Se connecterعاد علي إلى القصر قبل الفجر. كانت السماء لا تزال مظلمة، والنجوم تتلألأ كجواهر باردة في بحر من السواد. أوقف سيارته السوداء عند المدخل الخلفي، كما اعتاد أن يفعل في الليالي التي لا يريد فيها أن يوقظ أحداً. نزل ببطء، ويداه ترتجفان قليلاً، ليس من البرد، بل من ثقل ما كان يحمله في صدره. كان الحراس في أماكنهم، يتبادلون أطراف الحديث في همس. انحنوا له باحترام، لكنه لم يرد التحية. مشى بخطوات ثقيلة نحو المدخل، وكل خطوة كانت تزيده ثقلاً. كان يعلم أن هذه الليلة ستكون مختلفة. كان يعلم أن عليه أن يواجه حلى، وأن يقول لها كل شيء، كما وعد. دخل القصر، وكان المكان هادئاً، فارغاً، بارداً. ألقى بسترته على الأريكة في الصالة الكبرى، وخلع حذاءه عند السلم. كان يريد أن يصعد بهدوء، لئلا يوقظ الأطفال. كان يعلم أن حلى لا تنام في هذه الليالي، كانت تنتظره رغم كل شيء. تسلل إلى غرفة النوم، وفتح الباب ببطء. كان الضوء خافتاً، منبعثاً من مصباح جانبي صغير كانت تتركه حلى مشتعلاً كل ليلة، كنوع من الأمل، أو ربما كنوع من التحدي. كانت حلى نائمة على ظهرها، وشعرها الأسود منسدلاً على الوسادة كخيوط من حرير. كانت ترتدي قميص نوم أ
لم يغادر علي قصر سنان حتى الفجر. كان الجو لا يزال بارداً، والسماء تمطر بغزارة، والرياح تعصف بأشجار الحديقة كأنها تريد اقتلاعها من جذورها. كان الحراس يتناوبون أمام المدخل الرئيسي، وعيونهم تتحرك بقلق، لأنهم كانوا يعلمون أن الاجتماع المطول ليس اجتماعاً عادياً. جلس علي على الكرسي ذاته الذي جلس عليه قبل ساعات، لكن جسده كان قد تصلب من طول الجلوس، وعيناه كانتا محمرتين من قلة النوم. أمامه على الطاولة، كانت الخريطة التي رسمها سنان لشبكة جان لوك لا تزال مفتوحة. كانت الخريطة معقدة، مليئة بالأسماء والأسهم والأرقام، لكن جوهرها كان بسيطاً: جان لوك لم يكن مجرد وسيط، بل كان عقدة مركزية في شبكة تمتد من باريس إلى واشنطن، ومن واشنطن إلى موسكو. سنان وهو يشير إلى نقطة حمراء على الخريطة: «هذه هي فيينا. هنا تعيش ابنته غير الشرعية، كلوديا. تعمل كراقصة باليه في أوبرا فيينا. لا أحد يعرف أنها ابنته، ولا حتى هي. جان لوك يرسل لها أموالاً عبر حساب مصرفي سري في سويسرا، تحت اسم مستعار. إذا حصلنا على رقم ذلك الحساب، فسنملكه.» علي: «وكيف نحصل على الرقم؟» سنان: «لدي رجال في سويسرا. أخصائيون في اختراق الأنظمة المصرف
كانت قاعة الاجتماعات الكبرى في قصر سنان قد خلت من الضيوف الذين غادروا قبل ساعات، لكن بقايا العشاء الفاخر كانت لا تزال مبعثرة على الطاولات المستديرة: أطباق نصف مأكولة، كؤوس نبيذ فارغة، وأعقاب سجائر كوبية لا تزال تفوح منها رائحة التبغ المعتق. كانت الثريات الكريستالية الضخمة معلقة كعناقيد من الضوء البارد، لكنها بدت في تلك الليلة كأنها تبكي أضواءها على موت وشيك. كان سنان جالساً على كرسيه الدوار خلف مكتبه الضخم، يدخن سيجاره الكوبي بهدوء، وعيناه مثبتتان على علي الذي كان واقفاً أمامه بظهر مستقيم ويدين مشبوكتين خلف ظهره. لم يكن أحد منهما يعلم أن هذه الليلة ستكون الأخيرة لهما كصديقين، أو ربما الأخيرة لأحدهما على الإطلاق. سنان بابتسامة متعبة: «علي، ألم تلاحظ كيف كان جان لوك ينظر إليك طوال العشاء؟ إنه يريد أن يلتهمك. الرجال مثله لا يأكلون إلا لحوم الصغار.» علي ببرود: «وأنا لست صغيراً. دعه يحاول.» ضحك سنان ضحكة قصيرة جافة، ثم أطفأ سيجاره وأسند ظهره إلى الكرسي. بدا فجأة أكبر بعشر سنوات، وكأن ليلة واحدة قد شاخت عمره. كانت يدا ترتجفان قليلاً، وعيناه الزرقاوان تلمعان بذكاء مريض. سنان: «لقد لاحظت
