ضحية الهامش

ضحية الهامش

last updateTerakhir Diperbarui : 2026-06-03
Oleh:  FefeBaru saja diperbarui
Bahasa: Arab
goodnovel4goodnovel
Belum ada penilaian
2Bab
2Dibaca
Baca
Tambahkan

Share:  

Lapor
Ringkasan
Katalog
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi

في عمّان، يعيش “معتصم” شاب جامعي حياة هادئة ظاهريًا، لكنها مليئة بالتأمل والصراع الداخلي. تنقلب حياته بعد حادثة طبية تصيب والدته، لتفتح أمامه أسئلة عميقة عن الخطأ، المسؤولية، والفساد داخل المؤسسات. بين عائلته وأصدقائه وتجارب جديدة يمر بها، يبدأ رحلة لفهم ما حدث وما إذا كان يمكن اعتبار الخطأ مجرد صدفة بشرية أم امتدادًا لخلل أكبر. الرواية تسير في خط نفسي وإنساني، تتابع تحولات معتصم وهو يواجه الواقع ويعيد تشكيل نظرته للعالم والعدالة والحياة.

Lihat lebih banyak

Bab 1

الفصل الأول

الساعة الآن تشير بدقة متناهية إلى الثالثة وتسع دقائق بعد الظهر، ونحن هنا في قلب عمان، حيث الشوارع تمور بالحركة والناس. طريق الجامعة دائماً طويل، يمتد كحبل لا نهاية له، ويزيده طولاً وثقلاً ذلك الجلوس الرتيب في الطرقات المزدحمة، حيث تتوقف الحافلات والسيارات لزمن يبدو دهراً كاملاً.

هذا الازدحام المروري الخانق، وما يرافقه من ضجيج، هو ما يجعلني دائماً أصر على التريث والتروي في مسيري وفي اختياراتي، رغماً عن وجود وسائل مواصلات سريعة قد تختصر الوقت في ظاهرها. والحقيقة الكامنة وراء هذا التمهل هي أنني شخص يحب التفكير العميق والتأمل الطويل في تفاصيل الوجوه وحركة العابرين، وأنا بطبعي مولع بالبقاء وحيداً، ألوذ بصمتي الخاص وأجد فيه ملاذاً آمناً من صخب العالم الخارجي.

لا زلت حتى هذه اللحظة، ورغم مرور السنوات، أحاول جاهداً أن أنفتح على الغير، أن أمد جسوراً نحو الآخرين وأشاركهم أحاديثهم وأيامهم، لكن يمنعني من ذلك دائماً خوف دافين، خشية غامضة من فقدان بعضي في غيري، أتهيب من فكرة أن أذوب في تفاصيل الناس وحكاياتهم حتى أفقد ملامح ذاتي الأصيلة.

إنني أشعر، في كثير من الأحيان، أنني أذوب في زحام البشر ذوباناً يطمس معالمي الداخلية، إذ يختفي شيء جوهري مني، ينطفئ جزء من روحي حين أجتمع مع إنسان آخر وأغرق في مجاملاته وأفكاره، وحينها أغدو بعيداً جداً عن شخصي الحقيقي، ذلك الشخص الذي أعرفه حقاً حين أخلو بنفسي خلف الأبواب المغلقة.

اليوم، يبدو كل شيء مختلفاً ومفعماً بنوع من الترقب الثقيل؛ فأمي «صابرة»، تلك المرأة التي تشكل عمود بيتنا، عائدة أخيراً إلى المنزل من المشفى بعد أيام عصيبة قضيناها في قلق وخوف. أشعر في أعماقي بشيء من التوق الجارف لرؤيتها، بلهفة تكاد تدفعني للطيران، لكني رغماً عن ذلك أمسك نفسي بقوة عن الهرولة والركض في الشوارع.

أقول لنفسي إنه لا يليق بي أبداً، وقد بلغت مبلغ الرجال واشتد عودي، أن أركض في الأزقة كصبيان الحارة الذين يلاحقون الطائرات الورقية، يجب أن أحافظ على وقاري الخارجي وإن كان داخلي يعتمل بالاضطراب.

ولأجل هذا التناقض بين لهفتي ووقاري، امتنعت تماماً في هذا اليوم عن الجلوس على الأرصفة المعتادة أو كراسي انتظار الحافلات العامة، تلك الكراسي التي كنت أقضي عليها ساعات في المراقبة، تركتها كلها حتى أصل إلى البيت أسرع، مستغنياً عن عادتي القديمة في التمهل وسلوك الطرق الجانبية الخالية التي كنت أتخذها عمداً حتى لا أصادف الناس أو أضطر لتبادل التحايا العابرة معهم، بل إنني ذهبت أبعد من ذلك فاخترت ركوب سيارة أجرة خاصة «تاكسي» عوضاً عن الباص العام، رغبة في اختصار المسافات والدقائق.

