Share

الفصل 3

Author: كركي الصقيع
لسعت الدموع عينيّ، وكدت أبكي في تلك اللحظة.

تحمّلت انحيازه إلى نوال مرة بعد أخرى، لكنني لم أتوقع أن يهينني إلى هذا الحد.

مرّ ضيق عابر على وجه ياسين، لكنه لم يبدُ مستعدًا لسحب يده الممدودة.

حتى شمس، الجالس إلى جواره، شعر بأن الأمر لم يعد طبيعيًا.

"وما قيمة سوار؟ يا نوال، سأشتري لكِ اثنين غيره."

لكن نوال عقدت ملامحها وقالت ببرود:

"ألم نتفق قبل أن نجلس إلى الطاولة؟ من لا يستطيع تحمّل الخسارة، فبوسعه ألا يشارك من الأساس."

ضحك ياسين بسخرية.

"يا تالا، طلبت منكِ قبل قليل أن تعودي إلى المنزل، لكنكِ أنتِ من أصرتِ على اللعب."

"بسرعة، هاتي السوار."

ارتجفت يدي قليلًا، رغمًا عني.

نزعت السوار، وأنا أحبس دموعي، ثم قدمته إليه.

لم ينظر ياسين إليه حتى، بل رماه مباشرة إلى نوال.

تفحّصته تحت الضوء للحظات، ثم لوَت فمها وقالت:

"لا يبدو مميزًا إلى هذا الحد."

وألقته بلا اكتراث فوق الطاولة. وفي اللحظة نفسها، اصطدم أحدهم بالطاولة، فانقلب كأس وسال النبيذ الأحمر كله فوق السوار.

قبضت يدي دون وعي، وشعرت كأن صخرة ثقيلة استقرت فوق صدري.

عادت نوال تحثّهم بدلال:

"هيا، تابعوا اللعب. لماذا تقفون هكذا؟"

في الجولة الثالثة، حصلتُ على سبع نقاط، لا مرتفعة ولا منخفضة.

حصلت نوال على تسع نقاط، أما ياسين فجاءت نتيجته نقطتين فقط، واحدة وواحدة، فكان في ذيل الجولة.

ضحكت نوال وقالت: "يا زوجي، يبدو أن حظك ليس في صفك الليلة."

لم يعرها ياسين اهتمامًا، ومدّ يده إلى كأس الخسارة بصمت. لكن نوال سبقته، فأخذت الكأس من يده واحتست ما فيه بدلًا عنه، ثم رمشت بعينيها وقالت:

"حسنًا، فنحن واحد الليلة، أليس كذلك؟"

ومع ضحكات الآخرين وهتافهم، بدأت مشاعري تتبلد شيئًا فشيئًا.

وفي الجولات التالية، ظللت أقف على حافة الخسارة.

كأسًا بعد كأس، ابتلعت الشراب، وخسرت معظم ما كنت أرتديه من حليّ.

حتى حقيبة اليد الجديدة من شانيل التي حملتها معي ذلك اليوم، انتهى بها الأمر في يد نوال.

بدأت حمرة خفيفة تعلو وجنتيّ، وغدا بصري مشوشًا بعض الشيء.

حتى يدي التي تمسك كأس النرد أخذت ترتجف ارتجافًا يكاد لا يُلحظ.

وفي نظر الآخرين، كانت تلك علامات واضحة على أن الشراب بدأ يؤثر فيّ.

في الجولة التالية، قرر شمس، الذي يدير اللعب، تغيير القواعد: "مقارنة الأرقام صارت مملة. في هذه الجولة سنراهن على النتيجة! من يظن أنه سيحصل على ثماني نقاط فأكثر، فليدخل الرهان وليضاعفه. وعليكم أيضًا رفع قيمة الرهانات. فقد مللنا اللعب على أشياء تافهة."

أعلنت نوال على الفور: "أنا داخلة! سأراهن بمتجر الأزياء الراقية الذي أملكه في الجهة الغربية من المدينة."

كانت تملك استثمارات كثيرة، وكان ذلك المتجر من بين أكثرها قيمةً.

تعالت أصوات الدهشة. فقد بدأت الرهانات ترتفع.

نظر ياسين إليّ، ثم قال بفتور: "وأنا أيضًا. سأراهن بيختي يلا."

