Compartilhar

خلف قناع الصمت
خلف قناع الصمت
Autor: Alaa issa

أنفاس مظلمة

Autor: Alaa issa
last update Data de publicação: 2026-06-28 10:54:22

كان الهواء داخل الجناح الرئيسي لشركات "الغريب" خانقاً، رغماً عن البرودة الشديدة التي كان يبثها نظام التكييف المركزي. وقفتُ وتأملتُ انعكاس صورتي في الزجاج المصقول الممتد من الأرض إلى السقف، والذي يطل على ناطحات السحاب الممتدة بلا نهاية. كانت أصابعي ترتجف خلف ظهري وأنا أُعدل ياقة قميصي الأبيض الرسمي، محاولةً التقاط أنفاسي المتهدجة.

الجميع في الخارج حذرني من هذا الرجل قبل أن أخطو عتبة شركته. "كرم الغريب". رجل الأعمال الذي لا يرحم، والذي يلتف حول اسمه غموض شديد وشائعات لا تنتهي عن نفوذ مشبوه وأعمال تُدار في عتمة الظل. لكن حاجتي الماسة للمال، ورغبتي المجنونة في الاختفاء عن عيون ماضيّ الملعون، جعلتني أبتلع خوفي وأقبل بهذه الوظيفة كمترجمة ومساعدة شخصية له.

انفتح الباب الخلفي للمكتب بفخامة صامتة. تجمّع الهواء في صدري وتوقفت حركة الزمن لثانية واحدة عندما خطى إلى الداخل.

لم يكن مجرد رجل وسيم؛ كان يمتلك هالة مرعبة من السيطرة تجبر كل من في الغرفة على الانحناء صامتاً. جسده الطويل والرياضي المغطى ببدلة سوداء مفصلة بعناية، وعيناه الحادتان اللتان تشبهان نصل خنجر بارد يقطع الشك باليقين. لم ينظر إليّ مباشرة، بل توجه إلى مكتبه الخشبي الضخم وجلس، تاركاً إياي واقفة في وسط الغرفة المعتمة إلا من إضاءة خافتة تركزت فوق رأسه.

"شام؟" نطق اسمي بنبرة صوت رخيمة، عميقة، وباردة، لكنها سرت في عمودي الفقري كقشعريرة حرارية غير متوقعة.

"نعم، سيدي،" أجبتُ، محاولةً دفع صوتي ليكون ثابتاً، رغم أن نبضات قلبي بدأت تتسارع بشكل جنوني ومسموع لي.

رفع عينيه الحادتين أخيراً وثبّتهما عليّ. كانت نظرته فاحصة، بطيئة، وتخترقني وكأنه يقرأ أفكاري الدفينة ويعري خبايا روحي. شعرتُ فجأة بالعرى تحت تلك النظرات؛ وكأن القميص الأبيض الذي أرتديه قد ذاب وأصبح شفافاً. استقرت نظراته على عظم ترقوتي المكشوف ببطء استفزازي، قبل أن تعود لتلتقي بعينيّ.

"شروط العمل هنا صارمة يا شام،" قال وهو يستند إلى مقعده الوثير، مشابكاً أصابعه الطويلة القوية. "أنا لا أحب الأسئلة، لا أحب الأخطاء، والأهم من ذلك... أنا لا أحب من يتخطى حدوده معي. هل هذا مفهوم؟"

خطوتُ خطوة غريزية للأمام، محاولةً إثبات شجاعتي المزيفة أمامه. "مفهوم تماماً، سيدي. أنا هنا للقيام بعملي فقط، ولن تراني خارج هذا النطاق."

تحركت زاوية شفتيه بابتسامة ساخرة، مظلمة، لم تصل لعينيه الباردتين. نهض من مقعده ببطء قاتل، وتحرك بخطى محسوبة تذكّرني بنمر يطارد فريسته المحاصرة، حتى أصبح يقف أمامي مباشرة. ابتلعت المسافة بيننا بالكامل. كان طوله الفارع يجبرني على رفع رأسي لتلتقي نظراتنا، وشعرتُ بضآلتي أمام ضخامة منكبيه. تداخلت رائحة عِطره الفخم والأرضي، المخلوط برائحة التبغ، بأنفاسي المضطربة.

انخفض برأسه قليلاً ليصبح بمستوى أذني، ولفحت أنفاسه الدافئة بشرة عنقي الحساسة، مما جعل جسدي بأكمله يتصلب، وشعرت بقشعريرة عنيفة تضرب أطرافي. "سنرى إن كنتِ ستكتفين بعملِك فقط، أم أن فضولكِ الأنثوي سيقودكِ لأشياء أخرى.. قد تؤذيكِ."

