تسجيل الدخوللكل إنسان سرّ يخفيه... لكن سرّ نرجس ليس من هذا العالم. منذ سنوات، تعيش نرجس بيننا كأي فتاة عادية — ابتسامة هادئة، حياة بسيطة، وماضٍ لا تتحدث عنه أبدًا. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تختبئ حقيقة لو انكشفت، لن تكلّفها حياتها فقط... بل حياة كل من حولها. هربت نرجس من مكانٍ لا يعرف الرحمة، تاركة خلفها حكمًا لم يُنفَّذ بعد، وذنبًا ارتكبته لأنها أحبت أكثر مما يجب. والآن، وبعد أن ظنّت أن الاختباء كافٍ لحمايتها، يبدأ شخص ما بالاقتراب أكثر مما ينبغي — يلاحظ أشياء صغيرة لا تُفسَّر، ويسأل أسئلة لا تملك نرجس جوابًا آمنًا عليها. من هي نرجس حقًا؟ ومن أين أتت؟ وما السر الذي تخبئه خلف كل ابتسامة، وكل خطوة محسوبة بعناية؟ كل من يقترب منها، يقترب أكثر من حقيقة قد تغيّر فهمه لكل ما ظنّ أنه يعرفه عن هذا العالم. بعض الأسرار لا تُخفى لأنها مخجلة... بل لأنها تفوق التصديق.
عرض المزيدالساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلًا، والمقهى الصغير على ناصية الشارع بدأ يفرغ شيئًا فشيئًا من زبائنه المعتادين. نرجس تقف خلف الطاولة الخشبية، تمسح كوبًا زجاجيًا للمرة الثالثة رغم أنه نظيف تمامًا منذ البداية، عيناها شاردتان نحو النافذة حيث المطر الخفيف يرسم خطوطًا فضية على الزجاج.
في العشرين من عمرها — أو هكذا تخبر الجميع حين يسألونها — تبدو نرجس كأي فتاة جامعية عادية. شعر أسود طويل تجمعه غالبًا بذيل حصان بسيط، عينان بنيتان داكنتان يصعب أن تقرأ فيهما شيئًا، وابتسامة مهذبة تظهر فقط حين يكون العمل يتطلب ذلك. "نرجس، الطاولة الرابعة تنتظر الفاتورة." صوت زميلتها في العمل، سارة، أعادها إلى الحاضر. هزّت رأسها بسرعة واتجهت نحو الطاولة، تبتسم ابتسامة تلقائية درّبت نفسها عليها منذ سنوات. "تفضلوا، وشكرًا لزيارتكم." هذا العمل الليلي في المقهى لم يكن اختيارها الأول، لكنه كان الأنسب. ساعات هادئة، ضوء خافت، وزبائن قليلون لا يسألون أسئلة كثيرة. بالإضافة إلى أنه يترك لها الصباحات حرة لمحاضرات علم النفس في الجامعة — تخصص اختارته بدافع فضول غريب لفهم عقول البشر، أولئك الكائنات المعقدة التي تعيش بينهم منذ سنوات دون أن تفهمهم حقًا. بعد انتهاء دوامها، مشت نرجس وحدها في الشارع الفارغ تقريبًا، معطفها ملفوف حولها بإحكام ضد برد الليل. شقتها الصغيرة لم تكن بعيدة، لكنها كانت تفضّل دائمًا هذه المسافة القصيرة سيرًا على الأقدام — وقت للتفكير، أو ربما وقت للهروب من التفكير. مفتاح الباب دار في القفل بصوت مألوف، والشقة استقبلتها بصمتها المعتاد. لا أحد ينتظرها هنا. لا أحد ينتظرها في أي مكان، في الحقيقة. جلست على حافة السرير، تخلع حذاءها ببطء، حين تسلل إليها ذلك الشعور الذي كانت تحاربه دائمًا — ذلك الفراغ الذي يزحف كل ليلة حين يخفت الضجيج ويبقى صمت الشقة وحده يملأ المكان. مرّت سنتان. سنتان كاملتان منذ ذلك اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. خمس سنوات من حب ظنّت أنه سيستمر إلى الأبد، حب بُني على أساسات لم تكن يومًا مثل أي حب بشري عادي — كان أعمق، أكثر التزامًا، وربما لهذا السبب بالذات كان انتهاؤه أشد قسوة. لم تكن تسمح لنفسها بالتفكير كثيرًا في ذلك. كانت قد تعلّمت، منذ زمن طويل، كيف تغلق الأبواب على ذكرياتها بإحكام. لكن أحيانًا، في لحظات الصمت هذه