كانت قيمة اليخت تبلغ عدة ملايين، والأهم أنه حمل اسمًا مؤلفًا من اسمينا نحن الاثنين.

وانتقلت الضغوط إليّ.

راح الجميع ينظرون في اتجاهي.

وأخيرًا، لم يستطع ياسين أن يصمت فقال: "يا تالا، يكفي. يمكنكِ العودة إلى المنزل الآن."

سخرت نوال فورًا: "يا ياسين، من لا يحتمل الخسارة فالأجدر به ألا يلعب. وربما يكون الحظ إلى جانب تالا الآن."

كأن كلماتها استفزتني، فرفعت بصري إليها فجأة.

"أنا داخلة! سأراهن...بشقتي في خليج اللؤلؤ."

ما إن خرجت الكلمات من فمي حتى تجمّد ياسين نفسه.

كانت تلك الشقة من أهم ما تركاه لي والداي. موقعها ممتاز، وقيمتها السوقية تفوق بكثير قيمة متجر نوال.

عادت كؤوس النرد إلى الدوران.

كشفت نوال كأسها أولًا: تسع نقاط.

رفعت حاجبها باعتداد.

أما ياسين، فحصل على سبع نقاط.

أخذت نفسًا عميقًا، وكانت يدي التي تمسك كأس النرد ترتجف قليلًا.

وحين كُشف الغطاء، ظهرت ثلاث وخمس، ثماني نقاط.

خسرت. بفارق نقطة واحدة فقط.

استندت إلى الأريكة، وقد خارت قواي قليلًا، بينما دوّى هتاف نوال قرب أذني.

مالت نحوي وهمست بصوت لا يسمعه سوانا:

"كيف تجدين طعم الخسارة؟ كل ما لديكِ، أريده أنا."

رفعت رأسي. كانت وجنتاي محمرتين من أثر الشراب، لكن عينيّ ظلّتا لامعتين.

"جولة أخرى."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خطيبي يتزوج صديقته المقرّبة، فأفلسهما بالنرد   الفصل 9

    كانت آخر مرة أراهما فيها في حفل عشاء خيري.وكان ذلك أول ظهور علني لي أمام الناس منذ تلك الليلة في الملهى.وما إن دخلت القاعة حتى تجمعت الأنظار عليّ في الحال.تعاطف، وفضول، وترقب، بل وهيبة أيضًا.تقبلت كل تلك النظرات بهدوء، وظهري مستقيم.شقّ ياسين طريقه عبر الحشد، وكاد يصل إليّ راكضًا.بدا أكثر هزالًا، وكانت عيناه مثقلتين بالإرهاق ومحمرتين من السهر."يا تالا...لنتحدث، أرجوكِ. أعرف أنني أخطأت، أعرف ذلك حقًا...وقّعت أنا ونوال اتفاق الطلاق. ما حدث تلك الليلة لم يكن سوى مزحة طائشة..."نظرت إليه بصمت، كما لو كنت أنظر إلى عابر سبيل لا أعرفه."أظن أننا أوضحنا الأمر من قبل بما يكفي.""ثم إن طلاقك من الآنسة نوال، أو عدمه، ليس أمرًا يلزمك إبلاغي به."شحب وجهه كأن الدم انسحب منه، وارتجفت شفتاه من دون أن يخرج منهما صوت.وفي تلك اللحظة، اندفعت نوال من إحدى الزوايا.كانت ترتدي فستان سهرة من موسم سابق، وقد اختلّ مكياجها قليلًا. ارتسم الحقد على وجهها، فأشارت إليّ وهي تصرخ:"يا تالا! لا تغتري بنفسك! ما أخذته منا بأساليبك الحقيرة لن تتركه عائلتي يمر من دون حساب!"حوّلت نظري إليها بشفقة باردة، امتزجت بشيء