تراجعتُ خطوة للوراء بسرعة، مرعوبة من التأثير الجسدي الطاغي الذي يمارسه على حواسي دون حتى أن يلمسني. انحنيتُ بارتباك لالتقاط حقيبتي الجلدية الملقاة على المقعد الممتد بجانبي تمهيداً للمغادرة بعد أن أومأ لي بالانصراف، لكن حركتي المستعجلة جعلت ذراعي يصطدم بطرف مكتبه الخشبي الضخم.

تناثرت الأوراق من حقيبتي المفتوحة، وسقطت بضع ملفات شخصية تخصني على الأرض، لتنزلق تحت التجويف السفلي المظلم لمكتبه.

"أنا.. أنا آسفة،" تمتمتُ غارقة في خجلي وتوتري، وأنا أنزل على ركبتي بسرعة لأجمع الأوراق، بينما انسدل شعري على وجهي ليخفي حمرتي المضطربة وضيق أنفاسي.

مددتُ يدي تحت المكتب المظلم لأسحب أوراقي، لكن عينيّ وقعتا بالصدفة على شيء جعل الكون يدور من حولي. في عمق التجويف المخفي، كان هناك ملف جلدي أسود غريب نصف مفتوح، لمحتُ خلف صفحاته الأولى شيئاً مألوفاً.. شيئاً يخصني ويخص السر الذي دفنته عائلتي منذ سنوات طوال، وتحته كُتب بخط عريض وأحمر كالدماء: "الهدف: التصفية الكاملة".

تجمد الدم في عروقي. توقفت أنفاسي وتحجرت يدي الممدودة في الهواء، وشعرت برعب يتدفق كالثلج في جسدي.

قبل أن أستوعب الصدمة أو أتحرك، شعرتُ بظل داكن وضخم يغمرني بالكامل من الخلف. وقبل أن أتمكن من سحب يدي، شعرتُ ببرودة وسخونة كف ضخمة وقوية تقبض على معصمي بقوة مفرطة، لتشل حركتي وتجبرني على الالتفات وأنا لا أزال على ركبتي.

انحنى "كرم" فوقي، محاصراً جسدي المستسلم بين صدره العريض وحافة المكتب، وكانت عيناه تشعان بظلام دامس يبتلع الضوء وهو يهمس بالقرب من شفتي المرتجفتين، ليرتفع التوتر بيننا إلى حد الانفجار:

"لقد حذرتكِ للتو من تخطي الحدود... والآن، رأيتِ شيئاً سيجعلكِ ملكاً لي حتى تصمتي للأبد."

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • خلف قناع الصمت   في بيتك

    وصلنا إلى دمشق في الصباح الباكر، كرم وأنا في رحلتنا الأولى معاً بعد الزفاف. كانت دمشق في ذلك الصباح تحمل من الهواء شيئاً لا تحمله دبي، رطوبةً خفيفة تجعل التنفس أثقل بقليل وأعمق بكثير. وقفتُ في المطار لحظة وأخذتُ نفساً عميقاً. قال كرم: "مرحباً بك في مدينة نجلاء." قلتُ: "مرحباً بنا." ريم كانت تنتظرنا في بيت العتبة. وحين دخلنا الزقاق الضيق المُؤدّي إلى البيت وجدتُ أن شيئاً تغيّر في طريقة رؤيتي له. في المرة الأولى كنتُ أنظر إليه بعيون من يدخل مكاناً يحمل تاريخاً لا يعرفه كاملاً. هذه المرة نظرتُ إليه بعيون من تعرف. فتحت ريم الباب قبل أن نطرق. نظرتُ إليها ونظرت إليّ ولم نقل شيئاً لحظةً. ثم قالت: "أهلاً بك في بيتك." لم تقل في بيت نجلاء. قالت في بيتك. دخلنا. الفناء كما هو، النافورة الصغيرة، شجرة الياسمين في الزاوية، والجدران الحجرية التي تمتصّ الحرارة. جلسنا وجاءت ريم بالقهوة. قلتُ لريم: "كيف هي الحياة هنا؟" فكّرت لحظة. "أهدأ مما كانت في أيام المعارك القانونية. لكنها أعمق بطريقة لم أتوقعها. لأنه كل يوم تأتي إليّ امرأة وتجلس في هذا الفناء، وأنا أنظر إلى الفناء وأتذكر نجلاء وكيف أنها بنت ه

