LOGINولما الحبيب يبقى الجلاد… إيه أصعب وجع ممكن يموت الروح؟ مش الفراق… ولا الموت! الأصعب إنك تصحي يوم وتلاقي إن الحضن الوحيد اللي كنتِ بتجري عليه من الدنيا، بقى هو نفسه اللي بيكسرك. تبصي في عين اللي كان بيداوي جرحك، فتلاقي فيها القسوة اللي بتوجعك. الإيد اللي كانت بتمسح دموعك، بقت هي اللي بتأذيكي. والصوت اللي كان بيهمسلك: «متخافيش»… بقى هو السبب في خوفك! دي حكاية لينا وعاصم… اتنين حاربوا الدنيا كلها عشان حبهم، واستحملوا كتير لحد ما قدروا يجتمعوا تحت سقف واحد. لكن أحيانًا، الوصول للحلم مش بيكون نهاية الوجع… بل بدايته. ظرفٌ ملعون قلب حياتهما رأسًا على عقب، وحوّل الحب إلى جرح، والأمان إلى خوف، والقرب إلى فراق. وفي لحظة، وجد عاصم نفسه خلف القضبان، بينما كانت لينا تحمل في قلبها وجعًا أكبر من قدرتها على الاحتمال. فهل كان ما حدث مجرد ظلمٍ عابر؟ وهل يستطيع الحب أن يصمد بعدما تُجرح الكرامة؟ حين يصبح أقرب شخص إلى قلبك هو أكثر شخص تسبب لك في الألم… فهل تسامحين؟ أم أن هناك جروحًا لا يشفيها الحب مهما كان عميقًا؟ بين الحب والوجع… تبدأ الحكاية. رواية: نارين بين الحب والوجع بقلم: ليلى طاهر
View More*البارت الأول*
في منتصف الجنينة تمامًا، استقرت طاولة فخمة مزينة بالورود والشموع، تعلوها علبة هدية فاخرة التف حولها شريط مخملي أحمر بعناية واضحة. الجميع كان ينتظر. فالجميع يعلم كم تعبت "لينا" في التحضير لهذا اليوم، وكم كانت تحب "عاصم" بطريقة جعلتها تتحدى الجميع من أجله. وقفت لينا بين الحضور بفستانها الأسود الأنيق، وابتسامتها المليئة بالحماس لا تفارق وجهها، بينما كانت عيناها معلقتين بالرجل الذي اتجه نحو الطاولة بخطوات ثابتة وملامح جامدة كعادته. كان عاصم من النوع الذي يصعب قراءة ما يدور داخله، لكن لينا وحدها كانت تؤمن أنها تحفظ كل تعبير يمر بعينيه. أو هكذا كانت تظن. هدت الموسيقى وبقى صوتها واطي وسط تصفيق الحاضرين، بينما مدّ عاصم يده يفك الشريط المخملي ببطء. في تلك اللحظة، رفعت لينا هاتفها سريعًا وفتحت الكاميرا. أرادت أن تحتفظ بهذه اللحظة للأبد... لحظة فرحته بهديتها كانت تتخيل ابتسامته، ونظرته لها، وربما حضنه أمام الجميع. لكنها لم تكن تعلم أنها توثق انهيار حياتها بالكامل. فتح عاصم العلبة أخيرًا. عقد حاجبيه باستغراب عندما وجدها فارغة... إلا من ظرف أبيض أنيق، وُضعت فوقه بطاقة صغيرة بخط مزخرف أخذ البطاقة أولًا. ـ "كل سنة وإنت طيب يا حبيبى... بحبك. استعد للمفاجأة اللي في الظرف." ظهرت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة باهتة، أقرب لوجع قديم مرّ بخاطره للحظة، قبل أن يهمس داخله بحيرة تقطع القلب: _"يا رب تكوني زي ما قلبي شايفك... مش زي ما عيني شايفة"_ ثم فتح الظرف. وأخرج الأوراق التي بداخله. في الثانية الأولى... لم يفهم. وفي الثانية التالية... تجمّد كل شيء داخله. اختفى صوت الموسيقى. اختفت همسات الناس. حتى الهواء بدا وكأنه انسحب من المكان فجأة. اتسعت عيناه بصدمة مرعبة وهو يحدق في