حين أحببتُ الجنون

حين أحببتُ الجنون

last updateLast Updated : 2026-10-20
By:  WatarUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
5Chapters
4views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كانت رنيم حسن فتاةً عادية تحلم بحياة هادئة، وزواجٍ يشبه الحكايات التي قرأتها طويلًا. وفي ليلة عيد ميلادها الثاني والعشرين، قادتها مصادفة غير متوقعة إلى الرائد مراد السيوفي، الرجل الذي استطاع بابتسامته واهتمامه أن يتسلل إلى قلبها ويجعلها تؤمن بأن الحب الحقيقي قد يكون أجمل من كل أحلامها. لكن خلف عينيه الهادئتين أسرارًا لم تكن رنيم مستعدة لمواجهتها، ومع كل خطوة تخطوها نحوه، كانت تقترب من حقيقة قد تغيّر حياتها إلى الأبد. هذه ليست حكاية حب عادية، بل حكاية امرأة اكتشفت متأخرةً أن بعض القصص تبدأ بالسعادة، وتنتهي بسؤال واحد: هل كان الحب يستحق كل هذا الألم

View More

Chapter 1

الفصل الأول: الجنون هو الحب

القاهرة — 2 أبريل 2021

«وما تعريفك الخاص للجنون؟»

توقفتُ للحظة قبل أن أجيب. كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه لمس شيئًا عميقًا داخلي، شيئًا ظللتُ سنوات طويلة أحاول تجاهله، وأهرب منه كلما شعرتُ بأنه يقترب مني.

نظرتُ إلى الصحفي الجالس أمامي، ثم إلى عشرات الوجوه التي انتظرت إجابتي باهتمام.

ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وقلت:

«أظن أنه من الخطأ أن نُعرّف الجنون على أنه مجرد اضطراب عقلي يصيب شخصًا مريضًا. بالنسبة إليّ، الجنون هو أن تكرر الخطأ نفسه، وأن تعود إلى كل ما تسبب في هلاكك، رغم أنك تعرف جيدًا إلى أين سيقودك الطريق».

صمتُّ قليلًا، ثم أضفت:

«الجنون هو أن تمنح قلبك لشخص تعرف أنه قد يحطمك، وأن تظل متمسكًا به حتى بعد أن يثبت لك أنك كنت مخطئًا. الجنون هو أن تعرف الحقيقة، ثم تختار ألا تراها لأنك تخشى الحياة من دون الشخص الذي تحبه».

شعرتُ بأن الكلمات تخرج من داخلي بسهولة مخيفة، كأنني لم أكن أجيب عن سؤال صحفي، بل أعترف أمام العالم كله بجريمة ارتكبتها في حق نفسي.

رفعتُ عينيَّ عن الطاولة، ونظرتُ إلى الحاضرين.

«باختصار… الجنون بالنسبة إليّ هو الحب».

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتعالى همهمات الإعجاب، وتبدأ بعض الحاضرات في التصفيق.

قطع ذلك صوت سمية، مديرة أعمالي وصديقتي الأقرب، وهي تتولى إنهاء المؤتمر بابتسامتها المعتادة:

«وبهذا نكون قد وصلنا إلى آخر سؤال في مؤتمرنا اليوم. نشكركم جميعًا على الحضور، ونشكر الكاتبة رنيم حسن على وقتها وعلى هذه المناقشة الجميلة».

ارتفعت أصوات التصفيق، والتقط المصورون الصور الأخيرة، بينما كنتُ أحاول الحفاظ على ابتسامتي.

كان هذا المؤتمر يُقام احتفالًا بالنجاح الكبير الذي حققته روايتي الأولى «ما تخفيه القلوب»، التي تجاوزت توقعات دار النشر، وتصدرت قوائم المبيعات خلال أشهر قليلة من صدورها.

لم أكن أتخيل يومًا أن أرى اسمي مطبوعًا على غلاف كتاب، أو أن أجلس أمام هذا العدد من القراء الذين ينتظرون كلماتي بشغف.

كنتُ أحلم بأن أصبح كاتبة، نعم، لكنني لم أتوقع أن تتحول حكاية كتبتها في لحظة ضعف إلى الرواية الأكثر مبيعًا في دار النشر.

ولم يعرف أحد أن بعض صفحاتها لم تكن من خيالي بالكامل.

