LOGINالوطن – المنزل القديم – بعد شهر من خروج حلى من المستشفى كان الصباح هادئاً، والشمس تتسلل من النوافذ لتلقي بظلالها الذهبية على الأرضيات الخشبية، ورائحة القهوة الطازجة تملأ أرجاء المنزل. كانت حلى تجلس على الأريكة في غرفة المعيشة، مغطاة ببطانية دافئة، وتقرأ كتاباً، بينما كان علي يجلس بجانبها، يقلب صفحات جريدته الصباحية. كانت الحياة عادت إلى طبيعتها بعد العملية، وحلى كانت تتعافى ببطء، لكنها كانت أقوى كل يوم. رن هاتف علي. نظر إلى الشاشة، فرأى رقماً لا يعرفه. تردد للحظة، ثم رد. صوت من الطرف الآخر، امرأة، بلكنة عربية فصحى: «أهلاً وسهلاً. هل أنا أتحدث مع السيد علي الفهد؟» علي: «نعم. من المتحدث؟» الصوت: «أنا ناديا عبد الرحمن. من دار النشر "أقلام" في بيروت. لقد علمنا بأنك كتبت مذكراتك، ونحن مهتمون بنشرها. هل يمكننا التحدث عن ذلك؟» شعر علي بصدمة خفيفة. لم يكن قد أخبر أحداً عن مذكراته، باستثناء حلى. كيف عرفت دار النشر بوجودها؟ علي: «آسفة، لكنني لا أعرف كيف وصلت إليكِ هذه المعلومات. مذكراتي ليست مكتملة بعد، ولم أعرضها على أي ناشر.» ناديا: «لدي مصادر في الأوساط الأدبية. سمعت أنك كتبت مذكرات
الوطن – المنزل القديم – بعد ثلاثة أشهر من عيد ميلاد علي كانت حلى تستيقظ كل صباح بنفس الروتين. كانت تعد الإفطار، وتتحدث مع علي، وتذهب إلى المستشفى للاطمئنان على الأطفال الذين كانت ترعاهم، ثم تعود إلى المنزل لتقرأ أو تخيط. كانت حياتها هادئة، مستقرة، مليئة بالسلام. لكن في الآونة الأخيرة، كانت تشعر بتعب غير عادي. كان جسدها يثقل عليها، وتشعر بدوار خفيف بين الحين والآخر، وكانت تنام أكثر من المعتاد. ظنت أنه مجرد إرهاق، أو تغيرات في السن، أو نتيجة للضغوط التي مرت بها في السنوات الماضية. لكن التعب لم يختفِ، بل ازداد. في أحد الأيام، بينما كانت تقف في المطبخ تحضر الشاي، شعرت بدوار مفاجئ، وكادت أن تسقط. أمسكت بالطاولة لثبت نفسها، لكن رجليها خانتاها. سمعت صوت سقوطها، ثم سمعت صوت علي وهو يركض نحوها. علي: «حلى! حلى! ما بكِ؟ استيقظي!» فتحت حلى عينيها ببطء، ورأت وجه علي الشاحب، وعينيه المذعورتين. كانت مستلقية على الأرض، ويداها ترتجفان، وجسدها يؤلمها. حاولت الابتسام، لكن الابتسامة لم تخرج. حلى بصوت ضعيف: «لا تخف... أنا بخير. مجرد إرهاق.» علي: «لن أترككِ هكذا. سأتصل بالإسعاف. لا تجادلي.» اتصل علي
الوطن – مقر شركة "أوريزون للطاقة المتجددة" – بعد شهر من عيد ميلاد علي كان المكتب الجديد في الطابق الثالث من مبنى حديث في وسط المدينة، يطل على شارع رئيسي مزدحم بالسيارات والمشاة. كانت الجدران بيضاء، والأثاث حديث، واللوحات الزيتية على الجدران تعكس مناظر طبيعية هادئة. كان آدم جالساً على كرسيه الدوار خلف مكتبه، أمامه كومة من الأوراق والعقود التي كان يوقعها واحداً تلو الآخر. كانت عيناه تتحركان بسرعة بين السطور، وابتسامة عريضة لا تفارق وجهه. كان قد أنهى لتوه اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين، ووقع عقداً ضخماً لتزويد عدة مباني حكومية بالطاقة المتجددة. كان العقد يمثل نقلة نوعية في مسيرة شركته، وكان سيوفر له دخلاً ثابتاً لسنوات قادمة، وسيفتح له أبواباً جديدة في السوق المحلية. دخل حسن إلى المكتب، وكان يحمل كوبين من القهوة. كان يرتدي قميصاً أبيض بأكمام مرفوعة، وربطة عنق زرقاء، ووجهه يعكس تعباً ممزوجاً بالفرح. حسن: «آدم، لقد فعلناها. العقد الحكومي الأول. هذا هو الحلم الذي كنا نعمل من أجله منذ سنوات. لا أصدق أننا وصلنا إلى هنا.» آدم: «أنا أيضاً لا أصدق. لكننا هنا. هذا هو تتويج لكل ما عملنا من أجله.