  • خطيبي يتزوج صديقته المقرّبة، فأفلسهما بالنرد   الفصل 8

    شحب وجه ياسين، وحرّك شفتيه من دون أن يجد ما يقوله."في كل مرة نسيتَ فيها وعودنا من أجلها، وتركتني جانبًا، وسمحت لها بأن تستفزني وتدوس على مشاعري، كنت في كامل وعيك.""وحين سمحت لها بالجلوس في حجرك، وطوّقت خصرها، وقلت إنّها زوجتك الليلة، كنت في كامل وعيك أيضًا.""وحين ساعدتها على إرغامي على خلع السوار الذي تركته لي جدتي، وشاهدت النبيذ الأحمر يلطخه أمام عينيك، كنت أوعى من أي وقت مضى."لم يكن صوتي مرتفعًا، لكنه خفض رأسه فجأة، وغرس يديه في شعره، وأطلق أنينًا كأنين حيوان محاصر."كفى...يا تالا، أرجوكِ، لا تقولي المزيد..."كان كتفاه يهتزان بعنف، وكأنه على وشك البكاء."أنا حقير...أنا أسوأ رجل على وجه الأرض...لم أكن أعرف...لم أكن أعرف أنني جعلتكِ تعانين كل هذا...""بل كنت تعرف.""كنت تظن فقط أنني سأبقى هناك دائمًا، وأنني سأغفر لك دائمًا، وأنني...شخص لا يُعتدّ به."مدّ يده محاولًا الإمساك بيدي، لكنني أفلتُّها منه."ليس الأمر كذلك...يا تالا، ليس كذلك...أنا أحبكِ...أحبكِ حقًا...أنا فقط...اعتدت وجودها، وظننت أن ما بيننا لا يتجاوز صداقة الرفاق، أنا..."نظرت إلى انهياره أمامي، ثم هززت رأسي ببطء.لقد ف

  • خطيبي يتزوج صديقته المقرّبة، فأفلسهما بالنرد   الفصل 7

    ظل ياسين يبحث عني أيامًا متتالية.وحين أدرك أن اتصالاته ورسائله لا تجدي نفعًا، بدأ يمكث ليلًا ونهارًا عند مدخل بناية شقتي.ومن خلال شاشة المراقبة الواضحة المتصلة بنظام الدخول، كنت أراه واقفًا في الهواء البارد.كان شعره، الذي اعتاد أن يكون مرتبًا بعناية، مبعثرًا بعض الشيء، وبدلته الباهظة مجعدة.حاول أكثر من مرة أن يقتحم المبنى، لكن أفراد الأمن في الأسفل أخرجوه في كل مرة.إلى أن اتصل بي مدير البناية، وقد بدا عليه الحرج:"الآنسة تالا...إنه يرفض المغادرة، ولم نعد نعرف ماذا نفعل."تنهدت.وفي النهاية، وافقت على لقائه مرة واحدة.كان عليّ أن أضع، بيدي، نهاية لهذه المهزلة.ضممت معطفي حولي، ثم قابلت ياسين في بهو البناية.لم تمضِ سوى أيام قليلة، لكنه بدا هزيلًا على نحو لافت. كانت الهالات الداكنة تحت عينيه واضحة، ونبتت على ذقنه لحية خفيفة مزرقة.وما إن رآني حتى أضاءت عيناه، وكاد يندفع نحوي بلا وعي."تالا...لقد وافقتِ أخيرًا على رؤيتي."تراجعت خطوة، فأوقفته عن الاقتراب مني، ثم سرت بهدوء إلى المقعد المقابل وجلست."السيد ياسين، تفضل بالجلوس. وقتي محدود."أربكه ندائي الرسمي للحظة. تجمّد في مكانه برهة،

  • خطيبي يتزوج صديقته المقرّبة، فأفلسهما بالنرد   الفصل 6

    بدأت أضواء المدينة تتلألأ خلف النافذة.شددتُ شال الكشمير حول كتفيّ، وأخذت أتأمل المشهد الليلي الممتد تحت قدميّ.كنت قد أعدت تصميم هذه الشقة من أجل ياسين وحده، لأنه كان يحب تلك النوافذ الزجاجية الضخمة الممتدة من الأرض إلى السقف.كنت أريد حقًا أن أقضي حياتي معه.لكن عبثًا.وصلتني من خلفي همسات المحامين والمساعدين، يتخللها حفيف الأوراق.وبعد برهة، تقدموا نحوي."الآنسة تالا، أُنجزت الإجراءات الأولية لنقل ملكية اليخت يلا، والعقارات التجارية الثلاثة في الجهة الشرقية من المدينة، وخمسة في المئة من الأسهم المتداولة في مجموعة الفارسي. ويجري حاليًا جرد أصول الآنسة نوال تمهيدًا لاستلامها، ومن المتوقع استكمال الإجراءات كافة بعد ظهر اليوم."همهمت بخفة، من دون أن أستدير.ذلك اليخت الذي حمل يومًا معنى حلوًا، وتلك الحلي التي أخذتها نوال كما لو كانت غنائم حرب، وكل ما استندا إليه في غرورهما... تحوّل كل ذلك الآن إلى أوراقٍ موضوعةٍ على طاولتي.لكنني لم أشعر بالراحة التي توقعتها.كنت متعبة فحسب.ظل هاتفي يهتز بلا توقف فوق الطاولة.كان اسم ياسين يومض بجنون على الشاشة، ثم اسم نوال، ثم أسماء أولئك الأصدقاء الذ

