث بالضبط؟ أنا لا أرى أي أثر لهذه الزوجة!"رفع يمان حاجبيه، واقترب منها لينهمس في أذنها بنبرة جليدية تشد الأنفاس:"آه.. أهكذا إذن؟ أترغبين في ممارسة دور الزوجة بحق؟"بدأ يخطو نحوها بثبات وقوة، فكانت تتراجع غريزياً للوراء مع كل خطوة يتقدمها. تقطعت أنفاسها وهي تراقب عينيه المحمرتين بقسوة تثبتان على ملامحها.اصطدم خلف ساقيها بحافة السرير الحريري، لتهوي جالية فوقه بانهيار، بينما انحنى يمان فوقها بجسده الضخم حتى كادت أنفاسه الحارة تلفح بشرة وجهها. شعرت بقلبها يخفق بضربات عنيفة وكأنه سيمزق قفصها الصدري من شدة الذعر والارتباك.قال بصوت خفيض وهو يقترب أكثر:"دعيني أضمن هذه أولاً..."أدارت لمار وجهها بسرعة للجهة المعاكسة تجنباً لشفتيه، غير أنه واصل اقترابه حتى لامست شفتاه الدافئتان بشرة عنقها الرقيقة مباشرة! أغمضت جفنيها بشدة، واعتصرت أصابعها المرتجفة على ملاءة السرير.حدق يمان في عينيها الثائرتين، وابتسامة انتصار مظلمة تنهمر على ثغره، وقال بنبرة قاطعة:"العدل كلمة
رد ببرود دون أن يتحرك:"هذه غرفتي.. أأصابكِ النسيان؟"ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة وهي تنظر إلى ملامحه الخالية من أي انفعال:"أدرك ذلك جيدا، لكنك لا تعتاد القدوم إلى هنا، لذا تملكني الفضول من هذه الزيارة المفاجئة."أعاد يمان بصره نحو النافذة يتأمل المنظر الخارجي؛ حيث الأضواء الملونة للمدينة تتعاشق مع انعكاس الزهور ولألأة مياه المسبح الرابض أسفل الجناح. كان شفق الغروب ينسكب بسحر هادئ يخلب الألباب رغم صخب العمال في أرجاء القصر.عدّل يمان جلسته، ولف سبابته الطويلة حول حافة فنجان الخزف، ثم رفعه بهدوء نحو شفتيه الوردتين الصارمتين، بينما انحسرت أكمامه لتكشف عن ساعدين مفتولين بالأوردة الممتدة وعضلات صدر تتشكل بقوة تحت قميصه الأسود الملتصق بجسده.قال ببرود:"جدي يرغب في رؤيتكِ."كانت عيناها مشدوهتين نحوه، فنفثت زفيراً عميقاً وشعرت بانسكاب الراحة في أوصالها، ثم حلت وثاق كفيها المشدودتين وقالت:"آه.. لهذا السبب إذن؟"استدار بنظره إليها:"بالطبع.. وما الذي ذهب إليه عقلكِ؟"هزت رأسها بابتسامة مرتاحة:"لا شيء إطلاقاً."أردف قاطعاً:"سنذهب إليه غداً."اتسعت حدقتاها بخفة، وسألته بصوت متقطع:"هل قل