الوطن – المنزل القديم – مساء يوم الجمعة – عيد ميلاد علي الخامس والستين كانت السماء صافية، والشمس قد بدأت تغرب خلف جبال المدينة، تاركة خلفها ألواناً برتقالية وحمراء تلونت بها السماء وانعكست على نوافذ المنزل القديم. كانت الحديقة الخلفية قد تحولت إلى مكان ساحر؛ أضواء صغيرة معلقة على أغصان الأشجار، وطاولات بيضاء مزينة بالورود، وكراسي مرتبة في صفوف، وموسيقى هادئة تنساب من مكبرات الصوت المخفية بين الزهور. كان علي يقف عند مدخل الحديقة، يرتدي بدلة زرقاء أنيقة، وربطة عنق فضية، وشعره الرمادي مصفف بعناية. كان يبتسم ابتسامة عريضة، وعيناه تلمعان بفرح لم يشعر به منذ سنوات. كان هذا هو عيد ميلاده الخامس والستون، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحتفل فيها بعيد ميلاده مع عائلته منذ أكثر من عقدين. كانت حلى إلى جانبه، ترتدي فستاناً أسود أنيقاً، وشعرها الأسود الممزوج بالشيب منسدلاً على كتفيها، ويدها في يده، ووجهها يلمع بفخر وسعادة. كان الضيوف يتوافدون واحداً تلو الآخر. أول من وصل كان آدم ومريم. كانت مريم في الشهر السادس من حملها، وبطنها قد كبر بشكل ملحوظ، وكانت ترتدي فستاناً فضفاضاً باللون البيج، وابتسا
الوطن – المنزل القديم – بعد أسبوع من زيارة حلى وليلى لقبر والدتها كان الصباح مشمساً ودافئاً، والنسيم الخفيف يحمل رائحة الزهور من الحديقة الخلفية، وأشعة الشمس تتسلل من النوافذ لتلقي بظلالها الذهبية على الأرضيات الخشبية. كان علي جالساً في غرفة المعيشة، يقرأ جريدته الصباحية كعادته، ويحتسي فنجاناً من القهوة السادة. كانت الحياة هادئة، مستقرة، وكأن السنوات المضطربة لم تكن سوى كابوس بعيد. لكن ذلك الصباح كان مختلفاً. كان هناك طرق على الباب، ووقف علي ليفتحه، ليجد رجلاً يرتدي بدلة رسمية، ويحمل مظروفاً كبيراً مختوماً بختم رسمي. كان الرجل يحمل هوية موظف حكومي، ووجهه يعكس جدية المهمة. الموظف: «السيد علي الفهد؟» علي: «نعم. من أنت؟» الموظف: «أنا من ديوان رئاسة الجمهورية. لدي مراسلة رسمية موجهة إليك. يرجى التوقيع على استلامها.» شعر علي بقلبه يخفق بسرعة. لم يكن يتوقع أي مراسلات رسمية، خاصة من ديوان الرئاسة. وقع على ورقة الاستلام، وأخذ المظروف، وأغلق الباب. وقف في منتصف الردهة، ينظر إلى المظروف بين يديه، وكأنه يحمل شيئاً ثقيلاً. كان يعلم أن هذه المراسلة قد تغير كل شيء. فتح المظروف ببطء، وأخرج ال