بالذات، كانت الأبواب تُفتح رغمًا عنها. تذكرت وجهه. ابتسامته حين كان يمسك يدها. الطريقة التي كان ينظر بها إليها كأنها الشيء الوحيد المهم في وجوده. وتذكرت أيضًا — بشكل أكثر إيلامًا — وجوه أهلها. صوت أمها يناديها من بعيد بلغة لم تعد تسمعها إلا في أحلامها. نظرة أبيها الأخيرة، تلك النظرة التي لم تعرف حتى اليوم إن كانت غضبًا أم حزنًا أم كليهما معًا. عشيرتها. عالمها. كل شيء تركته خلفها في ليلة واحدة، دون أن تلتفت إلى الوراء. نهضت فجأة، كأن الذكريات بدأت تثقل عليها أكثر مما تحتمل، واتجهت إلى المطبخ الصغير لتحضّر لنفسها كوبًا من الشاي. يداها، وهي تمسك الغلاية، لامستا للحظة سطح الموقد المعدني الساخن. لم تشعر بأي ألم. نظرت إلى أصابعها بلا مبالاة، وكأن الأمر عادي تمامًا، قبل أن تتذكر — كما تفعل دائمًا في هذه اللحظات النادرة من السهو — أن عليها أن تتظاهر. سحبت يدها بسرعة، وتنهدت بصوت خافت وهي تهمس لنفسها: "احذري يا نرجس." هذا ما كانت تفعله كل يوم. كل ساعة تقريبًا. تتذكّر أن عليها أن تتصرف كإنسانة. أن تتألم حين يجب أن تتألم، وأن تخاف حين يُفترض أن تخاف، وأن تبكي حين يكون البكاء هو رد الفعل المتوقع. بعد سنتين من الحياة وحدها، كانت قد أتقنت اللعبة إلى حد كبير. لكن الليالي، حين يخلو كل شيء من الضجيج، كانت لا تزال الأصعب. جلست على الأريكة، تحتضن كوب الشاي بين يديها، ونظرت إلى انعكاس صورتها الباهت في نافذة الشقة المظلمة. لثوانٍ، ظنّت أنها رأت شيئًا غريبًا في ذلك الانعكاس — بريقًا خفيفًا جدًا في عينيها، اختفى بسرعة قبل أن تتأكد منه. هزّت رأسها، واقتنعت أنه مجرد تعب. غدًا يوم جديد. محاضرة الساعة التاسعة، ثم دوام المقهى مساءً. حياة بسيطة، هادئة، لا تلفت الانتباه. هذا بالضبط ما كانت تريده. لكن شيئًا ما، في عمق ذلك الهدوء، كان يخبرها أن هذا التوازن الهش لن يدوم إلى الأبد.نرجس في تلك الليلة، جالسة وحدها في شقتها بعد رحيل سرمد الغاضب والقلق معًا، تحاول أن تتماسك وسط كل ذلك الألم المتراكم.كانت تعرف أن قرارها بإبعاده كان الأصح منطقيًا، لكنه لم يكن الأسهل عاطفيًا على الإطلاق. جلست تحتضن ركبتيها إلى صدرها، تستعيد في ذهنها كل التفاصيل التي بدأت تتراكم منذ أسابيع — كيف بدأ سرمد يلاحظ أشياء صغيرة عنها، وكيف كانت في كل مرة تشعر أن دائرة اكتشافه لحقيقتها تضيق أكثر فأكثر، رغم كل حذرها.في صباح اليوم التالي، حاولت أن تعيش يومها بشكل طبيعي، رغم ثقل الليلة السابقة. ذهبت إلى الجامعة، جلست في محاضرتها المعتادة، لكن المقعد المجاور لها، الذي اعتاد سرمد الجلوس فيه كل يوم تقريبًا، بقي فارغًا.لم يأتِ ذلك اليوم. ولا اليوم الذي يليه.حاولت نرجس أن تقنع نفسها أن هذا أفضل، أن الأمر انتهى كما أرادت، لكن الفراغ الذي تركه غيابه كان أثقل بكثير مما توقعت. كانت تجد نفسها تبحث عنه بلا وعي في كل ممر، تتحقق من هاتفها كل بضع دقائق رغم علمها أنه لن يراسلها.في اليوم الثالث، بينما كانت تغادر المقهى بعد انتهاء دوامها الليلي، وجدته واقفًا في الشارع المقابل، ينتظرها بصمت، يداه في جيبي معطف