أثمرت هذه الخطة الاستثنائية؛ إذ وصلت إلى عتبة الدار في غضون خمس وأربعين دقيقة فقط، في حين يأخذ مني هذا الطريق نفسه ما بين ساعة ونصف إلى ساعة وربع يومياً في الأحوال العادية.

حين وقفت أمام باب منزلنا القديم، شعرت بتوتر يزول تدريجياً، وتسللت إلى وجهي نصف ابتسامة باهتة لكنها صادقة، هذا المنزل الذي اعتدنا العيش فيه لربعة عشر عاماً كاملة، شهدت طفولتنا وشبابنا وتفاصيل حياتنا الصغيرة؛ إنه العلم الثابت في حياتي، والركيزة التي لا تتغير مهما تبدلت الظروف، ولا تستولي على ذهني فكرة بيت غيره حين أقصد كلمة «المنزل» في حواراتي أو أفكاري.

وقفت لبضعة ثوانٍ طويلة أمام الباب الخشبي العتيق قبل أن أمد يدي لأقرعه ثم أدخل، متأملاً عادة والدي القديمة والمستمرة، فهو لا يغلق الأبواب الخارجية للمنزل أبداً خلال النهار، ويصر على إبقائها مشرعة، مكرراً على مسامعنا دائماً جملته الأثيرة بوجوم صادق: «أنه لا يحبذ أبداً أن يرد سائلاً أو محتاجاً يطرق بابه، أو جاداً يبحث عن مأوى».

كنت قد اعتدت في سنوات مراهقتي السخرية الخفيفة منه حين يقول جملته تلك، إذ أشير إليه ضاحكاً أن هذا نوع من «الفزلكة» الأدبية والمثالية المفرطة التي لا نجدها إلا في بطون الروايات والقصص الخيالية القديمة، ولا مكان لها في واقعنا المعاصر، لكنه رغماً عن سخريتي وملاحظاتي كان يصر بإصرار غريب على ألا يغلق الأبواب الخارجية، مستثنياً من ذلك فقط باب حجرة والدتي وأخواتي الإناث، صوناً لخصوصيتهن وحرمتهن.

وفي الحقيقة، لم نكن نشعر بخوف من السرقة أو غدر اللصوص، فأغلب سكان هذه الحارة هم من معارفنا وأصدقائنا الخلص الذين عشنا معهم عمراً، وكيف لأبي، الذي يترك أبواب بيته مفتوحة للجميع، أن يبقي في أنفسهم مطمعاً أو غلاً تِجاه شيء يملكه؟ بل إن الأمر كان على العكس تماماً؛ إذ كان دائماً يبادر إلى العطاء ويقصده بنفسه دون انتظار طلب.

فبعد فراغه من أداء الصلاة في جامع الحي، كان يجالس الأصحاب والمعارف على عتبات المسجد، ويسأل باهتمام صادق عن أحوالهم ومعاشهم، ويبادر لمد يد العون والمساعدة بالمال والجهد حين يحجم الناس ويترددون خوفاً من عاديات الزمن.

ثم بعد ذلك، يصحب رفاقه وجلساءه إلى مقهى «القدس» الشهير القابع بجوار المسجد تماماً، وهو المقهى الذي يمتلكه عمي، فيدخل والدي ورفاقه مستبشرين، ويسلم بحرارة على عمي «أحمد» الجالس خلف طاولة المحاسبة، ثم يجلسون جميعاً حول الطاولات الخشبية وتدور الحكايا والقصص والأحاديث التي لا تنتهي عن الماضي والحاضر.

لم يترك والدي طوال حياته شخصاً واحداً يعلم بحاجته أو ضيقه إلا وسعى إليه وسد حاجته بما أوتي من سعة، وبسبب هذه السيرة العطرة وهذا الحب المحيط به، كان أبي يترك الأبواب مفتوحة دائماً وهو خلي البال، مطمئن النفس، لا ينام على خوف أو ريبة.

وقد مرت علينا بالفعل حادثة سرقة مرة أو مرتين على مدى سنوات طويلة، فَقَدْنا فيها بعض الأشياء البسيطة، لكن عادة الرجل الكريم حسن النية لا تتغير بصدمة عابرة، إذ يؤمن أبي إيماناً راسخاً، يكرره على مسامعنا كقاعدة ذهبية، أن «السخاء يكثر الأولياء ويستصلح الأعداء»، وأن الجود قادر على تحويل قلوب الحاقدين إلى محبين، وإن كان في فكره هذا شيء من التفاؤل الأعمى الذي قد لا يتناسب مع قسوة هذا العالم وتقلباته.