وصل عليّ إلى القصر في الثانية صباحاً. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والرياح الباردة تعصف بأشجار النخيل في الحديقة، مما جعل ظلالها ترقص على الجدران الحجرية كأشباح ثائرة. أوقف سيارته السوداء عند المدخل الرئيسي ونزل ببطء؛ لم يأتِ بموكب حراسة، بل ترجل بخطوات ثقيلة كمن يجر أذيال الإرهاق خلفه. كان الحراس في أماكنهم، والخدم نيام. كان القصر هادئاً، لكن هدوءه كان موحشاً تلك الليلة؛ كان هدوء ما قبل العاصفة. دخل الصالة الكبرى، وألقى بسترته على الأريكة، وخلع حذاءه. كان منهكاً، لكنه علم أنه لن يذوق النوم قبل مواجهة "حلى". كان وعيدها لا يزال يتردد في أذنيه: "أسبوع واحد لا أكثر". واليوم، هو اليوم السادس. صعد الدرج الرخامي ببطء، يتأمل اللوحات المعلقة؛ لوحات رسمها فنانون معروفون، اقتناها "كمال" في مزادات عالمية، وظلت شاهدة على ثروته الفاحشة. كانت تذكره بأنه لم يبنِ هذا القصر وحده، بل ورثه عن رجل قضى عليه ببطء. كان كمال يحلم بأن يكون صهره وريثاً مخلصاً، فإذ به يصبح العدو الذي وأد حلمه. كانت حلى تقف أمام باب غرفتهما، ترتدي رداء حمام أبيض قصيراً يكشف عن ساقيها، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها في فوضى
جنيف – فندق الريتز كارلتون – بعد يوم واحد لم يمضِ على مغادرة جان لوك أربع وعشرون ساعة حتى عاد ليطرق باب علي. لكن هذه المرة، كان الطرق مختلفاً. لم يكن واثقاً كالسابق، بل كان سريعاً، نافذاً، كمن أتى ليقول شيئاً لا يحتمل التأجيل. كان علي قد أمضى الليل كله مستيقظاً، يقلب الملفات ويخطط للخطوة التالية. نام قليلاً بعد الفجر، ثم استيقظ على صوت المطر الخفيف الذي كان يضرب زجاج النافذة. لم يتناول إفطاره، واكتفى بثلاثة فناجين من القهوة السوداء التي أعدها بنفسه في غرفته. كان يعلم أن جان لوك سيعود، لكنه لم يتوقع أن يعود بهذه السرعة. فتح الباب، ووقف جان لوك أمامه كالتمثال. كان يرتدي معطفاً رمادياً هذه المرة، وقبعة من الصوف تخفي نصف وجهه. نظارته الشمسية الداكنة لم تفارق عينيه، رغم أن الطقس كان غائماً والممر شبه مظلم. «لقد عدت باكراً،» قال علي وهو يفسح له الطريق. «لم أكن أتوقع رؤيتك اليوم.» «الأمور لا تنتظر،» قال جان لوك وهو يدخل، ثم خلع قبعته ومعطفه وألقى بهما على الأريكة. جلس على الكرسي نفسه الذي جلس عليه بالأمس، لكن هذه المرة كانت وضعيته مختلفة؛ كان مسترخياً، واضعاً ساقاً فوق ساق، كمن جاء
جنيف – فندق الريتز كارلتون – منتصف الليل كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف ليلاً حين أطفأ عليّ آخر سيجارة له في منفضة الرخام الأبيض. كان الدخان لا يزال يتصاعد في هواء الغرفة البارد، مختلطاً برائحة العطر الفرنسي الفاخر التي تفوح بها أجنحة الفندق. الجدران المكسوة بخشب الجوز الداكن كانت تعكس ضوء القمر المتسلل من النافذة البانورامية المطلة على بحيرة ليمان، حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ كجواهر سوداء على سطح الماء الهادئ. لم يكن يشعر بالتعب، رغم أنه لم ينم منذ أكثر من أربعين ساعة. كان يراوده شعور آخر، شيء لم يختبره منذ سنوات: الشعور بأن الخيوط كلها أصبحت في قبضته. كان جالساً على الكرسي الدوار خلف مكتب صغير من خشب البلوط، وأمامه ملف مفتوح يحوي الصور التي أرسلها هانز عن جان لوك، والتسجيلات التي دونها من حديثه مع بيير، والخريطة التي رسمها لعلاقات تاجر الأسلحة الفرنسي في أوروبا. أمامه، على الطاولة الجانبية، كان هاتفه الآمن يرقد كقنبلة موقوتة. كان عليه أن يتصل الآن، قبل أن يغادره الحزم. كان عليه أن يحرك اللعبة إلى مربعها الأخير. نهض من كرسيه ببطء، ومدّ جسده الرياضي المفتول الذ