  • خلف قناع الصمت   الجهد أن تتعلّم كيف تعيش

    في الأيام الثلاثة التي تلت الزفاف لم يحدث شيء استثنائي. وكان هذا بحد ذاته استثنائياً. في صباح اليوم الأول استيقظتُ متأخرةً لأول مرة منذ أشهر. لم يكن هناك اجتماع مُبكّر ولا ملف ينتظر ولا نور تنتظر اتصالاً. كان هناك صوت كرم في المطبخ يُعدّ القهوة ورائحة الخبز المحمّص التي أدركتُ أنني لم أشمّها منذ وقت طويل. دخلتُ المطبخ. قال كرم دون أن يلتفت: "الخبز جاهز." جلستُ على كرسي المطبخ. أكلنا الخبز المحمّص مع قطعة من الجبن وشربنا القهوة. لم نتحدث في شيء مهم. ولم يكن هناك شيء مهم يحتاج أن يُقال في ذلك الصباح. وكان هذا كافياً تماماً. في اليوم الثالث بدأ كرم يُحدّثني عن أمه. قال: "أمي كانت تُحبّ الزهور البرية. ليس زهور البيوت التي تُزرع في أصص وتُعطى أسماء. كانت تُحبّ ما ينبت وحده. حين كنّا صغاراً كانت تأخذنا في نزهات خارج المدينة وتُريّنا الزهور التي نبتت في الشقوق بين الصخور. وتقول إن الزهرة التي تنبت في الشق لا تنتظر من يزرعها. تجد طريقها لأن هذا ما تعرف أن تفعله." "ولماذا تُخبرني بهذا الآن؟" "لأنني رأيتُ ريم حين كانت تضع ضمة الياسمين على الطاولة. وفكّرتُ في أمي وفي الزهور البرية. ونجلاء ك

  • خلف قناع الصمت   يوم الزفاف

    وصلت ريم في الصباح الباكر قبل أن تتحرك الشرفة بأي نشاط. كانت تحمل حقيبة صغيرة وفي يدها شيء ملفوف بقماش أبيض بسيط. حين رأيتُها في الردهة بكينا معاً قبل أن نقول كلمة واحدة. ليس بكاء حزن ولا بكاء فرح بل بكاء الأشياء الكثيرة التي لا تستطيع تسميتها دفعةً واحدة. قالت حين هدأنا: "أحضرتُ شيئاً من بيت العتبة." فتحت الملفوف بهدوء. كانت ضمة صغيرة من زهور يابسة من حديقة البيت، مربوطة بخيط بني قديم. "نجلاء كانت تُحبّ الحديقة. وهذه من شجرة الياسمين التي كانت تجلس بجانبها." أمسكتُ الزهور اليابسة بيدي. كانت خفيفة جداً. وكان في هذه الخفة شيء لا يُوصَف. بدأ الضيوف يصلون في ساعة المساء. جاء أبو وليد أولاً، بثيابه الرسمية وعيون تحمل الرضا الهادئ لرجل أتمّ ما بدأه في حياته. ثم نور، التي دخلت بثياب بسيطة وابتسامة خفيفة ونظرت نحوي بطريقة لا تحتاج كلاماً. ثم أبو تركي مع زوجته، وبعضٌ من فريق الشركة والوقف ممن كانوا جزءاً من هذا الطريق. كانت الشرفة حين اكتمل الجمع تحمل شيئاً لا تستطيع الإضاءة أو الزهور أو أي تزيين آخر أن يُصنعه: حضور أناس يعرف كل منهم لماذا هو هنا. على الطاولة الصغيرة في الزاوية وُضع شيئا

