LOGINفي صباح اليوم التالي، استيقظتُ على صوت هاتفي الذي لم يتوقف عن الرنين.
مددت يدي إلى الطاولة المجاورة للسرير، والتقطته بعينين نصف مغمضتين. كانت سمية. «إيه يا بنتي؟ الساعة كام؟» «الساعة تسعة ونص». «طيب، خير؟ حصل إيه؟» «قومي البسي وتعالي لي». فتحتُ عينيَّ بالكامل. «ليه؟» «علشان هننزل نفطر، وبعدها عندي مفاجأة ليكِ». تنهدتُ. «سمية، أنا لسه صاحية. وبعدين إنتِ عارفة إن عندي مشروع تخرج لازم أخلصه». «مشروع التخرج مش هيطير. عشر دقايق وهكون تحت البيت». ثم أغلقت الخط قبل أن أمنحها فرصة لسماع اعتراضي. رميتُ الهاتف على السرير، وجلست وأنا أتمتم بكلمات غير مفهومة. كانت سمية تمتلك موهبة غريبة في تحويل أي يوم عادي إلى سلسلة من الأحداث التي لا تنتهي. وبعد نصف ساعة، كنتُ أجلس معها في أحد المقاهي القريبة من البحر. طلبت سمية إفطارًا يكفي أربعة أشخاص، بينما اكتفيتُ بكوب قهوة وقطعة خبز محمص. نظرت إليَّ باستنكار. «ده فطار؟» «آه». «يا رنيم، إنتِ بتاكلي زي العصافير. وبعدين بتشتكي إنك بتدوخي». ابتسمتُ. «خلينا في المفاجأة بتاعتك». وضعت الشوكة على الطبق، ثم اقتربت مني. «أنا اكتشفت إن الرائد مراد السيوفي عنده حساب على فيسبوك». توقفتُ عن مضغ الطعام. ثم أغمضتُ عينيَّ ببطء. «لا حول ولا قوة إلا بالله». ضحكت سمية. «اسمعي بس! لقيت حسابه، لكن طبعًا مش هبعت له طلب صداقة من حسابي أنا. أنا عندي كرامة». «وإنتِ مالك أصلًا؟» «هستنى لما تقولي لي ابعتي له من حسابي». حدقتُ فيها. «إنتِ محتاجة دكتور، مش فطار». رفعت كتفيها. «براحتك. بس أنا عندي إحساس إنه مش مرتبط». «وإيه علاقة ده بيا؟» «ولا حاجة. بس لو مش مرتبط، يبقى عندك فرصة». ضحكت رغمًا عني، ثم هززت رأسي. «إنتِ بتتفرجي على مسلسلات كتير». لكن الحقيقة أنني، بعد عودتي إلى المنزل، وجدت نفسي أفكر في حديثها أكثر مما ينبغي. لم أبحث عن حساب مراد، ولم أطلب من سمية أن ترسل إليه شيئًا. على الأقل، لم أفعل ذلك في ذلك اليوم. مرت الأيام، وانشغلتُ بمشروع التخرج والاستعداد للامتحانات. أما سمية، فلم تتوقف عن المزاح بشأن الضابط الوسيم الذي التقيناه في القسم. كنتُ أظن أن الموضوع سينتهي بمجرد أن تجد شيئًا جديدًا يشغلها. لكن الحياة قررت أن تمنحها فرصة أخرى. بعد أسبوع تقريبًا، خرجتُ من الجامعة برفقة إحدى زميلاتي، وكنتُ أحمل مجموعة من الأوراق والكتب التي احتجت إليها لمشروع التخرج. كان الطقس باردًا، والسماء ملبدة بالغيوم. وقفتُ أمام بوابة الجامعة أبحث عن سيارة أجرة، عندما سمعت صوتًا رجوليًا يناديني: «آنسة رنيم؟» التفتُّ. كان مراد السيوفي يقف على مسافة قصيرة مني، مرتديًا ملابس مدنية بسيطة، ويحمل هاتفه في يده. احتجتُ إلى ثانيتين لأستوعب أنه هو. «الرائد مراد؟» ابتسم. «الحمد لله، لسه فاكرة اسمي». ضحكتُ بخجل. «طبعًا فاكرة. إزي حضرتك؟» «بخير. إنتِ عاملة إيه؟» «الحمد لله». نظر إلى الأوراق التي أحملها. «واضح إنك طالعة من معركة، مش من جامعة». رفعتُ الكتب أمامي. «مشروع التخرج. قررت الجامعة تنتقم مننا قبل ما نتخرج». ضحك. كانت ضحكته مختلفة عما تخيلت. هادئة، وصادقة، وتجعله يبدو