دخلت المنزل أخيراً، ومررت بالحديقة الصغيرة الممتدة أمام البيت، أو كما يسميه أهل هذه البلاد بلهجتهم الدارجة الجميلة: «الحوش». في هذه البقعة الصغيرة، تستحضرني هنا وفي هذه اللحظة بالذات ذكريات كثيرة، متزاحمة، كأنها شريط سينمائي يعاد عرضه أمامي؛ هنا في هذا الحوش رأيت أختي مريم الرضيعة أول ما رأيتها حين أقبلت بها أمي من المستشفى لفوها بخرق بيضاء.

وهنا في هذا المكان الذاتي اختلف والدي وعمي ذات مرة في نقاش عائلي حاد كاد يفسد الود بينهما لولا تدخل العقلاء، وهنا في هذه الباحة جلسنا جميعاً يوم خطبوا أختي الكبرى سارة وتعالت الزغاريد والفرحة، وهنا أيضاً -وهي الذكرى الأكثر قسوة- أغمي على والدتي وسقطت أرضاً فجأة قبل نقلها على عجل إلى المشفى، ليكشف الأطباء بعد الفحوصات الطويلة عن إصابتها بالفشل القلبي وارتفاع ضغط الدم المزمن، وهو اليوم الذي غير مجرى حياتنا وهدوءنا.

إنها ذكريات كثيرة جداً، منها الصالح المليء بالفرح ومنها الطالح المترع بالحزن، لكني هنا، بين هذه الجدران وتحت هذه السماء، قضيت كثيراً من سنين عمري، أقرأ كتبي المدرسية، أو أطالع رواية، أو أغرق في التفكير والتأمل، أو أختلي بنفسي هرباً من الواجبات، أو أجادل «عمرو» أخي الأصغر، الذي يصغرني بفارق عام واحد فقط، في نقاشات طفولية وشبابية لا تنتهي.

هذه الحديقة هي بقعتي الأثيرة ومكاني المفصل في العالم. دخلت المنزل القديم وأنا أراقب بعينين حزينتين شجرة التين العتيقة القابعة في وسط الحديقة، تلك الشجرة التي شهدت كل شيء، ثم أشحت بنظري عنها سريعاً ومشيت بخطى مسرعة، متلهفة، يقودها الشوق الخالص لرؤية والدتي والاطمئنان عليها.

أمي «صابرة»، هذه المرأة العظيمة، هي ابنة لشيخ فلسطيني وقور من قضاء الخليل، وجدي -رحمه الله وغفر له- لم يغادر البلاد قط، وظل متمسكاً بتراب أرضه حتى وافته المنية هناك، غير أن ابنته «أمي» هاجرت إلى هنا، إلى الأردن، بعد أن تزوجت أبي «أبا عمار».

أقاما معاً في البداية في مدينة إربد لسنوات، وشهدت تلك المدينة ولادة أبنائهما الأربعة، قبل أن ينتقل كلاهما إلى العاصمة عمان ليستقرا في هذا البيت بعد ولادة رابع الأبناء، بحثاً عن سبل عيش أفضل وتعليم أحسن لنا.

ومن الأمور الساخرة والمفارقات العجيبة في حياتنا، أن أمي «صابرة» هذه لم يكن بينها وبين الصبر علاقة واضحة أو جلية إلا أحرف الاسم المكتوب في هويتها الشخصية؛ فقد كانت بطبعها سريعة الغضب، ضيقة المزاج، لا تحتمل الخطأ أو الإهمال، وتثور لأقل الأسباب، لكنها في المقابل، وبشكل يثير الدهشة، كانت تكشف أحياناً عن صبر لا حدود له، صبر يعجز عنه أشداء الرجال.

نرى هذا الصبر متجلياً واضحاً عند تربيتنا ومتابعة تفاصيلنا المقلقة، أو في المدرسة بين طالباتها؛ فأمي تعمل معلمة للتربية الإسلامية في مدرسة ابتدائية حكومية، وكان في حبها الجارف لمهنة التعليم وشغفها بإيصال المعلومة وبناء العقول شيء سحري يمسك مزاجها الحاد من الانطلاق والتفشي، كأن التدريس كان لجاماً يهدئ من روعها ويمنحها السكينة.

دخلت من الباب الرئيسي لمنزلنا وأنا أحاول استكشاف الأجواء داخله، فألقيت نظرة فاحصة على الأحذية المصفوفة قبالة المدخل؛ كانت أحذية كثيرة، مختلفة الأشكال والمقاسات، تنطق بوضوح بعدد الزوار والقادمين للاطمئنان على صحتها.

دخلت متقدماً بقدمي اليمنى تبركاً، وألقيت السلام بصوت مسموع ملأ الممر: «السلام عليكم ورحمة الله»، فرد علي صوت مألوف وسط الجلبة الخفيفة. بحثت بعيني في أرجاء الصالة عن أخي عمرو، وحين وجدته واقفاً يصب القهوة العربية السادة للضيوف بحركة رتيبة، اقتربت منه وسألته بصوت خافت عن أمي وعمن يتواجد في حجرتها في هذه اللحظة، لعله يكون محرماً قريباً فالعادات تقيدنا، فأنتهز الفرصة لأدخل فوراً وأسلم عليها دون حرج.