كانت هناك أشياء كتبتها لأنني عشتها، وأخرى كتبتها لأنني تمنيت لو أنني امتلكت الشجاعة لأفعلها.

أما النهاية، فقد كتبتها عشرات المرات قبل أن أستقر على صورتها الأخيرة.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لم أستطع يومًا قراءة الفصل الأخير بصوت مرتفع.

بعد انتهاء المؤتمر، صافحت بعض القراء، والتقطت الصور مع مجموعة من الفتيات اللواتي أخبرنني أنهن أحببن الرواية، ثم غادرت القاعة برفقة سمية.

كانت تسير بجانبي وهي تحمل حقيبتها وهاتفي، وتردد تعليمات لا تنتهي عن مواعيد الأسبوع المقبل، ولقاء تلفزيوني، ومقابلة صحفية تأخرتُ في تأكيدها.

لم أكن أسمع شيئًا تقريبًا.

كل ما ظل يتردد في رأسي كان إجابتي الأخيرة.

الجنون بالنسبة إليّ هو الحب.

يا للسخرية!

بعد تسع سنوات من محاولات النسيان، ما زلتُ أختصر حكايتي كلها في كلمة واحدة.

الحب.

استقللنا سيارة سمية، وجلستُ بجانبها في المقعد الأمامي. وضعت رأسي على الزجاج، وأغمضت عينيَّ، متمنية أن أختفي قليلًا من العالم.

نظرت إليَّ سمية بطرف عينها.

«رنيم؟»

«همم؟»

«إنتِ كويسة؟»

فتحتُ عينيَّ ونظرت إليها.

كانت تعرفني أكثر مما ينبغي. لم تكن تحتاج إلى اعتراف مني حتى تكتشف أنني لست بخير. كانت تلاحظ ارتجافة أصابعي، وصمتي الطويل، والطريقة التي أضغط بها على شفتيَّ عندما أحاول منع نفسي من البكاء.

أومأت برأسي.

«آه، كويسة. بس تعبانة شوية».

لم تقتنع، لكنها لم تضغط عليَّ.

عادت تنظر إلى الطريق، ثم قالت بهدوء:

«المفروض تكوني مبسوطة النهارده. دي روايتك الأولى، ونجاحها كبير، والناس كلها بتتكلم عنك. مش عايزاكي تضيعي فرحتك بسبب حاجات خلصت من زمان».

ابتسمتُ بمرارة.

«هو في حاجات بتخلص فعلًا يا سمية؟»

لم تجب.

ربما لأنها لم تعرف ماذا تقول، وربما لأنها كانت تعرف الإجابة جيدًا.

بعض الحكايات لا تنتهي عندما يرحل أصحابها. بعضها يظل حيًّا داخلنا، يكبر مع كل محاولة للهروب منه، حتى يصبح جزءًا من الطريقة التي نتنفس بها.

أغمضتُ عينيَّ مرة أخرى.

وبمجرد أن فعلت، عاد كل شيء.

رائحة القهوة.

ضحكات سمية.

صوت أغنية قديمة.

وخاتم فضي صغير لم أكن أعرف يومها أنه سيظل مرتبطًا في ذاكرتي بأكثر أيام حياتي سعادة، وبأقسى أيامها على الإطلاق.

الإسكندرية — 16 فبراير 2012

في ذلك اليوم، كنتُ أظن أن الحياة لا تخبئ لي سوى المفاجآت الجميلة.

كنتُ في الثانية والعشرين من عمري، أحتفل بعيد ميلادي الأخير قبل التخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

اسمي رنيم حسن كمال محمود العيسوي، ابنة أسرة مصرية متوسطة الحال.

كان أبي، حسن كمال محمود العيسوي، مهندس بترول يعمل في إحدى الشركات الخاصة المعروفة، أما أمي، آمال السيد إبراهيم حجازي، فقد تركت عملها في المحاسبة بعد ولادتي لتتفرغ لتربيتي.

كنتُ ابنتهما الوحيدة، والمدللة التي لم يحرماها شيئًا في حدود استطاعتهما.

لم أكن أملك جمالًا خارقًا كما تصفه بطلات الروايات، لكنني كنتُ أمتلك ملامح هادئة أحبها من حولي. بشرة بيضاء، وعينان عسليتان فاتحتان، وشعر بني طويل يصل إلى منتصف ظهري، وقامة متوسطة.