الملف بين يديه. ذلك الملف... الملف الذي اختفى من شركته منذ شهرين. الملف الذي دمّر مستقبله، وأسقط اسمه وسمعته في لحظة واحدة. ارتجفت أنفاسه بعنف، بينما راحت عيناه تتحركان فوق الأوراق وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه. ثم لمح الورقة المطوية أسفل الملف. فتحها ببطء.. ليظهر أمامه نفس الخط المزخرف، لكن هذه المرة، الكلمات كانت أشبه بطعنات متتالية: (عارف يا عاصم أنا عارفة إني أكتر شخص حبيته ووثقت فيه وده اللي هيخلي وجعك أكبر عشان أنا برده نفس الشخص اللي دمرك أخيرًا قدرت أنتقم منك ومن عيلتك... وأشوف كسرتك بعيني، زي ما عيلتك كسرت بابا وقتلته بحسرته.) تصلب جسده بالكامل. وببطء شديد، رفع عينيه نحو لينا. كانت لا تزال تبتسم بخفة خلف شاشة هاتفها، تنتظر ردة فعل مختلفة تمامًا. لكن ابتسامتها بدأت تذبل تدريجيًا عندما رأت التغير المرعب الذي اجتاح ملامحه. الغضب اشتعل داخل عينيه بصورة أخافتها. أما هو... فكان ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى. وكأن المرأة التي أحبها لسنوات تحولت فجأة إلى شخص آخر لا يعرفه. كرمش الأوراق بعنف داخل قبضته، فانتفض جسدها تلقائيًا. انخفض الهاتف قليلًا من يدها المرتعشة، وهمست بخوف: - عاصم...؟ لم يرد. ظل يحدق بها فقط. تلك النظرة وحدها كانت كافية لتسحب الأمان من قلبها بالكامل. اقتربت منه خطوة مترددة، محاولة فهم ما يحدث. - في إيه؟ مالك؟ صمت. ثم رفع الورقة أمام وجهها فجأة، وصوته خرج حادًا ومختنقًا بالقهر: - أنا المغفل... صح؟ تجمدت ملامحها. بينما أكمل بانفعال متصاعد: - أنا المغفل اللي حبك لدرجة العمى... واللي صدق إنك ممكن تختاريه هو بس. هزت رأسها بسرعة بعدم فهم. - أنا مش فاهمة حاجة! فهمنى أرجوك. ضحك ضحكة سخرية هزت الجنينة كلها. _أفهمك..._ قالها بهدوء يقطع القلب. ثم صرخ فجأة، حتى التفت الجميع نحوهما: _أفهمك إيه؟!_ - ازاي عملتي كده؟! رفع الأوراق أمامها بعصبية وهو يكمل بصوت مرتجف من القهر: - أنا سيبت الدنيا كلها علشانك! وقفت ضد أهلي علشانك! وفي الآخر تطلعي خاينة؟! بدأت دموعها تنهمر دون إرادة. كانت تشعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كل شيء يحدث بسرعة مرعبة... أسرع من قدرتها على الفهم. اقترب منها أكثر، وعيناه امتلأتا بوجع حقيقى: - كل مرة قولتيلي فيها إنك بتحبيني... كانت كدب؟ هزت رأسها بعنف وهي تبكي: - والله ما فاهمة... ثم اقتربت منه بخطوة صغيرة، وكأنها ما زالت تتشبث بالأمل: - عاص... لكن الكلمة ماتت فوق شفتيها. لأن كفه ارتفعت فجأة... وصفعها بقوة. دوّى صوت الصفعة في أنحاء الجنينة، فتجمد الجميع في أماكنهم. سقط الهاتف من يدها وارتطم بالأرض، لتتحطم شاشته بالكامل كما تحطم قلبها الرقيق. أما هي... فبقيت واقفة مكانها، تنظر إليه بصدمة هائلة، ويدها المرتعشة ترتفع ببطء نحو شفتيها. ساد صمت ثقيل. صمت موجع. لكن وسط ذلك الصمت، بدأت الهمسات تتحرك بين الحضور بارتباك وخوف: - إيه اللي بيحصل ده؟ - هما بيتخانقوا ليه كده؟ ده كانوا بيموتوا في بعض! الكل مذهول ومش مستوعب اللي بيحصل... محدش فاهم إيه اللي في الورق أصلاً. لكن وسط الزحمة، كانت هناك عين واحدة فقط تراقب بابتسامة خبيثة منتصرة. عين صاحب المكيدة... هو الوحيد اللي عارف إيه اللي في الورق، وهو الوحيد اللي مبسوط وهو بيشوف حياتهم بتنهار قدامه. وهنا فقط... شعرت لينا أن شيئًا بداخلها انكسر للأبد. اقترب عاصم منها مرة أخرى، وصوته خرج مليئًا بالغضب والاحتقار: _اوعي تنطقي اسمي تاني على لسانك._ ثم أشار نحو بوابة الجنينة بعنف: - اخرجي برّه... اخرجي من حياتي كلها. نظرت إليه بعين مرتجفتين، وكأنها تحاول العثور على الرجل الذي أحبته داخل ذلك الوجه القاسي. لكنها لم تجد شيئًا. استدارت فجأة، وركضت. ركضت بأقصى ما تملك، هاربة من نظرات الناس، ومن صوت بكائها، ومن الألم الذي سحق قلبها بالكامل. كانت على وشك عبور البوابة الحديدية عندما مزق صوته المكان: - ليييينا! تجمدت خطواتها. لكنها لم تلتفت. قبضت فوق فمها المرتجف بقوة، بينما جسدها كله يرتجف. ثم وصلها صوته مرة أخرى... أقسى من كل شيء: - إنتِ طالق. انغلقت عيناها بقوة، وكأن الكلمات اخترقت روحها مباشرة. دفعت البوابة الحديدية وخرجت إلى الشارع المظلم، بينما اختلطت دموعها بأنفاسها المتقطعة. أما عاصم... فبقي واقفًا وحده في منتصف الجنينة، وسط الأضواء والناس والضوضاء. لكنه كان يشعر وكأن العالم كله أصبح مظلمًا. نظر إلى الأوراق المتكرمشة داخل قبضته، بينما سؤال واحد فقط يمزق عقله: هل.....ما إن انتهت الممرضة من كلماتها، حتى ترك مراد ذراعها واندفع إلى داخل الغرفة، يتبعه سليم بخطوات متعجلة، بينما أسرعت هي في الاتجاه الآخر لاستدعاء الطبيب.توقف مراد عند عتبة الباب للحظة، وكأنه لا يصدق ما تراه عيناه.كان عاصم مستلقيًا على فراشه، وعيناه مفتوحتان، تتنقلان ببطء بين أرجاء الغرفة، بنظرات شاردة لا تستقر على شيء.اقترب مراد منه مسرعًا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة امتزجت بدموع لم يستطع حبسها.«عاصم!.. يا حبيبي، حمد الله على سلامتك!»انحنى عليه وأمسك بيده، ثم تابع بلهفة وهو يحاول التقاط نظراته:«عاصم، إنت سامعني؟ أنا مراد.. بص لي يا حبيبي.»تحركت عينا عاصم ببطء نحو مصدر الصوت، واستقرتا على وجه مراد للحظات، لكنه لم ينطق بكلمة، ولم تظهر على ملامحه أي علامة تدل على أنه تعرف إليه.ابتلع مراد غصته، والتفت إلى سليم الذي كان يقف بجواره، وعيناه معلقتان بوجه صديقه، وعلى شفتيه ابتسامة لم تفارقه منذ أن رآه مفتوح العينين.اقترب سليم بدوره، وربت برفق على كتف عاصم قائلًا بصوت غلب عليه التأثر:«ألف حمد الله على سلامتك يا صاحبي.. أخيرًا نورت الدنيا تاني.»ثم حاول أن يخفف من تأثره بابتسامة:«