أجابني عمرو وهو يبتسم ويوجه دلة القهوة نحو الضيف القادم: «عمتي عبير متواجدة معها بالداخل، ادخل يا معتصم وألق السلام، واطمئن تماماً فلم يصبها أمر جلل هذه المرة، والحمد لله، الأطباء طمأنونا وحالتها مستقرة».

قبل أن أتوجه إلى الغرفة وأدخل، كان واجباً علي أن أسلم على الحضور الجالسين في الصالة واحداً واحداً احتشاماً وتقداماً، فمررت عليهم وتبادلت معهم بعض عبارات الحديث العابرة والسؤال عن الحال. لم يكن هناك غرباء بين الجالسين؛ إذ اقتصر الحضور على أعمامي، وخالي الذي جاء مسرعاً من سفره، وبعض الجيران المقربين من أبي.

أنهيت هذه التحية والواجب سريعاً بخطى متثاقلة يملؤها الشوق، وتوجهت مباشرة نحو حجرة أمي، ووقفت لثوانٍ ثم طرقت الباب الخشبي طرقاً خفيفاً قبل أن أفتح وأدخل.

غرفة والديّ لم تكن كبيرة الحجم أبداً بالمعايير الحديثة، بل كانت متوسطة تميل إلى الصغر، تحوي أثاثاً بسيطاً وعامراً بالذكريات. وفي زوايتها تقبع خزانة خشبية صغيرة، هذه الخزانة هي بمثابة متحفنا العائلي الصغير؛ إذ تحوي بدخلها بعناية فائقة كل شهاداتنا المدرسية والجامعية، أنا وإخوتي، بالإضافة إلى بعض الجوائز والشهادات التقديرية التي تخصنا كلنا وتوثق إنجازاتنا في مراحل طفولتنا وشبابنا.

فهناك شهادات في حفظ الحديث الشريف وتجويد القرآن الكريم، وأخرى في القراءة الحرة والكتابة الأدبية، والخط العربي، والرسم، وحتى جوائز وميداليات في كرة القدم، وصولاً إلى بعض الميداليات البرونزية والفضية لرياضة الجودو وغيرها من الأنشطة التي مارسناها.

كان من أعظم خير والدتي وفضلها علينا، أن لها عيناً ثاقبة، نافذة، وبصيرة مميزة؛ لا أعلم حتى الآن هل اكتسبت هذه القدرة من سنين خبرتها الطويلة في سلك التدريس والتعامل مع مئات الأطفال، أم أنها موهبة غريزية محضة ولدت معها كأم.

الحقيقة أنها كانت ترى مكامن القوة والضعف في شخصياتنا بسهولة تامة وبصيرة تثير الإعجاب والدهشة، وبسبب هذه البصيرة النافذة، كان من السهل عليها جداً أن تلمح في كل واحد فينا موهبة صغيرة قيد الإنشاء والتشكل، ثم تبدأ فوراً في رعايتها وتشجيعها بكل قوتها، وإن كان في أسلوب تشجيعها ذاك بعض من الفظاظة أو الغلظة والشدة في بعض الأحيان، إلا أنه كان خيراً عظيماً دفعنا للأمام وصنع منا ما نحن عليه الآن.

حين خطوت داخل الغرفة، وقع ناظري مباشرة على والدتي المستلقية على السرير؛ نظرت إليها ممعناً النظر بدقة وحزن في تفاصيل وجهها، تأملت تلك التجاعيد الصغيرة التي بدأت تخط طريقها حول عينيها وفي جبهتها، وراقبت بعض شيبها الأبيض الذي غزا خصلات شعرها.

قلت في نفسي بأسى: «يا الله! كيف لهذه الروح القوية الشامخة أن تكبر أيضاً وتشيخ؟ كيف يمكن للزمن أن ينال منها؟». بدت لي في تلك اللحظة ضعيفة جداً وهزيلة على غير ما عهدتها، وهي التي اعتادت لسنوات طويلة أن تلاحقني جيئة وذهاباً حول المنزل وفي أرجاء الحديقة بنشاط لا يهدأ، وكانت طوال عمرها شخصاً شديد العناية بصحته وغذائه، إذ قطعت السكر الخام تماماً من بيتنا، وامتنعت عن خبز القمح المصنع وسائر الأطعمة والوجبات السريعة التي ظنت أو قرأت أن بها ضرراً على الجسد.

أمي في مخيلتي القديمة لا تزال تلك المرأة الشابة جداً، النشيطة جداً، الممسكة دائماً بعصا من الخيزران تلوح بها في الهواء ترويعاً لنا بعد إلحاقنا بمصيبة أو مشكلة في الحارة، أو ترفعها في وجه أختي مريم إذا انخفضت درجاتها المدرسية في الامتحانات الشهرية.