أما شخصيتي، فكانت خليطًا من العناد والحساسية، مع قدر لا بأس به من الرومانسية التي حاولتُ إخفاءها خلف ادعاء العقلانية.

كنتُ أؤمن أن الحب الحقيقي سيأتي يومًا ما، وأنني سأتعرف إليه بمجرد أن أراه.

وفي تلك الليلة، حين وقفت أمام كعكة عيد ميلادي، أغمضت عينيَّ وتمنيت أمنية فتاة في الثانية والعشرين.

أن أجد الشخص الذي يحبني بصدق.

وأن أرى الفرحة في عيني أمي يوم زفافي، حين ترتدي ابنتها الفستان الأبيض الذي طالما تخيلته عليها.

لم أكن أعرف أن بعض الأمنيات قد تتحقق بطريقة مختلفة تمامًا عما نتخيله.

وقفت سمية إلى يميني، تراقبني وهي تبتسم.

كانت صديقة عمري وجارتي منذ الطفولة. عشنا في البناية نفسها، ودرسنا في المدرسة نفسها، ثم التحقت كل منا بالجامعة التي حلمت بها الأخرى.

لم نفترق إلا نادرًا.

كانت أقصر مني قليلًا، ذات عينين بنيتين وشعر أسود قصير يصل إلى أسفل رقبتها. وعلى عكس هدوئي، كانت سمية صريحة إلى حد الوقاحة أحيانًا، جريئة إلى درجة تجعلها تخوض أي شجار من دون أن تفكر مرتين.

ومع ذلك، لم أكن أعرف شخصًا أكثر وفاءً منها.

بعد أن أطفأت الشموع، بدأ الجميع يصفقون ويهنئونني، ثم حان وقت فتح الهدايا.

كانت هدية سحر، صديقتي منذ المدرسة، خاتمًا فضيًا رقيقًا أعجبني من النظرة الأولى. ارتديته فورًا، وأصررت على الاحتفاظ به طوال السهرة.

ثم وصلت إلى هدية سمية.

كان صندوقًا كبيرًا ملفوفًا بورق أزرق، تعلوه بطاقة صغيرة كُتب عليها:

إلى نصف روحي، وشريكتي في كل مصائبي القادمة.

ضحكتُ قبل أن أفتح الصندوق.

لكن ضحكتي اختفت سريعًا حين رأيت ما بداخله.

كانت هناك صور قديمة، ورسائل مدرسية، وربطات شعر كنت أرتديها في طفولتي، وشهادات تقدير من المدرسة، وأوراق صغيرة كتبت عليها أحلامنا الساذجة عندما كنا في الثانية عشرة.

وجدت صورة لي وأنا أحاول ركوب دراجة أبي للمرة الأولى، وأخرى لنا بزي المدرسة، وثالثة التُقطت قبل أربعة أيام فقط.

كان الصندوق يحمل سنوات كاملة من صداقتنا.

رفعت رأسي نحوها، وقد امتلأت عيناي بالدموع.

«إنتِ عملتِ كل ده إمتى؟»

رفعت كتفيها بفخر.

«قعدت تلات أسابيع أجمع في الحاجات دي. وطبعًا، لازم تشكريني كويس، لأن الهدية دي محتاجة مجهود نفسي وعصبي».

ضحكتُ وأنا أحتضنها.

«بصراحة، تستاهلي أشكرك العمر كله. دي أحلى هدية جاتلي في حياتي».

لم أكن أعرف أنني سأعود يومًا إلى ذلك الصندوق، بحثًا عن إجابة لسؤال لم يخطر ببالي في تلك الليلة.

ولا أن ذكرى واحدة داخله ستصبح الدليل الوحيد على أنني لم أكن أتخيل كل شيء.

في ذلك المساء، كنتُ سعيدة.

سعيدة لدرجة أنني لم ألاحظ الرجل الذي وقف خارج المقهى لدقائق، يراقبني من خلف الزجاج.