بدأت الأيام تمرّ أخف وأثقل في آنٍ واحد. أخف لأن نرجس، للمرة الأولى منذ سنتين، سمحت لنفسها بالابتسام دون حساب، بالانتظار لرؤية شخص ما دون خوف مسبق. وأثقل، لأن سرمد، دون أن يقصد، بدأ يلاحظ أشياء صغيرة لم تكن تنتبه هي نفسها أنها تفلت من قبضتها.لاحظ أولًا دفء يدها. في كل مرة كانت تمسك بها، كان يشعر بحرارة أعلى قليلًا مما يجب أن يكون عليه جسد إنسان عادي — ليست حمّى، بل شيئًا ثابتًا، دافئًا بشكل غريب، وكأن نارًا صغيرة تسكن تحت جلدها باستمرار."يداكِ دافئتان جدًا دائمًا،" قال ذات مرة، وهو يمسك يدها بين يديه في المكتبة. "هل تعانين من شيء؟""ربما دورتي الدموية نشيطة فقط." أجابت بسرعة، بابتسامة عابرة حاولت أن تبدو طبيعية.لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يضغط، واكتفى بنظرة فضول صامتة استمرت أطول من اللازم.لاحظ أيضًا أنها نادرًا ما تبدو متعبة كما يجب أن يكون أي طالب جامعي يعمل ليلًا. حين سألها مرة عن ساعات نومها، أجابت بغموض: "لا أحتاج كثيرًا من النوم." لم يفهم كيف يمكن لأحد أن يعيش بهذا الروتين المرهق دون أن ينهار، لكنه صدّق تفسيرها البسيط، مؤقتًا على الأقل.لكن الحادثة التي غيّرت كل شيء وقعت في ليلة
بدأت السماء تُمطر بغزارة غير متوقعة يوم السبت، حين كانت نرجس وسرمد في منتصف الطريق عائدين من محاضرة إضافية أقيمت بشكل استثنائي. لم يحمل أي منهما مظلة، وسرعان ما وجدا نفسيهما يركضان بحثًا عن مأوى، حتى وصلا إلى مظلة صغيرة فوق مدخل مكتبة قديمة مغلقة، بالكاد تكفي لشخصين متلاصقين."هذا،" قال سرمد وهو يلهث قليلًا، شعره المبلل يلتصق بجبينه بطريقة جعلته يبدو أصغر من عمره الحقيقي، "أسوأ تخطيط ليوم في تاريخ البشرية.""لم تكن أنت من خطّط له، الطقس فعل ذلك.""صحيح، لكنني كنت سأخطط ليوم أفضل بكثير لو استُشرت." نظر إليها، وقطرات الماء لا تزال تنزل من طرف أنفه، بنظرة جادة مفاجئة وسط كل هذا الهزل. "أنتِ مبللة تمامًا.""وأنت أيضًا.""نعم، لكنني أبدو وسيمًا حتى وأنا مبلل. هذا فرق جوهري بيننا."ضحكت نرجس بصوت عالٍ، ضحكة حقيقية، غير محسوبة، فاجأتها هي نفسها أكثر من أي شخص آخر. توقفت فجأة، تضع يدها على فمها وكأنها ارتكبت خطأ ما.نظر إليها سرمد بدهشة صامتة، ثم ابتسم ابتسامة مختلفة تمامًا عن كل ابتساماته السابقة — أهدأ، أعمق، وكأنه شهد شيئًا نادرًا للغاية. "لا تفعلي ذلك.""أفعل ماذا؟""تكتمي ضحكتك. كانت جمي
مرّت الأيام التالية أبطأ مما توقعته نرجس، وأثقل أيضًا. رسالة التهديد ظلت معلّقة في ذهنها كسحابة رمادية لا تُمطر، حاضرة دائمًا لكنها لا تنفجر بعد. لم تصلها رسائل أخرى، ولم تلحظ أي شيء غريب إضافيًا في محيطها. بدأت تقنع نفسها، رغم شكها الداخلي، أن الأمر ربما كان تحذيرًا بعيدًا، لا خطرًا وشيكًا.هذا ترك لها مساحة، ولو هشة، لتعيش أيامها بشكل طبيعي أكثر. ومعظم تلك الأيام، لاحظت بشيء من الدهشة، أصبحت تتمحور حول سرمد.يوم الثلاثاء، أصرّ سرمد على مرافقتها إلى المكتبة لمساعدتها في مذاكرة مادة الإحصاء التي كانت تكرهها بصدق. جلسا على طاولة في الزاوية البعيدة، كتب مفتوحة أمامهما، لكن معظم الوقت ضاع في جداله معها حول طريقة حل مسألة بسيطة كان يصرّ أنها معقدة أكثر مما تبدو."لا، انظري، هذا الرقم هنا خاطئ.""هذا الرقم صحيح تمامًا، أنت من أخطأ في الخطوة السابقة.""مستحيل، أنا مهندس، لا أخطئ في الأرقام.""أنت طالب هندسة في سنته الثالثة يرسب في مادتين هذا الفصل، حسب ما أخبرتني بنفسك أمس."توقف سرمد للحظة، فمه مفتوح قليلًا من المفاجأة، قبل أن يضحك بصوت عالٍ لدرجة أن أمين المكتبة نظر إليهما بتحذير صامت. "ه