لا أستطيع في داخلي، ولا يحتمل عقلي، فكرة أنها تكبر مثلنا هكذا وتضعف، بل إن نفسي في الحقيقة لا تحتمل حقيقة تغير الأشياء بصفة عامة، وأكره تبدل الأحوال وزوال القوة.

ألقيت السلام عليها وعلى عمتي عبير التي كانت تجلس بجانب السرير وتمسك يد أمي بإحكام وحنان، ردت أمي فوراً بصوتها المألوف: «وعليك السلام والرحمة يا معتصم، أجئت الآن من الجامعة أم أنك لم تحضر دروس ومحاضرات اليوم كالعادة؟». كعادتها الأزلية وبطبيعتها القيادية، سألت عن دراستي ومستقبلي أول ما سألت، رغماً عن أنها هي المريضة المستلقية على الفراش وأنا من جاء يطمئن عليها ويسألها عن حالها.

أجبتها مبتسماً وأنا أقترب منها: «بل حضرت المحاضرات كلها ولم أضيع شيئاً، طمئنيني عنكِ، كيف تشعرين الآن؟». ردت علي بصوت حاولت جاهدة أن تبديه ثابتاً وقوياً: «أنا بخير والحمد لله، يخيل إلي أن ارتفاع ضغط دمي المفاجئ هذا ما كان في الحقيقة إلا رد فعل مباشر لشقاوة أخيك عمرو ومشاكله التي لا تنتهي، ويبدو أن قلبي العجوز ما عاد يحتمل تصرفاته»، عند سماع هذه الكلمات، ضحكت عمتي عبير ضحكة خفيفة قطعت صمت الغرفة.

التفتت نحو عمتي عبير وألقيت عليها هي الأخرى السلام، وسألتها عن حالها وأحوال عائلتها الصغار، فقالت بنبرة راضية: «نرجو من الله الستر والسلامة دائماً، نحن في خير كثير ونعمة والحمد لله»، ثم التفتت بنظرتها نحو أمي وقالت بابتسامة دافئة وجهتها إلي: «المهم أن والدتك الآن بخير وعادت إلينا، وهذا هو جل ما أردته وتمناه قلبي في هذه الأيام».

سكتت عمتي بعد جملتها تلك، وتنهدت بعمق وكأنها أزاحت بكلامها هذا حملاً ثقيلاً كان جاثماً على صدرها طوال فترة بقاء أمي في المشفى، ثم أعادت تعديل جلستها على الكرسي البلاستيكي المقابل للسرير. أما أنا، فبقيت واقفاً في مكاني للحظة دون أن أتحرك، متسمراً في بقعتي تلك.

لم يكن في الغرفة في الحقيقة ما يستدعي هذا الوقوف الطويل أو الجلوس أو حتى كثرة التفكير، ومع ذلك شعرت في تلك اللحظات أن الحركة المجردة، خطوة للأمام أو للخلف، أصبحت قراراً مصيرياً صعباً يحتاج إلى مبرر داخلي وتفسير نفسي. اقتربت قليلًا، بخطوات حذرة، من سرير أمي لكي أكون أكثر قرباً من أنفاسها.

كانت الغرفة مضاءة بإضاءة نيون بيضاء خفيفة، من تلك الإضاءات المألوفة في المستشفيات والمنازل القديمة، وهي نوع من الإضاءة التي تجعل الأشياء وملامح الوجوه تبدو أقل قسوة وأكثر نعومة مما هي عليه فعلياً في الواقع، أو ربما تجعلها عارية وأكثر وضوحاً مما نحتمل رؤيته واستيعابه.

أمعنت النظر مجدداً في تفاصيل وجهها المسترخي، كانت ملامحها ساكنة تماماً، هادئة أكثر من المعتاد بشكل أثار في قلبي بعض التوجس، ثم تحركت وجلست بهدوء على طرف السرير الخشبي القريب من قدميها. سألتها بنبرة منخفضة، حانية، وأنا أتحسس من عينيها ونبرة صوتها صدق الجواب وهل تخفي عني ألماً: «أمي، هل تشعرين الآن بأي تعب أو ألم مكتوم؟».

الحقيقة أنني كنت خائفاً جداً؛ فقد أخافتني بحالتها البارحة خوفاً لم أعشه من قبل. ففي منتصف جلوسنا معاً كعائلة على كنبة غرفة المعيشة نتبادل الأحاديث، لاحظت فجأة على وجهها أمارات ألم حاد وتغير في الملامح، وكانت تتنهد بكثرة وتتنفس بصعوبة. وحين سألتها وقتها، قالت باختصار: «هو مجرد وجع عادي في الرأس»، وكنت أظن في البداية، بناءً على تاريخها المرضي، أنها إحدى نوبات إصابتها المعتادة بمرض الشقيقة «الصداع النصفي»، وبناءً على هذا التشخيص المنزلي نصحتها بأخذ حبتين من حبوب المسكن المعتادة والنوم.