ولم أكن أعرف أن لقاءً عابرًا بعد ساعات قليلة سيغير حياتي إلى الأبد

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
5 Chapters
الفصل الأول: الجنون هو الحب
القاهرة — 2 أبريل 2021«وما تعريفك الخاص للجنون؟»توقفتُ للحظة قبل أن أجيب. كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه لمس شيئًا عميقًا داخلي، شيئًا ظللتُ سنوات طويلة أحاول تجاهله، وأهرب منه كلما شعرتُ بأنه يقترب مني.نظرتُ إلى الصحفي الجالس أمامي، ثم إلى عشرات الوجوه التي انتظرت إجابتي باهتمام.ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وقلت:«أظن أنه من الخطأ أن نُعرّف الجنون على أنه مجرد اضطراب عقلي يصيب شخصًا مريضًا. بالنسبة إليّ، الجنون هو أن تكرر الخطأ نفسه، وأن تعود إلى كل ما تسبب في هلاكك، رغم أنك تعرف جيدًا إلى أين سيقودك الطريق».صمتُّ قليلًا، ثم أضفت:«الجنون هو أن تمنح قلبك لشخص تعرف أنه قد يحطمك، وأن تظل متمسكًا به حتى بعد أن يثبت لك أنك كنت مخطئًا. الجنون هو أن تعرف الحقيقة، ثم تختار ألا تراها لأنك تخشى الحياة من دون الشخص الذي تحبه».شعرتُ بأن الكلمات تخرج من داخلي بسهولة مخيفة، كأنني لم أكن أجيب عن سؤال صحفي، بل أعترف أمام العالم كله بجريمة ارتكبتها في حق نفسي.رفعتُ عينيَّ عن الطاولة، ونظرتُ إلى الحاضرين.«باختصار… الجنون بالنسبة إليّ هو الحب».ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتعالى همهمات الإعجاب، وتبدأ
last updateLast Updated : 2026-10-20
Read more
الفصل الثاني: الرائد مراد السيوفي
انتهت حفلة عيد ميلادي بعد العاشرة مساءً بقليل.ودعنا أصدقاءنا، ثم خرجت برفقة سمية إلى سيارتها. كنتُ مرهقة من الضحك والكلام، لكنني كنتُ سعيدة. وضعت صندوق الذكريات على حجري، وبدأت أتأمل الصور من جديد بينما أدارت سمية المحرك.انطلقت السيارة في شوارع الإسكندرية، وكانت أغنية عمرو دياب «العالم الله» تملأ المكان.غنيتُ معها بصوت خافت، فضربت سمية عجلة القيادة بيدها وهي تصرخ:«ارحمي وداني يا رنيم! إنتِ بتغني ولا بتستنجدي؟»ضربتُ كتفها بخفة.«خلاص يا ستي، مش هسمعك صوتي تاني».«يا ريت. ده أنا لو كنت أعرف إن عيد ميلادك هيبقى فيه العذاب ده، كنت جبت لك هدية وسِبتك في البيت».ضحكتُ، ثم عدت إلى الصندوق.لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعت صوت مكابح حادًا خلفنا.التفتُّ بفزع، ولم أتمكن حتى من الصراخ قبل أن تهتز السيارة بقوة نتيجة اصطدام سيارة أخرى بمؤخرتها.سقط الصندوق من حجري، وتناثرت بعض الصور على أرضية السيارة.وضعت يدي على صدري، أحاول استيعاب ما حدث.أما سمية، فكانت قد نزعت حزام الأمان وفتحت الباب في اللحظة التالية.«إنتَ يا أستاذ! إنتَ سايق بعينك ولا برجلك؟!»نظرتُ خلفها، فرأيت رجلًا ينزل من سيارة سوداء و
last updateLast Updated : 2026-10-20
Read more
الفصل الثالث:صدفة أخرى
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على صوت هاتفي الذي لم يتوقف عن الرنين.مددت يدي إلى الطاولة المجاورة للسرير، والتقطته بعينين نصف مغمضتين.كانت سمية.«إيه يا بنتي؟ الساعة كام؟»«الساعة تسعة ونص».«طيب، خير؟ حصل إيه؟»«قومي البسي وتعالي لي».فتحتُ عينيَّ بالكامل.«ليه؟»«علشان هننزل نفطر، وبعدها عندي مفاجأة ليكِ».تنهدتُ.«سمية، أنا لسه صاحية. وبعدين إنتِ عارفة إن عندي مشروع تخرج لازم أخلصه».