  • خطيبي يتزوج صديقته المقرّبة، فأفلسهما بالنرد   الفصل 5

    لم يكن تحت كأس النرد حجران، بل ثلاثة أحجار.كان هناك حجران يحمل كلّ منهما ست نقاط حمراء، تمامًا كالنتيجة الكاملة التي حصل عليها ياسين قبل قليل.لكن كان ثمة حجر ثالث أيضًا، يحمل نقطة حمراء واحدة.قبل قليل، هزموني بتلك النقطة الواحدة بسهولة.والآن، أردها إليهما بالنقطة ذاتها.ثلاثة أحجار نرد، مجموعها ثلاث عشرة نقطة."ثلاثة...ثلاثة أحجار؟"كان شمس أول من صرخ، وقد كادت عيناه تخرجان من محجريهما."كيف...كيف صار في كأس النرد ثلاثة أحجار؟"ابتسمت بسخرية.إذا أتقنت الحركة، وأحكمت توزيع القوة، استطعت بسهولة أن أشطر أحد أحجار النرد إلى نصفين، فيصبح المجموع ثلاث عشرة نقطة كما هو الآن.كانت عيناي في غاية الصفاء، وعلى الرغم من احمرار وجنتيّ بفعل الشراب، لم يعد في حركاتي ما يوحي بأنني ثملة."ثلاث عشرة نقطة. من يدخل الرهان، عليه أن يقبل بنتيجته.""لقد خسرتم."منذ أن جلست إلى هذه الطاولة، لم أفكر لحظة في التراجع.منحت ياسين فرصًا كثيرة، لكنه في كل مرة اختار تلك "الصديقة المقرّبة"، وتركني خلفه.والآن، بعدما سجل زواجه منها علنًا وتركها تهينني كما تشاء، كان عليه أن يواجه عاقبة ما اختاره بنفسه.إنها مجرد ل

  • خطيبي يتزوج صديقته المقرّبة، فأفلسهما بالنرد   الفصل 4

    ما إن بدأت الرهانات تتصاعد، حتى أصبح من الصعب إيقافها.وفي الجولات التالية، تحولت الرهانات سريعًا إلى أصول أكثر قيمة.تارةً أخسر بعض الحلي غير المهمة أو استثمارات صغيرة، وتارةً أفوز ببعضها من جديد بمحض الحظ.كنت أتصرف كقامرةٍ انجرفت تدريجيًا وراء حمى اللعب. يشحب وجهي عند الخسارة، وأعجز عن كتمان حماسي عند الفوز.جعلني أثر الشراب وإثارة الرهان أبدو وكأنني أفقد السيطرة على نفسي.حاول ياسين التدخل لإيقافي عدة مرات، لكن الآخرين كانوا يصدّونه في كل مرة.وكلما مرّ الوقت، ازداد عقد حاجبيه.ابتسمت في داخلي بسخرية مريرة.لعل ياسين كان لا يزال يظن أنني أتصرف بطيش لا أكثر، وينتظر أن أعود إليه في النهاية، كما كنت أفعل دائمًا، لأطلب مساعدته.وبدا أن لعبة النرد تحولت إلى ساحة معركة مصغّرة.وحين انتزعتُ من نوال إحدى شركاتها الإعلامية بفارقٍ ضئيل، لم تعد قادرةً على التزام الصمت."يا تالا، يبدو أن حظكِ جيد! هل تجرئين على رهان أكبر؟"رفعت كأس الشراب إلى فمي، وأفرغت ما تبقى فيه دفعة واحدة.أحرق الكحول حلقي، ومحا من وجهي آخر ذرة من التردد."ولمَ لا أجرؤ؟ قولي، كيف سنلعب؟"همّ ياسين بالكلام، لكن نوال وضعت ي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status