LOGINانتهت حفلة عيد ميلادي بعد العاشرة مساءً بقليل.
ودعنا أصدقاءنا، ثم خرجت برفقة سمية إلى سيارتها. كنتُ مرهقة من الضحك والكلام، لكنني كنتُ سعيدة. وضعت صندوق الذكريات على حجري، وبدأت أتأمل الصور من جديد بينما أدارت سمية المحرك. انطلقت السيارة في شوارع الإسكندرية، وكانت أغنية عمرو دياب «العالم الله» تملأ المكان. غنيتُ معها بصوت خافت، فضربت سمية عجلة القيادة بيدها وهي تصرخ: «ارحمي وداني يا رنيم! إنتِ بتغني ولا بتستنجدي؟» ضربتُ كتفها بخفة. «خلاص يا ستي، مش هسمعك صوتي تاني». «يا ريت. ده أنا لو كنت أعرف إن عيد ميلادك هيبقى فيه العذاب ده، كنت جبت لك هدية وسِبتك في البيت». ضحكتُ، ثم عدت إلى الصندوق. لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعت صوت مكابح حادًا خلفنا. التفتُّ بفزع، ولم أتمكن حتى من الصراخ قبل أن تهتز السيارة بقوة نتيجة اصطدام سيارة أخرى بمؤخرتها. سقط الصندوق من حجري، وتناثرت بعض الصور على أرضية السيارة. وضعت يدي على صدري، أحاول استيعاب ما حدث. أما سمية، فكانت قد نزعت حزام الأمان وفتحت الباب في اللحظة التالية. «إنتَ يا أستاذ! إنتَ سايق بعينك ولا برجلك؟!» نظرتُ خلفها، فرأيت رجلًا ينزل من سيارة سوداء ويقترب منها مرتبكًا. «أنا آسف، والله ما أخدت بالي إنك هتهدي فجأة». «أهدي فجأة؟! هو الشارع بتاع أبوك؟ إنتَ خابطني من ورا وبتقول ما أخدتش بالك؟» حاول الرجل تهدئتها، لكن سمية لم تمنحه الفرصة. كانت تشير إلى مؤخرة سيارتها وتعدد الأضرار التي لحقت بها، بينما بدأ بعض المارة يتجمعون حولهما. فتحتُ الباب ونزلت لأطمئن عليها. «سمية، اهدي شوية. الحمد لله إننا كويسين». التفتت إليَّ. «ادخلي العربية يا رنيم، أنا هحل الموضوع ده». «بس—» «يا رنيم!» رفعت يدي مستسلمة. كنتُ أعرف هذه النبرة جيدًا. عندما تستخدمها سمية، فمن الأفضل ألا تجادليها. وبعد عشر دقائق من الصراخ والمناقشات، أصرت على الذهاب إلى قسم الشرطة لتحرير محضر، حتى يتحمل الرجل تكاليف إصلاح السيارة كاملة. حاول الاعتذار مرة أخرى، ثم وافق على مضض. وهكذا، بدلًا من أن ننهي عيد ميلادي بكوب من الشوكولاتة الساخنة في المنزل، وجدنا أنفسنا نتجه إلى قسم الشرطة في ساعة متأخرة من الليل. ⸻ مرّت ساعة ونصف قبل أن ينادي أحد أفراد الشرطة اسم سمية. دخلنا غرفة متوسطة الحجم، يتوسطها مكتب خشبي يحمل لوحة صغيرة كُتب عليها: الرائد مراد السيوفي. كان خلف المكتب كرسي جلدي، وأمامه كرسيان للزوار. وعلى يمين الغرفة أريكة بنية لم تبدُ مريحة على الإطلاق، بينما عُلقت على الجدار الأيسر شهادات تقدير وصور رسمية. جلستُ بجانب سمية، وأنا أتمنى أن ينتهي الأمر سريعًا. لم أكن أحب أقسام الشرطة، ولم أزر أحدها من قبل إلا بصحبة أبي في مرة قديمة، حين احتجنا إلى استخراج بعض الأوراق الرسمية. وبينما كنتُ أتفحص المكان، انفتح الباب. رفعتُ رأسي. ودخل هو. كان طويل القامة، عريض الكتفين دون مبالغة، ببشرة قمحية وعينين بنيتين فاتحتين. امتلك ملامح هادئة، وحاجبين مستقيمين، وأنفًا صغيرًا محددًا، وفمًا رسمته ابتسامة اعتذار خفيفة وهو يتقدم نحونا. كان شعره مرتبًا بعناية، وملابسه