أصغر من صورته الرسمية. سألني عن دراستي، وعندما أخبرته أنني أدرس الاقتصاد والعلوم السياسية، أبدى اهتمامًا حقيقيًا. «يعني ناوية تشتغلي في السياسة؟» «مش عارفة. ممكن أكمل في مجال الاقتصاد، وممكن أشتغل في شركة. لسه بفكر». «كويس إنك لسه بتفكري. المهم تختاري حاجة تكوني بتحبيها». توقفتُ للحظة. كانت جملة بسيطة، لكنها بدت مختلفة حين سمعتها منه. ربما لأنني كنتُ محاطة طوال الوقت بأشخاص يملون عليَّ ما ينبغي أن أفعله، بينما تحدث هو وكأن اختياري يخصني وحدي. قبل أن أجيبه، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، وتغير تعبيره للحظة. لم تكن حركة كبيرة، مجرد اختفاء سريع للابتسامة، لكنه كان واضحًا بما يكفي لألاحظه. أجاب: «أيوه يا فندم… حاضر، أنا جاي حالًا». أنهى المكالمة، ثم اعتذر. «معلش، لازم أمشي. اتشرفت بالكلام معاكِ يا رنيم». «الشرف ليا». تردد للحظة، ثم أضاف: «خلي بالك من نفسك». لم أعرف لماذا شعرت أن عبارته لم تكن مجرد مجاملة عابرة. ربما بسبب الطريقة التي نظر بها إليَّ قبل أن يرحل، أو لأنني لاحظت أن ابتسامته اختفت تمامًا عندما رأى اسم المتصل. راقبته وهو يبتعد، ثم عدت إلى الطريق. لم تمر سوى دقائق حتى وصلتني رسالة من سمية. وصلتي الجامعة؟ أجبتها: أنا خلصت ونازلة. فردت فورًا: طب شوفي كده، لو قابلتِ ضابط وسيم في الطريق، خدي رقمه بدل ما تضيعي الفرصة. توقفتُ في منتصف الرصيف، وكتبت: إنتِ مش طبيعية. جاء ردها سريعًا: أنا طبيعية جدًا. إنتِ اللي بتقاومي الحب. أغلقت الهاتف وأنا أضحك. لم أكن أعلم كيف عرفت سمية أنني التقيت مراد، ولم أسألها. كل ما كنت أعرفه أنني بدأت أنتظر المصادفات الصغيرة التي تجمعني به. كنتُ أبحث عنه بعينيَّ عندما أمر بالقرب من الجامعة، وأتذكر كلماته قبل النوم، وألوم نفسي كلما وجدتُ ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهي دون سبب. لم أكن أحب أن أعترف بذلك. لكنني كنتُ أقترب منه، خطوة بعد خطوة، دون أن أدرك أن بعض الطرق لا تسمح لمن يسلكها بالعودة إلى نقطة البداية. ⸻ بعد أيام، كنتُ أشتري بعض الكتب من مكتبة قريبة من الجامعة عندما رأيته مرة أخرى. كان يقف أمام أحد الرفوف، يتحدث إلى رجل مسن. ترددتُ في الاقتراب، لكن الرجل انتبه إليَّ وابتسم. «اتفضلي يا بنتي، خشي». ابتسمتُ له، ثم التفتُّ إلى مراد. «واضح إن الصدف بتحب تجمعنا». قالها هو أولًا، فشعرتُ بالحرج. «أيوه، فعلًا». نظر إلى الكتب التي أحملها. «مشروع التخرج لسه مستمر؟» «للأسف». «ربنا معاكي». ساد بيننا صمت قصير، ثم سألني: «ممكن أطلب منك طلب؟» شعرتُ بتوتر مفاجئ. «اتفضل». أخرج هاتفه من جيبه. «أنا كنت حابب أعتذر لك عن الطريقة اللي اتكلمت بيها معاكي في القسم. كنت مضغوط شوية، وخفت أكون ضايقتك». نظرت إليه بدهشة. لم أتوقع أن يفكر في الأمر أصلًا. «أبدًا، حضرتك ما ضايقتنيش». ابتسم. «كويس. على العموم، أتمنى أشوفك مرة تانية في ظروف أحسن من حادثة العربية». ضحكت. «وأنا كمان». ثم افترقنا. لكن هذه المرة، لم أستطع إقناع نفسي بأن الأمر مجرد مصادفة. كان هناك شيء يتشكل بيننا، ببطء شديد، دون وعود أو اعترافات. شيء لم أكن أعرف اسمه بعد. ولم أكن أعلم أن أول ما سأخسره بسببه هو قدرتي على التمييز بين ما أتمناه وما يحدث بالفعل.