LOGINلم يخطر ببال هاني الجندي للحظة أن كلمة ألقتها ابنته الكبرى بعفوية وبراءة— "أنا لست ابنتك الحقيقية"— ستتحول إلى حقيقة صادمة، وتكشف النقاب عن طبقات من الأسرار الدفينة التي كانت تغلف زواجه وأسرته. زوجته، التي تعد من أبرز جميلات المنطقة وأغنى سيدات الأعمال فيها، عاشت معه ستة عشر عاما أنجبا خلالها ابنين وثلاث بنات. لكن المفاجأة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ أكدت المزيد من اختبارات البصمة الوراثية أن البنتين الأخريين ليستا من صلبه أيضا. وهنا دخلت حياة هاني الجندي الزوجية والمهنية في أحلك فصولها...
View Moreحاول هاني الاتصال بليلى، لكن هاتفها كان مغلقا، كما تعذر عليه الوصول إلى صابرين، فلم يجد بدا من التوجه إلى مركز الشرطة.استقبلته شرطية كانت في الخدمة، وبدت وكأنها تعرفه، فقالت بحماس: "أوه، دكتور هاني! أنت هنا؟ لو كنت أعلم أن نرمين ابنتك، لأعدتها إلى منزلك مباشرة."تعرفت ضابطة الشرطة الجميلة المناوبة على هاني، واستقبلته بحفاوة، أما هاني فشعر بالخزي، تبادل معها كلمات قليلة ثم أنجز الإجراءات، فلاحظ أن نرمين كتبت في استمارة التوقيع أن صلتها به هي زوج الأم، فانغرز هذا في قلبه وأوجعه من جديد.كان سبب احتجاز نرمين هو اتهامها بالسرقة، أو بالأحرى الاشتباه في كونها لصة؛ فقد تسللت إلى ناد فاخر، وحين ضبطها أفراد الأمن ولم تتمكن من إثبات هويتها، سلموها للشرطة.في السيارة، ساد صمت ثقيل بينما كان هاني يتجه بها إلى منزل جديها؛ فمن المفترض أن تكون نرمين في مدرستها، وقد هربت منها، وإعادتها إلى ليلى تعني أنها ستتعرض للتوبيخ. بالطبع، لم يكن هاني يرغب في رؤية ليلى أيضا."هاني، أتعرف لماذا فعلت هذا؟ أردت البحث عن أبي الحقيقي. كان لدى أمي حفل عشاء هذا المساء، لكنها لم تعد إلى البيت. هل تخمن أين ذهبت؟" كسرت نر
بعد أن أنهى هاني حديثه مع صابرين، استدعي مجددا إلى مكتب سمير، وكان مراد قد غادر."هاني، أنت حقا لم تترك أي اعتبار لمراد، كان وجهه شاحبا حين غادر." أشار سمير إلى هاني بالجلوس.لم يتردد هاني في الرد؛ فهو لم ينس كيف صفعه الرجل بلا ذنب وهدده، ناهيك عن فضائح ابنته التي جعلته يقطع كل صلة به: "ما قلته كان عين الحقيقة. قضية الطلاق بسيطة في جوهرها، وإصرار مراد المتكرر على المجيء للمستشفى للضغط علي لا يليق بمكانته.""في النهاية، هذا أمر يتعلق بابنته.""كل المشاكل، مصدرها ليلى." لم يرد هاني الاستمرار في جدل مشاكله الخاصة، بل انتقل إلى أمور العمل.طرقت السكرتيرة الباب ودخلت، وناولت وثيقة فاكس. وقعها سمير، وقال لهاني: "سأذهب إلى مدن العلياء والميناء والربيع لحضور مؤتمر طبي، ولن أعود إلا بعد أيام. بخصوص عملك، تحدثت مع رأفت، ستستمر في قسم العناية المركزة."امتثل هاني للترتيب، وعاد إلى قسم العناية المركزة. وما إن وصل، سمع بكاء أحد الأقارب في الممر الخارجي، لم يكن الأمر يحتاج للتفكير، بالتأكيد مريض لم يتم إنقاذه في الداخل.تأثر هاني قليلا، طوال ثماني عشرة سنة في الطب، كان مسؤولا عن مرضى عاديين في القسم