الرسمية أنيقة، لكن أكثر ما لفت انتباهي كان نظرته. لم تكن حادة كما تخيلت أن تكون نظرات ضباط الشرطة، بل بدت يقظة وهادئة، كأنه اعتاد الاستماع إلى الآخرين قبل أن يصدر أحكامه. قال وهو يجلس خلف المكتب: «أنا آسف جدًا على التأخير. أنا الرائد مراد السيوفي. أقدر أساعدكم في إيه؟» لم تنتظر سمية دعوة ثانية. بدأت تحكي ما حدث بالتفصيل، مع بعض الإضافات التي جعلت الحادث يبدو وكأن الرجل حاول تدمير سيارتها عمدًا. حاول الرجل مقاطعتها مرتين، لكنها أسكتته في كل مرة. استمع مراد إليها باهتمام، ثم وجه بعض الأسئلة إلى الطرفين، وطلب الاطلاع على رخصة القيادة وأوراق السيارة. كان يتعامل بهدوء، من دون أن يسمح لأي منهما برفع صوته. وبعد مراجعة التفاصيل، أوضح للرجل الإجراءات اللازمة لتحمل تكاليف إصلاح الأضرار وفقًا لما ستثبته المعاينة والاتفاق بين الطرفين، ثم طلب استكمال الإجراءات المطلوبة. تنفست سمية براحة عندما اقتنعت بأن حقها لن يضيع. وبينما كنتُ أجمع الصور التي تناثرت على أرضية السيارة بعد الحادث، لاحظتُ أن إحدى الصور قد انزلقت تحت المقعد الأمامي. انحنيتُ لالتقاطها، لكنني لم أتمكن من الوصول إليها، فمددتُ يدي بصعوبة حتى أمسكتُ بطرفها وسحبتها إلى الخارج. كانت صورة قديمة لي ولسمية أمام المدرسة، نرتدي فيها الزي المدرسي ونبتسم للكاميرا ببراءة. ابتسمتُ تلقائيًا وأنا أتأملها، قبل أن أرفع رأسي لأجد الرائد مراد ينظر نحوي باهتمام.. «واضح إنكم أصحاب من زمان». «من وإحنا أطفال». «ربنا يديم الصداقة». كانت جملة عادية جدًا، لكنني وجدت نفسي أبتسم دون أن أشعر. «شكرًا». عدت إلى مكاني، محاوِلة تجاهل نظرات سمية التي شعرتُ بها تخترق جانبي. بعد قليل، انتهت الإجراءات التي استدعت حضورنا، فشكرنا الضابط وغادرنا المكتب. وما إن ابتعدنا عن باب القسم حتى أمسكت سمية بذراعي. «استني بقى!» نظرتُ إليها بشك. «في إيه؟» اقتربت مني وهمست بنبرة مليئة بالمكر: «مراد ده قمر أوي! لا، وكمان إيه؟ ده ما نزلش عينه من عليكِ». شهقتُ وأنا أنظر حولي. «يا شيخة ارحميني! إحنا كنا في القسم، مش في الملاهي!» انفجرت ضاحكة. «ما أنا عارفة. بس هو مش ذنبي إنك دخلتِ القسم وخرجتِ منه ومعاكِ إعجاب جديد». «إعجاب إيه؟ إنتِ اتجننتِ؟ الراجل كان بيعمل شغله». «آه طبعًا. وعلشان بيعمل شغله، ابتسم لك مرتين». جلستُ في مقعدي، وربطت حزام الأمان، ثم نظرتُ من النافذة نحو مدخل القسم. لم يكن هناك شيء يستحق التحديق. مجرد مبنى عادي، ورجل يؤدي عمله، وليلة حادث عابرة. ومع ذلك، وجدت نفسي أتذكر عينيه. هززتُ رأسي بعنف. مستحيل. أنا لا أؤمن بالحب من النظرة الأولى. على الأقل، هذا ما كنتُ أقوله لنفسي دائمًا. في المقابل، كانت سمية تدير المحرك وتبتسم ابتسامة المنتصر. «على فكرة، أنا حاسة إننا هنرجع القسم ده تاني». التفتُّ إليها. «ليه؟» أجابت بثقة: «علشان أتعرف على الرائد مراد السيوفي كويس». رميتها بنظرة ساخرة. «إنتِ اللي هتدخلينا السجن في الآخر». ضحكت، وانطلقت السيارة. لم أكن أعرف أن سمية، التي أرادت العودة إلى القسم من أجل المزاح، ستصبح يومًا شاهدة على واحدة من أكثر الحكايات إيلامًا في حياتي. ولم أكن أعرف أن الرجل الذي تركته خلفي في تلك الليلة سيصبح الشخص الوحيد الذي أتمنى نسيانه، والشخص الوحيد الذي سأبحث عنه حين يفوت الأوان.