«مشروع التخرج مش هيطير. عشر دقايق وهكون تحت البيت».ثم أغلقت الخط قبل أن أمنحها فرصة لسماع اعتراضي.رميتُ الهاتف على السرير، وجلست وأنا أتمتم بكلمات غير مفهومة.كانت سمية تمتلك موهبة غريبة في تحويل أي يوم عادي إلى سلسلة من الأحداث التي لا تنتهي.وبعد نصف ساعة، كنتُ أجلس معها في أحد المقاهي القريبة من البحر.طلبت سمية إفطارًا يكفي أربعة أشخاص، بينما اكتفيتُ بكوب قهوة وقطعة خبز محمص.نظرت إليَّ باستنكار.«ده فطار؟»«آه».«يا رنيم، إنتِ بتاكلي زي العصافير. وبعدين بتشتكي إنك بتدوخي».ابتسمتُ.«خلينا في المفاجأة بتاعتك».وضعت الشوكة على الطبق، ثم اقتربت مني.«أنا اكتشفت إن الرائد مراد السيوفي عنده حساب ع
last updateLast Updated : 2026-10-20
Read more
الفصل الرابع:الرجل الذي يبتسم بعينيه
لم يحدث شيء استثنائي خلال الأسابيع التالية.على الأقل، لم يحدث شيء يمكنني وصفه بأنه بداية قصة حب.كانت لقاءاتنا قصيرة ومتباعدة، ومعظمها مصادفات في الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها. أحيانًا كنت أراه بالقرب من الجامعة، وأحيانًا أخرى في أحد المقاهي أو المكتبات.ومع كل لقاء، كان يصبح أقل رسمية وأكثر قربًا.عرفت أنه في التاسعة والعشرين من عمره، وأنه يعمل في الشرطة منذ عدة سنوات. لم يكن كثير الكلام عن عمله، لكنه كان يتحدث عن المسؤولية التي يشعر بها تجاه أسرته، وعن أمه التي يقلق عليها باستمرار.كان يحب القهوة السادة، ويكره التأخر عن المواعيد، ويستمع إلى الموسيقى القديمة عندما يقود سيارته.أما أنا، فقد اكتشف أنني أكره البامية، وأخاف من الكلاب الكبيرة، وأحب الروايات الرومانسية رغم ادعائي الدائم بأنني أفضّل الكتب السياسية والاقتصادية.وفي كل مرة كنت أكتشف فيها شيئًا جديدًا عنه، كنت أشعر بأن المسافة بيننا تقل.لكن أكثر ما جذبني إليه لم يكن شكله، ولا طريقته المهذبة في الكلام.كان اهتمامه بالتفاصيل.يتذكر ما أقوله، حتى الأشياء التي أنساها أنا نفسي. يسأل عن امتحاناتي، ويتذكر موعد تسليم مشروع التخرج،
last updateLast Updated : 2026-10-20
Read more
الفصل الخامس :أول اعتراف
بعد لقائنا الأول، أصبحت مكالمات مراد جزءًا من يومي.لم يكن يتصل في أوقات ثابتة، لكنه كان يجد دائمًا دقيقة يسألني فيها عن يومي، أو يخبرني فيها بشيء بسيط حدث معه.وأنا، التي كنت أزعم أنني لا أنتظر اتصالات أحد، بدأت أترك هاتفي بجانبي طوال الوقت.كنتُ أضحك عندما تظهر رسالته، وأحاول إخفاء ابتسامتي عن أمي، وأجد لنفسي أعذارًا غير مقنعة كلما سألتني سمية عن سبب شرودي.لكن سمية لم تكن من النوع الذي يقتنع بالأعذار.في إحدى الأمسيات، جاءت إلى منزلي وجلست على سريري بينما كنت أختار ملابسي.راقبتني وأنا أبدل بين قميصين، ثم قالت:«إنتِ رايحة تقابلي رئيس الجمهورية؟»نظرت إليها من خلال المرآة.«لا، رايحة أقابل مراد».«أهو ده اللي أنا بقوله. هو إنتِ بتختاري لبسك لمقابلة ضابط، ولا رايحة تقدمي على وظيفة؟»ألقيت عليها وسادة.«اسكتي بقى!»ضحكت وهي تلتقطها.«طب قولي لي، هو قال لك إنه بيحبك؟»توقفت يدي فوق علاقة الملابس.«لأ».«وإنتِ قلتي له؟»«طبعًا لأ!»رفعت حاجبيها.«طب إيه اللي إنتِ بتعمليه ده كله؟»لم أجب.لم أكن أعرف كيف أشرح لها أنني بدأت أشعر بشيء يتجاوز الإعجاب، لكنني كنت أخاف من تسميته.كانت كلمة ال
last updateLast Updated : 2026-10-20
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status