لم يغمض لهاني جفن طوال تلك الليلة؛ فقد كان يلتفت إلى الباب مرارا، يغشاه خوف من أن تتسلل إليه امرأة أخرى. وفي الحقيقة، كان قد أحكم إغلاق الباب من الداخل، بحيث يستحيل فتحه من الخارج حتى باستخدام مفتاح.حدث نفسه قائلا: "صحيح أن هذه 'الفضيحة' من تدبير ليلى لتجبرني على العودة والرضوخ لها، لكنها في نهاية المطاف وصمة عار تلاحقني. إذا انتشرت في أرجاء المستشفى، فلن يكترث أحد لكيفية وقوعها، بل سيصبون تركيزهم على حقيقة وقوعها، وسأصبح في نظر الجميع رجلا فاسد الأخلاق. وأسوأ ما قد أواجهه هو الفصل المباشر من عملي، وحتى لو ساندني سمير، فمن المستبعد أن أحظى بأي ترقية أو منصب.أريد أن أعمل وأعيش بهدوء، لكن الواقع لا يكف عن العبث بي، فلا أملك إلا الصراخ!"تنهد هاني طويلا، لكنه اتخذ قرارا في داخله، مهما كان المصير، عليه مواجهته.في ظهيرة اليوم التالي، وبينما كان هاني قد انتهى لتوه من إنقاذ مريض ألمت به نوبة مفاجئة، تنفس الصعداء بعد أن اطمأن لاستقرار مؤشراته الحيوية، مما يعني تجاوزه لمرحلة الخطر وإمكانية نقله إلى جناح عادي.بعد الظهيرة، استدعي إلى مكتب سمير.حدث نفسه وهو يتوجه إلى هناك: "هل هذه هي بداية ان
خيل إليه أنه أخطأ في الرؤية، فتأملها مرة بعد مرة، وشك في أنها مفبركة، فقارن كل تفصيلة، ليجد أن كل التفاصيل، تتطابق تماما مع مسكنه، أي أنها حقيقية.سقط على الكرسي متهالكا، كغصن ذوى في الصقيع، وذوى كيانه كله؛ ولولا استناده إلى المسند لهوى أرضا.بحسب ما أظهرته الصور، الليلة الماضية وفي هذا المسكن تحديدا، حدث بينه وبين امرأة ليست زوجته، أمر لا يوصف. طبعا، وجه المرأة لم يظهر، لكن على جسدها وشم فراشة، واضح أنها ليست الزوجة.اللعنة، ما حدث الليلة الماضية لم يكن حلما!"من هذه المرأة؟ كيف دخلت؟ كيف سمحت لها بالدخول؟ وكيف وقع ما وقع بيننا؟ لماذا لم أرفضها؟ ماذا كنت أفعل آنذاك؟"سلسلة من الأسئلة، جعلت عقل هاني ككتلة خيوط متشابكة، ولكن الأشد إيلاما له من تلك الفضيحة المفتعلة، كان علم زوجته بهذا الأمر.وبخ نفسه، وندم، واغتاظ!أخذ يفكر ويقلب الاحتمالات في ذهنه، ثم نزل، وجاء إلى جانب نافذة سيارة زوجته، وأحدق فيها ببرود: "ليلى، لديك مفتاح مسكني، ولديك مال وجاه، تستطيعين تدبير هذا الأمر بسهولة. لكن أخبريني، ماذا ستجنين من تدميري بهذا الشكل؟""اركب وعد معي إلى البيت، لن أحتقرك، سأعتبر أنك كنت تمثل دورا
في ظهيرة اليوم التالي، وفي أحد المطاعم، التقى هاني بصابرين. اقترب منها ليجدها قد طلبت بالفعل المشروبات ووجبة غداء دسمة؛ شريحة لحم كبيرة، فقد كانت صديقة مقربة وتعرف ذوقه تماما."صابرين، إن كنت جئت لتقنعيني بالتمسك بليلى، فلا داعي لتناول هذه الوجبة.""بالطبع لا، إنه بخصوص عملك، أحد أقاربي مرض، وسينقل
افترق الحمو والصهر على مضض.بعد أن غادر هاني، خرج سمير من المكتب الآخر، فرأى وجه مراد شاحبا، واضح أن حديثه مع هاني قد فشل، مما أثار في نفسه شعورا سيئا.وقد كان حدسه في محله.قال مراد مباشرة لسمير: "هذا الجاحد قد اشتد عوده، حتى إنه تجرأ على تحدي! يجب أن أجعله يدرك أنه في مدينة الينابيع لا أحد يستطيع
قالت ليلى بحدة: "كيف يعقل هذا؟ هذه البنت مني ومن هاني، فكيف تخرج النتائج بهذا الشكل؟ وما فائدة هذه المراكز التي تجري الفحوصات أصلا؟ سأقاضيها على هذه التقارير العبثية!"سارعت صابرين بمنعها قائلة: "لا يا سيدة ليلى، لا تفعلي! إن فعلنا ذلك، فسنجد أنفسنا في موقف أضعف."كانت صابرين تدرك أن مقاضاة مراكز ال
لم يتهرب هاني، بل اعترف مباشرة. ثم أخرج تقرير فحص الحمض النووي الخاص بالطفلة ووضعه أمام سمير. وبصفته مديرا للمستشفى وطبيبا بارعا، لم يحتج سمير إلى أكثر من لمحة على التقرير ليدرك جوهر المشكلة.طلب سمير من هاني ألا يقلق كثيرا وأن يواصل إجازته. وما إن انصرف هاني حتى التقط الهاتف واتصل بمراد طالبا موعدا