بعد لقائنا الأول، أصبحت مكالمات مراد جزءًا من يومي.لم يكن يتصل في أوقات ثابتة، لكنه كان يجد دائمًا دقيقة يسألني فيها عن يومي، أو يخبرني فيها بشيء بسيط حدث معه.وأنا، التي كنت أزعم أنني لا أنتظر اتصالات أحد، بدأت أترك هاتفي بجانبي طوال الوقت.كنتُ أضحك عندما تظهر رسالته، وأحاول إخفاء ابتسامتي عن أمي، وأجد لنفسي أعذارًا غير مقنعة كلما سألتني سمية عن سبب شرودي.لكن سمية لم تكن من النوع الذي يقتنع بالأعذار.في إحدى الأمسيات، جاءت إلى منزلي وجلست على سريري بينما كنت أختار ملابسي.راقبتني وأنا أبدل بين قميصين، ثم قالت:«إنتِ رايحة تقابلي رئيس الجمهورية؟»نظرت إليها من خلال المرآة.«لا، رايحة أقابل مراد».«أهو ده اللي أنا بقوله. هو إنتِ بتختاري لبسك لمقابلة ضابط، ولا رايحة تقدمي على وظيفة؟»ألقيت عليها وسادة.«اسكتي بقى!»ضحكت وهي تلتقطها.«طب قولي لي، هو قال لك إنه بيحبك؟»توقفت يدي فوق علاقة الملابس.«لأ».«وإنتِ قلتي له؟»«طبعًا لأ!»رفعت حاجبيها.«طب إيه اللي إنتِ بتعمليه ده كله؟»لم أجب.لم أكن أعرف كيف أشرح لها أنني بدأت أشعر بشيء يتجاوز الإعجاب، لكنني كنت أخاف من تسميته.كانت كلمة ال
لم يحدث شيء استثنائي خلال الأسابيع التالية.على الأقل، لم يحدث شيء يمكنني وصفه بأنه بداية قصة حب.كانت لقاءاتنا قصيرة ومتباعدة، ومعظمها مصادفات في الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها. أحيانًا كنت أراه بالقرب من الجامعة، وأحيانًا أخرى في أحد المقاهي أو المكتبات.ومع كل لقاء، كان يصبح أقل رسمية وأكثر قربًا.عرفت أنه في التاسعة والعشرين من عمره، وأنه يعمل في الشرطة منذ عدة سنوات. لم يكن كثير الكلام عن عمله، لكنه كان يتحدث عن المسؤولية التي يشعر بها تجاه أسرته، وعن أمه التي يقلق عليها باستمرار.كان يحب القهوة السادة، ويكره التأخر عن المواعيد، ويستمع إلى الموسيقى القديمة عندما يقود سيارته.أما أنا، فقد اكتشف أنني أكره البامية، وأخاف من الكلاب الكبيرة، وأحب الروايات الرومانسية رغم ادعائي الدائم بأنني أفضّل الكتب السياسية والاقتصادية.وفي كل مرة كنت أكتشف فيها شيئًا جديدًا عنه، كنت أشعر بأن المسافة بيننا تقل.لكن أكثر ما جذبني إليه لم يكن شكله، ولا طريقته المهذبة في الكلام.كان اهتمامه بالتفاصيل.يتذكر ما أقوله، حتى الأشياء التي أنساها أنا نفسي. يسأل عن امتحاناتي، ويتذكر موعد تسليم مشروع التخرج،
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على صوت هاتفي الذي لم يتوقف عن الرنين.مددت يدي إلى الطاولة المجاورة للسرير، والتقطته بعينين نصف مغمضتين.كانت سمية.«إيه يا بنتي؟ الساعة كام؟»«الساعة تسعة ونص».«طيب، خير؟ حصل إيه؟»«قومي البسي وتعالي لي».فتحتُ عينيَّ بالكامل.«ليه؟»«علشان هننزل نفطر، وبعدها عندي مفاجأة ليكِ».تنهدتُ.«سمية، أنا لسه صاحية. وبعدين إنتِ عارفة إن عندي مشروع تخرج لازم أخلصه».«مشروع التخرج مش هيطير. عشر دقايق وهكون تحت البيت».ثم أغلقت الخط قبل أن أمنحها فرصة لسماع اعتراضي.