بعد لقائنا الأول، أصبحت مكالمات مراد جزءًا من يومي.لم يكن يتصل في أوقات ثابتة، لكنه كان يجد دائمًا دقيقة يسألني فيها عن يومي، أو يخبرني فيها بشيء بسيط حدث معه.وأنا، التي كنت أزعم أنني لا أنتظر اتصالات أحد، بدأت أترك هاتفي بجانبي طوال الوقت.كنتُ أضحك عندما تظهر رسالته، وأحاول إخفاء ابتسامتي عن أمي، وأجد لنفسي أعذارًا غير مقنعة كلما سألتني سمية عن سبب شرودي.لكن سمية لم تكن من النوع الذي يقتنع بالأعذار.في إحدى الأمسيات، جاءت إلى منزلي وجلست على سريري بينما كنت أختار ملابسي.راقبتني وأنا أبدل بين قميصين، ثم قالت:«إنتِ رايحة تقابلي رئيس الجمهورية؟»نظرت إليها من خلال المرآة.«لا، رايحة أقابل مراد».«أهو ده اللي أنا بقوله. هو إنتِ بتختاري لبسك لمقابلة ضابط، ولا رايحة تقدمي على وظيفة؟»ألقيت عليها وسادة.«اسكتي بقى!»ضحكت وهي تلتقطها.«طب قولي لي، هو قال لك إنه بيحبك؟»توقفت يدي فوق علاقة الملابس.«لأ».«وإنتِ قلتي له؟»«طبعًا لأ!»رفعت حاجبيها.«طب إيه اللي إنتِ بتعمليه ده كله؟»لم أجب.لم أكن أعرف كيف أشرح لها أنني بدأت أشعر بشيء يتجاوز الإعجاب، لكنني كنت أخاف من تسميته.كانت كلمة ال
لم يحدث شيء استثنائي خلال الأسابيع التالية.على الأقل، لم يحدث شيء يمكنني وصفه بأنه بداية قصة حب.كانت لقاءاتنا قصيرة ومتباعدة، ومعظمها مصادفات في الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها. أحيانًا كنت أراه بالقرب من الجامعة، وأحيانًا أخرى في أحد المقاهي أو المكتبات.ومع كل لقاء، كان يصبح أقل رسمية وأكثر قربًا.عرفت أنه في التاسعة والعشرين من عمره، وأنه يعمل في الشرطة منذ عدة سنوات. لم يكن كثير الكلام عن عمله، لكنه كان يتحدث عن المسؤولية التي يشعر بها تجاه أسرته، وعن أمه التي يقلق عليها باستمرار.كان يحب القهوة السادة، ويكره التأخر عن المواعيد، ويستمع إلى الموسيقى القديمة عندما يقود سيارته.أما أنا، فقد اكتشف أنني أكره البامية، وأخاف من الكلاب الكبيرة، وأحب الروايات الرومانسية رغم ادعائي الدائم بأنني أفضّل الكتب السياسية والاقتصادية.وفي كل مرة كنت أكتشف فيها شيئًا جديدًا عنه، كنت أشعر بأن المسافة بيننا تقل.لكن أكثر ما جذبني إليه لم يكن شكله، ولا طريقته المهذبة في الكلام.كان اهتمامه بالتفاصيل.يتذكر ما أقوله، حتى الأشياء التي أنساها أنا نفسي. يسأل عن امتحاناتي، ويتذكر موعد تسليم مشروع التخرج،
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على صوت هاتفي الذي لم يتوقف عن الرنين.مددت يدي إلى الطاولة المجاورة للسرير، والتقطته بعينين نصف مغمضتين.كانت سمية.«إيه يا بنتي؟ الساعة كام؟»«الساعة تسعة ونص».«طيب، خير؟ حصل إيه؟»«قومي البسي وتعالي لي».فتحتُ عينيَّ بالكامل.«ليه؟»«علشان هننزل نفطر، وبعدها عندي مفاجأة ليكِ».تنهدتُ.«سمية، أنا لسه صاحية. وبعدين إنتِ عارفة إن عندي مشروع تخرج لازم أخلصه».«مشروع التخرج مش هيطير. عشر دقايق وهكون تحت البيت».