  • خلف قناع الصمت   كل هذه القهوات في كل هذه الصباحات

    ليلة ما قبل الزفاف لم تكن كما صوّرتُها في خيالي أحياناً: لا ضجيج ولا إضاءة ولا نسيان يدور على الشفاه كما في الأفراح التي تُصنع للآخرين قبل أن تُصنع لأصحابها. كانت ليلةً هادئة بالمعنى الذي تكون فيه الأشياء الحقيقية هادئة: حاضرة دون إعلان. جلسنا بعد العشاء في الجناح الكبير، أنا وكرم وأمي ويوسف وخالد. لم نتحدث في شيء مهم. جلسنا وشربنا الشاي وتحدّثنا في أشياء عادية: عن طعام أمي الذي كانت قد أعدّت نصفه مسبقاً وأودعته الثلاجة، وعن يوسف الذي كان يسأل عن ترتيب الكراسي في الشرفة كأنه يُدير لوجستياً لمهمة لا حفلاً، وعن خالد الذي أخبرنا أنه اشترى جلابيةً جديدة لأن يوسف قال له إن على المدعوين أن يرتدوا ما يُشعرهم بأنفسهم، فقرر خالد أن الجلابية هي ما يُشعره بنفسه أكثر من أي شيء آخر. ضحكنا. وكانت تلك الضحكة من النوع الذي يبدأ من كلمة واحدة ويمتد إلى أن تجد نفسك تضحك لأنك تضحك لا لأن الموضوع الأصلي لا يزال مضحكاً. في ساعة متأخرة نسبياً قام كرم وقال إنه سينام. نظر إليّ قبل أن يُغادر الغرفة. لم يقل شيئاً. ولم أقل أنا شيئاً. وكان في ذلك النظر والصمت الذي تلاه كل ما لا يحتاج إلى كلمات لأن الكلمات كان

  • خلف قناع الصمت   القوس يُتمّ بالاتصال بين نقطتَين

    في الأيام الثمانية التي سبقت يوم الزفاف حدث شيء لم أُخطّط له: الوقت تباطأ. ليس بالمعنى الذي يتباطأ فيه الوقت حين تنتظر شيئاً بقلق، بل بالمعنى الذي يتباطأ فيه حين تريد أن تُبقي لحظةً قائمةً أطول مما تسمح به طبيعتها. في اليوم الخامس قبل الزفاف ذهبتُ بمفردي إلى المكان الذي اخترناه لإقامة حفل الزفاف. كانت شرفةً واسعة في أعلى مبنى قديم في حي عريق، تطل على خليج هادئ وتبدو في ساعات المساء كأنها معلّقة بين المدينة والسماء. اخترناها لأن فيها شيئاً لا يُوجد في القاعات المُعدّة لهذا الغرض: صدقاً غير مُصمَّم. وصلتُ قبل أن يأتي أي أحد من المسؤولين عن التحضير. جلستُ على الحافة الحجرية للشرفة، كان الهواء في تلك الساعة من الصباح يحمل برودةً خفيفة لا تُزعج بل تُنبّه. ونظرتُ نحو الخليج الذي بدا في تلك الساعة أكثر صدقاً مما يبدو في ساعات الضجيج. فكّرتُ في نجلاء. ليس برسالتها هذه المرة ولا بوثائقها. فكّرتُ فيها كامرأة في الثلاثين أو الأربعين من عمرها، في مدينة بعيدة عن كل ما تعرفه، تُعدّ قهوتها الصباحية وحدها وتنظر من نافذتها إلى سماء لا تعرف أسماء أحيائها. هذه الصورة الصغيرة والصامتة كانت تؤلمني بشكل

  • خلف قناع الصمت   القوس أُتمّ

    اتصل أبو وليد في صباح الأحد من دمشق. صوته في الهاتف يحمل دائماً تلك الثقة الهادئة لرجل عرف القانون أربعين عاماً وتعلّم أن ثقته بالكلمة الواحدة الصحيحة أهم من عشر كلمات مُتسرّعة. قال: "شام، أريد أن أزورك في دبي." "أبو وليد؟ هل كل شيء بخير؟" "كل شيء بخير. لكن عندي شيء لا أريد أن أُرسله عبر البريد ولا أن أتكلم عنه في الهاتف. شيء كان في حوزتي منذ سنوات وكنتُ أنتظر اللحظة الصحيحة لإعطائه لمن يستحقه." وصل أبو وليد بعد يومَين، يحمل محفظته الجلدية القديمة التي تعرّفتُ عليها من زيارة دمشق. جلس في مكتبي، وضع المحفظة على الطاولة أمامه ولم يفتحها في البداية. شرب القهوة ثم قال: "نجلاء حين أعطتني هذا الشيء قالت لي جملةً واحدة: أعطه لمن سيعرف لماذا تركتُه أخيراً. لم تقل لمن سيعرف ما فيه. قالت لمن سيعرف لماذا تركتُه. وأنا ظللتُ سنواتٍ أسأل نفسي من هو هذا الشخص. وحين جئتِ أنتِ وسمعتُ ما فعلتِه، عرفتُ." أخرج من المحفظة ظرفاً أصغر مما توقّعتُ. كان ظرفاً عادياً بحجم الكف، مغلقاً بطريقة قديمة، حافته جافة من القِدَم. "رسالة. كتبتها نجلاء قبيل وفاتها بأسابيع. ليست وصيةً وليست وثيقة قانونية. رسالة شخصي

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status