لكن الأمر هذه المرة لم يكن صداعاً عادياً بالمرة؛ إذ جعل تنفسها يتسارع بشكل مخيف ومتلاحق، وكأنها فقدت القدرة على إدخال الهواء إلى رئتيها، وبدا الصدر يعلو ويهبط باضطراب.

ثم بعد ذلك، وحين قررت أن تنهي السهرة وتنام مبكراً لتستريح، قامت من مكانها، لكنها كانت تقف ثم تتوقف فجأة في وسط خطوتها، وتمسك بطرف الأثاث والكنب بإحكام وكأن دنياها تدور حولها وتفقد توازنها. بعدها بلحظات، بدأت تشعر بغثيان شديد، وتضع يدها على فمها أكثر من مرة كأنها تحبس القيء بجهد جهيد، في استجابة جسدية مفاجئة وعنيفة أربكتكِ في مكانكِ وأربكتنا معكِ جَميعاً وأطارت النوم من أعيننا.

كان واضحاً لكل من في الغرفة أنكِ غير قادرة بتاتاً على التحكم بردة فعلكِ الجسدية، وكأن جَسدكِ المنهك قد بدأ يتصرف بشكل مستقل عن إرادتكِ وعقلكِ. كنت في تلك الأثناء قد جلبت لها سريعاً دواء الشقيقة وكوباً من الماء وأجلستها في مكانها محاولاً تهدئتها.

لكننا لاحظنا بعد ذلك أن تنفسها أصبح أسرع بكثير وأثقل، كأنها تبذل جهداً خرافياً لتنطق بكلمة، وكانت تتوقف مجبرة بين الجمل القصيرة التي تحاول قولها لتلتقط أنفاسها الضائعة. شعرت في تلك اللحظة أن الكلام المجرد والنطق أصبح عبئاً كبيراً وقاسياً لا تتحمله قواها، ولم تستطع الحفاظ على وضعية جلوس مستقيمة لفترة طويلة، وكأن ثقلاً غير مرئي أو جاذبية خاصة تسحب جسدها للأسفل والانحناء.

ثم بدأ الأمر يزداد سوءاً وتدهوراً بشكل متسارع، وبدأت تتقيأ وتفقد قواها تماماً. كنت لا زلت أحاول إقناع نفسي أنها نوبة معتادة وستمر، لكن عندما مرت أكثر من نصف ساعة كاملة على أخذها للدواء والمسكن دون أن يظهر أي تحسن على وضعها، بل إنها بدأت تفقد أنفاسها أكثر فأكثر وتغيب عن الوعي جزئياً، علمنا أننا أمام خطر حقيقي. لم يعد هناك أي مجال للتفسير المنزلي أو التهدئة العبثية، فاحضر أبي السيارة سريعاً إلى باب البيت، وحملناها معاً وقاد مسرعاً بكل قوته إلى أقرب مستشفى طوارئ. وهناك، في غرفة الفحص، اتضحت إصابتها بارتفاع حاد وخطير في قراءات ضغط الدم، إلى جانب نوبة فشل قلبي حاد، وبقيت بناءً على ذلك في غرفة العناية المركزة تحت المراقبة اللصيقة حتى هدأ الوضع الليلة الماضية واستقرت المؤشرات.

عودة إلى حيث كنا الآن في غرفتها الهادئة، هزّت والدتي رأسها ببطء شديد، ملمحة إلى الطمأنينة، وردت بنبرتها المعهودة: «أنا غير متعبة يا معتصم، لا تقلق.. أخبرني هل تناولت طعام الغداء بعد أم أنك جائع؟». كان صوتها في هذه المرة أهدأ بكثير من المعتاد، ليس بسبب ضعف جسدي واضح فحسب، بل هو نوع من الاقتصاد الذكي في الكلام وبذل الجهد تجنباً للتعب.

رددت عليها مسرعاً لأريح بالها: «نعم يا أمي، تناولت الغداء والحمد لله»، فابتسمت ابتسامة خفيفة، دافئة، لكن فيها ذلك الشيء من السخرية المبطنة التي أعرفها جيداً في شخصيتها، وسألتني مرة أخرى رافعة حاجبها: «وماذا أكلت؟ نودلز مجدداً؟ هل هذا يعتبر غداءً مغذياً لشاب في عمرك يا معتصم؟!».

ضحكت من تعليقها واخبرتها فوراً أنني تلافيت النودلز اليوم وتناولت شيئاً أكثر تغذية وفائدة في كافيتيريا الجامعة؛ إذ قدموا اليوم للطلاب طبق أرز أبيض مع بعض قطع الدجاج المحمر، وحساء دافئاً لم أركز كثيراً في محتوياته وتفاصيله، فقد كنت في تلك الأثناء قلقاً جداً عليكِ ومشغول الفكر، إلى درجة ظننت معها من فرط التوتر أن الطعام ينزل إلى رئتي ومجرى نفسي لا إلى معدتي.