ثم أغلقت الخط قبل أن أمنحها فرصة لسماع اعتراضي.رميتُ الهاتف على السرير، وجلست وأنا أتمتم بكلمات غير مفهومة.كانت سمية تمتلك موهبة غريبة في تحويل أي يوم عادي إلى سلسلة من الأحداث التي لا تنتهي.وبعد نصف ساعة، كنتُ أجلس معها في أحد المقاهي القريبة من البحر.طلبت سمية إفطارًا يكفي أربعة أشخاص، بينما اكتفيتُ بكوب قهوة وقطعة خبز محمص.نظرت إليَّ باستنكار.«ده فطار؟»«آه».«يا رنيم، إنتِ بتاكلي زي العصافير. وبعدين بتشتكي إنك بتدوخي».ابتسمتُ.«خلينا في المفاجأة بتاعتك».وضعت الشوكة على الطبق، ثم اقتربت مني.«أنا اكتشفت إن الرائد مراد السيوفي عنده حساب ع
انتهت حفلة عيد ميلادي بعد العاشرة مساءً بقليل.ودعنا أصدقاءنا، ثم خرجت برفقة سمية إلى سيارتها. كنتُ مرهقة من الضحك والكلام، لكنني كنتُ سعيدة. وضعت صندوق الذكريات على حجري، وبدأت أتأمل الصور من جديد بينما أدارت سمية المحرك.انطلقت السيارة في شوارع الإسكندرية، وكانت أغنية عمرو دياب «العالم الله» تملأ المكان.غنيتُ معها بصوت خافت، فضربت سمية عجلة القيادة بيدها وهي تصرخ:«ارحمي وداني يا رنيم! إنتِ بتغني ولا بتستنجدي؟»ضربتُ كتفها بخفة.«خلاص يا ستي، مش هسمعك صوتي تاني».«يا ريت. ده أنا لو كنت أعرف إن عيد ميلادك هيبقى فيه العذاب ده، كنت جبت لك هدية وسِبتك في البيت».ضحكتُ، ثم عدت إلى الصندوق.لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعت صوت مكابح حادًا خلفنا.التفتُّ بفزع، ولم أتمكن حتى من الصراخ قبل أن تهتز السيارة بقوة نتيجة اصطدام سيارة أخرى بمؤخرتها.سقط الصندوق من حجري، وتناثرت بعض الصور على أرضية السيارة.وضعت يدي على صدري، أحاول استيعاب ما حدث.أما سمية، فكانت قد نزعت حزام الأمان وفتحت الباب في اللحظة التالية.«إنتَ يا أستاذ! إنتَ سايق بعينك ولا برجلك؟!»نظرتُ خلفها، فرأيت رجلًا ينزل من سيارة سوداء و
القاهرة — 2 أبريل 2021«وما تعريفك الخاص للجنون؟»توقفتُ للحظة قبل أن أجيب. كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه لمس شيئًا عميقًا داخلي، شيئًا ظللتُ سنوات طويلة أحاول تجاهله، وأهرب منه كلما شعرتُ بأنه يقترب مني.نظرتُ إلى الصحفي الجالس أمامي، ثم إلى عشرات الوجوه التي انتظرت إجابتي باهتمام.ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وقلت:«أظن أنه من الخطأ أن نُعرّف الجنون على أنه مجرد اضطراب عقلي يصيب شخصًا مريضًا. بالنسبة إليّ، الجنون هو أن تكرر الخطأ نفسه، وأن تعود إلى كل ما تسبب في هلاكك، رغم أنك تعرف جيدًا إلى أين سيقودك الطريق».صمتُّ قليلًا، ثم أضفت:«الجنون هو أن تمنح قلبك لشخص تعرف أنه قد يحطمك، وأن تظل متمسكًا به حتى بعد أن يثبت لك أنك كنت مخطئًا. الجنون هو أن تعرف الحقيقة، ثم تختار ألا تراها لأنك تخشى الحياة من دون الشخص الذي تحبه».شعرتُ بأن الكلمات تخرج من داخلي بسهولة مخيفة، كأنني لم أكن أجيب عن سؤال صحفي، بل أعترف أمام العالم كله بجريمة ارتكبتها في حق نفسي.رفعتُ عينيَّ عن الطاولة، ونظرتُ إلى الحاضرين.«باختصار… الجنون بالنسبة إليّ هو الحب».ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتعالى همهمات الإعجاب، وتبدأ