رميتُ الهاتف على السرير، وجلست وأنا أتمتم بكلمات غير مفهومة.كانت سمية تمتلك موهبة غريبة في تحويل أي يوم عادي إلى سلسلة من الأحداث التي لا تنتهي.وبعد نصف ساعة، كنتُ أجلس معها في أحد المقاهي القريبة من البحر.طلبت سمية إفطارًا يكفي أربعة أشخاص، بينما اكتفيتُ بكوب قهوة وقطعة خبز محمص.نظرت إليَّ باستنكار.«ده فطار؟»«آه».«يا رنيم، إنتِ بتاكلي زي العصافير. وبعدين بتشتكي إنك بتدوخي».ابتسمتُ.«خلينا في المفاجأة بتاعتك».وضعت الشوكة على الطبق، ثم اقتربت مني.«أنا اكتشفت إن الرائد مراد السيوفي عنده حساب ع
انتهت حفلة عيد ميلادي بعد العاشرة مساءً بقليل.ودعنا أصدقاءنا، ثم خرجت برفقة سمية إلى سيارتها. كنتُ مرهقة من الضحك والكلام، لكنني كنتُ سعيدة. وضعت صندوق الذكريات على حجري، وبدأت أتأمل الصور من جديد بينما أدارت سمية المحرك.انطلقت السيارة في شوارع الإسكندرية، وكانت أغنية عمرو دياب «العالم الله» تملأ المكان.غنيتُ معها بصوت خافت، فضربت سمية عجلة القيادة بيدها وهي تصرخ:«ارحمي وداني يا رنيم! إنتِ بتغني ولا بتستنجدي؟»ضربتُ كتفها بخفة.«خلاص يا ستي، مش هسمعك صوتي تاني».«يا ريت. ده أنا لو كنت أعرف إن عيد ميلادك هيبقى فيه العذاب ده، كنت جبت لك هدية وسِبتك في البيت».ضحكتُ، ثم عدت إلى الصندوق.لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعت صوت مكابح حادًا خلفنا.التفتُّ بفزع، ولم أتمكن حتى من الصراخ قبل أن تهتز السيارة بقوة نتيجة اصطدام سيارة أخرى بمؤخرتها.سقط الصندوق من حجري، وتناثرت بعض الصور على أرضية السيارة.وضعت يدي على صدري، أحاول استيعاب ما حدث.أما سمية، فكانت قد نزعت حزام الأمان وفتحت الباب في اللحظة التالية.«إنتَ يا أستاذ! إنتَ سايق بعينك ولا برجلك؟!»نظرتُ خلفها، فرأيت رجلًا ينزل من سيارة سوداء و
القاهرة — 2 أبريل 2021«وما تعريفك الخاص للجنون؟»توقفتُ للحظة قبل أن أجيب. كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه لمس شيئًا عميقًا داخلي، شيئًا ظللتُ سنوات طويلة أحاول تجاهله، وأهرب منه كلما شعرتُ بأنه يقترب مني.نظرتُ إلى الصحفي الجالس أمامي، ثم إلى عشرات الوجوه التي انتظرت إجابتي باهتمام.ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وقلت:«أظن أنه من الخطأ أن نُعرّف الجنون على أنه مجرد اضطراب عقلي يصيب شخصًا مريضًا. بالنسبة إليّ، الجنون هو أن تكرر الخطأ نفسه، وأن تعود إلى كل ما تسبب في هلاكك، رغم أنك تعرف جيدًا إلى أين سيقودك الطريق».صمتُّ قليلًا، ثم أضفت:«الجنون هو أن تمنح قلبك لشخص تعرف أنه قد يحطمك، وأن تظل متمسكًا به حتى بعد أن يثبت لك أنك كنت مخطئًا. الجنون هو أن تعرف الحقيقة، ثم تختار ألا تراها لأنك تخشى الحياة من دون الشخص الذي تحبه».شعرتُ بأن الكلمات تخرج من داخلي بسهولة مخيفة، كأنني لم أكن أجيب عن سؤال صحفي، بل أعترف أمام العالم كله بجريمة ارتكبتها في حق نفسي.رفعتُ عينيَّ عن الطاولة، ونظرتُ إلى الحاضرين.«باختصار… الجنون بالنسبة إليّ هو الحب».ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتعالى همهمات الإعجاب، وتبدأ