التفتت عمتي عبير نحوي بعد سماع هذا الحوار، وقالت بقلة حيلة ونبرة ضاحكة: «ليتك تأتي وتقنع أولادي الصغار أن يأكلوا شيئاً صحياً واحداً لمرة واحدة في حياتهم! أنا أتحايل عليهم ليل نهار وأصنع شتى المأكولات، لكن الأجيال الجديدة هذه أذكى بكثير من قدرتي على الاحتمال والصبر».

ثم ضحكت مكملة حديثها؛ ولعمتي عبير خمسة أولاد صغار، أكبرهم سناً يصغرني بعشر سنوات كاملة، مما خلق فجوة زمنية وضخمة بين جيلنا وجيلهم في الاهتمامات والأكل. عمتي عبير كانت قد تزوجت في سن متأخرة نسبياً، وتوفي زوجها -رحمه الله- في وقت مبكر من زواجهما، وهي تعيش الآن في بيت قريب من بيتنا.

كانت هي أصغر أبناء جدي لأبي، وبينها وبين أمي من فرق العمر ما يجعل أمي في منزلة أمها الكبرى ومرشدتها، وهو الأمر الذي شكل بيننا وبينها علاقة عائلية خاصة، أقرب ما تكون إلى علاقة الأخ بأخته الأكبر التي تلجأ إليه ويستمع إليها في كل تفاصيل الحياة.

في الخارج، وأنا جالس على طرف السرير، سمعت وراء الباب صوت خطوات تمر بسرعة في الممر الطويل، كانت خطوات متقطعة، خفيفة وغير منتظمة في إيقاعها. فكرت في داخلي وحللت الصوت فوراً بأن هذه لابد أن تكون خطوات أخي عمرو؛ فقد كنت قد تركته هو وأبي وحدهما يتوليان أمر الضيوف والجيران في الصالة، فانشغل عمرو وحيداً بتحضير القهوة المرة وتقديم الضيافة وإعادة الصب، في حين تساعده أختي الصغيرة مريم في أعمال المطبخ وغسل الفناجين.

لأجل هذا، أحسست في قاع قلبي ببعض الذنب لأنني تركته يتحمل العبء وحده وجئت لأختبئ هنا. وعندما عاد الصمت مجدداً إلى الغرفة، كانت أمي تصوب نظراتها الفاحصة إلي، فقالت بنبرة آمرة لا تخلو من حنان: «اذهب الآن وساعد أخاك عمرو بالخارج، كيف تجلس مع النساء هنا وتختبئ من الواجب والضيوف؟».

ضحكت ضحكة قصيرة عفوية لم أكن أقصدها، ثم اتهمتها ممازحاً بأنها تطردني من غرفتها قاصدة، رغبة منها في ألا يتعب عمرو وحده لأنه ابنها المفضل ومدللها، وأنهيت خطابي المازح هذا بأن هذه الحزازية والتمييز بين الأولاد تولد الكراهية والتباغض، وأنه فعل مذموم في التربية الإسلامية التي تدرسها! ضحكت عمتي عبير من كلامي وأسلوبي، وأمرتني بلهجة حازمة ضاحكة أن أسكت فوراً وأذهب للخارج للمساعدة.

وقفت من مكاني مستعداً للمغادرة، ولكنني رغماً عن ذلك لم أتحرك فوراً نحو الباب الخشبي؛ إذ التفت مرة أخيرة تملؤها العاطفة نحو أمي المستلقية. وكانت هي الأخرى تنظر إلي، لم يكن في نظرتها تلك أي علامة من علامات طلب المساعدة أو الخوف من المرض، بل كانت نظرة عادية جداً، طبيعية، تشبه تماماً نظراتها المألوفة لي في البيت عندما أخرج إلى الجامعة متأخراً في الصباح.

وتأمرني حينها بصوت منخفض وحازم: «لا تتأخر في عودتك.. وأغلق الباب وراءك بإحكام». قلت لها بصوت صادق ونبرة دافئة: «أمي، كوني بخير لأجلنا»، هزّت رأسها ببطء موافقة، ثم ابتسمت ابتماسية صغيرة جداً، لكنها رغماً عن صغرها كانت كافية جداً لتجعل هذه الغرفة تبدو أقل غربة وأكثر دفئاً للحظة من الزمن.

خرجنا بعد ذلك من الغرفة واحداً تلو الآخر، تقدمت عمتي عبير أولاً، ثم تبعتها أنا بخطى وئيدة، وكانت عمتي قد أوضحت قبل خروجها أنها ستترك أمي الآن بمفردها لترتاح وتنام قليلاً، وتذهب هي لتساعد مريم في أعمال المطبخ وإعداد العشاء.