الوطن – منطقة "الجبل الأخضر" – بعد ثلاثة أيام من عودة آدم من لندن كانت الشمس قد بدأت ترتفع فوق قمم الجبال، تاركة خلفها خيوطاً ذهبية تنساب بين أغصان الأشجار العتيقة. كان الجو بارداً، والنسيم يحمل رائحة التراب والزهور البرية، وأصوات العصافير تملأ المكان بهدوء. كانت حلى تجلس في المقعد الخلفي من السيارة، وعيناها مثبتتان على الطريق المتعرج الذي كان يقودها إلى مكان لم تزره منذ أكثر من ثلاثين عاماً: قرية "الجبل الأخضر"، مسقط رأس والدتها. إلى جانبها، كانت ليلى جالسة، تمسك يدها، وتشعر بتوترها وارتباكها. لم تكن تعرف الكثير عن تاريخ عائلتها من جهة والدتها، لأن حلى كانت نادراً ما تتحدث عن طفولتها. لكنها كانت تعلم أن هذه الرحلة مهمة، وأن والدتها كانت بحاجة إلى القيام بها. ليلى: «ماما، هل أنتِ بخير؟ تبدين متوترة.» حلى: «أنا بخير يا حبيبتي. فقط... لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة زرت فيها هذا المكان. كنت صغيرة عندما تركتُه. لا أتذكر الكثير، لكنني أتذكر والدتي. كانت جميلة، وكانت تحب الزهور. كانت تزرعها في حديقتنا الصغيرة، وتغني لنا بينما تعتني بها.» ليلى: «أريد أن أعرف عنها. لم تخبريني كثيراً عن جدت
لندن – مقهى "ذا رويال" في حي مايفير – بعد أسبوع من بداية آدم بكتابة بحثه كان المقهى يقع في زاوية هادئة من حي مايفير الراقي، بعيداً عن صخب الشوارع الرئيسية. كان المكان يفيض بالأناقة: أرضيات رخامية، وكراسي جلدية فخمة، ورائحة القهوة الإيطالية الفاخرة التي كانت تملأ الجو. كان آدم جالساً على طاولة صغير
براغ – شقة رفيق – بعد يومين من اعتقال هانز كانت الغرفة مظلمة، لا يضيئها سوى شاشات الحاسوب الخمس التي كانت تغطي الجدار بالكامل. كان رفيق يجلس أمامها، وعيناه محمرتان من السهر، وأصابعه لا تتوقف عن الضرب على لوحة المفاتيح. كان يتابع تدفق الأخبار لحظة بلحظة، ويوزع الملفات على عناوين بريدية جديدة كل سا
كوسكو – منزل حلى – بعد ثلاثة أيام من بدء ديمتري بكتابة مقاله كانت حلى جالسة على أريكتها القديمة أمام ماكينة الخياطة، تنهي طلبية فستان زفاف لابنة أحد الجيران. كانت يداها ماهرتين، وعيناها مركزتين على القماش الأبيض الناعم الذي كان يتشكل تحت أصابعها. كانت تشعر ببعض السلام الداخلي لأول مرة منذ أسابيع.
ليون – مقر الإنتربول الرئيسي – مكتب هانز – بعد أسبوع من زيارة رفيق الأخيرة للسجن كان مكتب هانز في الطابق الخامس من المبنى الزجاجي الذي يطل على نهر الرون. كان المكتب واسعاً، مفروشاً بأثاث حديث باللون الرمادي، وجدرانه مغطاة بشهادات تقدير وصور تذكارية مع كبار المسؤولين الأوروبيين. على مكتبه، كان هناك