نظرت إلى الخلف نظرة أخيرة قبل الابتعاد، وباب الغرفة كان موارباً يظهر منه جزء من السرير، فأمددت يدي برفق وأغلقت الباب إغلاقاً تاماً وخرجت إلى الممر. بجانبي كانت عمتي تسير وتتحدث مسترسلة عن أشياء بسيطة، عن الطعام المتوفر في البيت، وعن الزيارات العائلية الواجبة، وعن تفاصيل يومية لا تحتاج إلى إعمال فكر أو تركيز كبير.

ولكنني كنت في الحقيقة أستمع إليها بغير تركيز وذهن شارد؛ ففي رأسي، كان هناك صوت آخر يتردد، صوت خفيف جداً غامض يشبه فكرة جنينية لم تكتمل ملامحها بعد في عقلي. وعندما خرجنا معاً إلى الممر الطويل المعتم، شعرت فجأة أن هواء البيت قد أصبح مختلفاً قليلاً، ليس أبرد من المعتاد، ولا أدفأ، فقط شعرته أثقل بكثير على قلبي المثقل بالهموم.

Tampilkan Lebih Banyak
Bab Selanjutnya
Unduh

Bab terbaru

Bab Lainnya
Tidak ada komentar
2 Bab
الفصل الأول
الساعة الآن تشير بدقة متناهية إلى الثالثة وتسع دقائق بعد الظهر، ونحن هنا في قلب عمان، حيث الشوارع تمور بالحركة والناس. طريق الجامعة دائماً طويل، يمتد كحبل لا نهاية له، ويزيده طولاً وثقلاً ذلك الجلوس الرتيب في الطرقات المزدحمة، حيث تتوقف الحافلات والسيارات لزمن يبدو دهراً كاملاً.هذا الازدحام المروري الخانق، وما يرافقه من ضجيج، هو ما يجعلني دائماً أصر على التريث والتروي في مسيري وفي اختياراتي، رغماً عن وجود وسائل مواصلات سريعة قد تختصر الوقت في ظاهرها. والحقيقة الكامنة وراء هذا التمهل هي أنني شخص يحب التفكير العميق والتأمل الطويل في تفاصيل الوجوه وحركة العابرين، وأنا بطبعي مولع بالبقاء وحيداً، ألوذ بصمتي الخاص وأجد فيه ملاذاً آمناً من صخب العالم الخارجي.لا زلت حتى هذه اللحظة، ورغم مرور السنوات، أحاول جاهداً أن أنفتح على الغير، أن أمد جسوراً نحو الآخرين وأشاركهم أحاديثهم وأيامهم، لكن يمنعني من ذلك دائماً خوف دافين، خشية غامضة من فقدان بعضي في غيري، أتهيب من فكرة أن أذوب في تفاصيل الناس وحكاياتهم حتى أفقد ملامح ذاتي الأصيلة.إنني أشعر، في كثير من الأحيان، أنني أذوب في زحام البشر ذوباناً
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-06-03
Baca selengkapnya
الفصل الثاني
لم يكن في ذلك الممر الطويل المكتسي بعتمة خفيفة ما يستدعي، بالفعل، هذا الإحساس الغامض والمريب الذي بدأ يتسلل إلى جوارحي، ويعلق بأطراف روحي كغبار غير مرئي. كان ممراً ألفته منذ نعومة أظفاري، حفظت شقوق جدرانه ومواضع الظل فيه، ومع ذلك، ظل هذا الشعور الخفي ملازماً لي كظلي، كشيء لا يرى بالعين المجردة لكنه يحس بثقل جاثم على الصدر، كأن هواء المنزل قد تغيرت كثافته فجأة دون سبب ملموس.كانت عمتي عبير تمشي بجانبي بخطوات متعادلة، رتيبة، تئن لها أرضية الممر أنيناً خافتاً يكاد لا يبين. كانت تتحدث بنبرة هادئة، مسترسلة، عن أشياء يومية بسيطة لا تحتاج إلى إنصات كامل، ولا تستفز العقل للتفكير؛ كانت تمزق صمت المكان بحديث معاد عن خبز الصباح وجودته، وعن أحد أبناء الجيران الذي تغيب عن المدرسة لأيام وأثار قلق أهل الحي، وعن ضرورة أن نشتري بعض الأدوية الضرورية لأمي من الصيدلية القريبة قبل أن تغلق أبوابها مع هبوط الليل.وكنت أنا، في مقابل ذلك السيل من الكلمات العابرة، أومئ برأسي أحياناً، لا لأنني أشاركها الحديث أو أعي تفاصيله، بل لأنني أردت فقط أن أبدو حاضراً في المشهد، أن أمنحها ذلك الرضا الزائف بأنني معها أنصت و
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-06-03
Baca selengkapnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status