ارتسمت على شفتيها ضحكة خافتة، امتزجت فيها السخرية بالانكسار. صمتت لثوانٍ، غاصت خلالها في صمت موحش، وعيناها معلقتان بوجهه الغائب، قبل أن تعود وتقول بنبرة مخنوقة:«دي المفاجأة اللي كنت محضراها ليك..»سكتت مرة أخرى، وارتفعت غصّة مريرة من أعماقها كادت تقطع أنفاسها، ثم تابعت بوجع:«بس مع الأسف.. إنت كسرتني وطردتني!»توقفت للحظة، ثم رفعت يدها المرتجفة ومسحت دموعها بكمّ سترتها، وهي تشهق بوجع. اقتربت بوجهها منه أكثر، وضمت كفّه إلى خدها، وقالت بلهفة جارفة، متخليةً عن كل عتابها:«بس مش مهم.. مش مهم أي حاجة دلوقتي.. المهم إنك تفوق وتصحى!»ظلت ممسكة بيده، تضغط عليها وكأنها تخشى أن تفقد آخر ما يربطها به، وعيناها تتشبثان بملامحه في انتظار أي إشارة منه، حين انفتح الباب بهدوء، ودخلت الممرضة.تقدمت نحوها بنظرة متعاطفة، لكنها حازمة، ثم قالت بصوت خفيض:«ما ينفعش كده يا مدام.. المريض محتاج راحة تامة، وحضرتك كده بتضغطي عليه وعلى أعصابه، وده غلط على حالته دلوقتي.»ابتلعت لينا غصتها، ورفعت يدها الأخرى تمسح دموعها المتبقية بسرعة، ثم نظرت إلى الممرضة وأومأت برأسها قائلة بصوت متحشرج:«حاضر..»أرخت قبضتها عن كف
كانت لينا تجلس أمام المرآة، تمشط شعرها، حين سمعت صوت عاصم يدخل الغرفة بعد عودته من سيارته.لم تكد تلتفت نحوه حتى اقترب منها من الخلف، وأحاطها بذراعيه، ثم هزها برفق وهو يضمها إليه، قائلًا بحنان:«وحشتيني أوي يا لينا.»ابتسمت لينا، ونظرت إليه من خلال المرآة بمشاكسة:«يا سلام؟! وأنت لحقت تنزل أصلًا؟ ده أنت مابقالكش دقيقتين يا دوب وصلت للعربية وعندك ميعاد مهم!»ابتعد عنها قليلًا، ثم جلسها أمام منضدة الزينة، وأخذ المشط من يدها، ليبدأ في تمشيط شعرها برفق، وهو يتأمل انعكاس وجهها في المرآة.قال بصوت هادئ، يحمل من الصدق ما جعل قلبها يخفق:«تعرفي يا لينا.. إنتي بتوحشيني حتى وإنتي في حضني، بحس إن أنا مش عايش غير وإنتي معايا.»تعلقت عيناها بعينيه في المرآة، وابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيها. كانت تحبه بكل ما فيها، وكان قربه منها يمنحها شعورًا بالأمان لا يشبهه شيء.وضع عاصم المشط جانبًا، ثم مال نحوها وقبّلها.كانت قبلة هادئة وعميقة في آن واحد، تدفق فيها حبهما كأنفاس متلاحقة، جعلت الزمن يتوقف حولهما، وأشعرتهما بأن العالم بأسره قد اختفى، ولم يعد هناك سوى نبضاتهما المتسارعة التي تعهدت ألا يفرق بينهما
لكنها سحبت يدها من يده بقوة، وأدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، رافضة حتى النظر إليه من شدة زعلها وعتابها له.عقد مراد حاجبيه باستغراب وحزن، وارتسم الضيق والأسى على ملامحه؛ فهو يعلم كم جرحتها حقيقة أنه أخفى عنها ما حدث.اقترب منها أكثر، وقال بصوت خافت يملؤه الشجن:«أنا عارف إنك زعلانة مني يا ماما.. وحقك عليا. بس والله أنا عملت كده عشان كنت خايف عليكي وعلى صحتك ومش عايز أصدِمك.. وكمان مكنتش عارف هقولك إيه!»توقف لحظة، ثم تابع بصوت مثقل بالعجز:«الفترة دي أنا كنت بتعذب كتير ومش عارف أتصرف إزاي ولا أروح فين. عاصم مرمي في المستشفى تحت الحراسة، وممنوع حتى إني أشوفه أو أطمن عليه، وأنا واقف عاجز مش قادر أعمل له حاجة.»ثم أمسك يدها برفق، وتابع:«بس الحمد لله، عاصم هيطلع براءة لأن تحليل الـDNA طلع سلبي والجثة مش لينا أصلًا.»تأثرت نجاة بصدق كلماته، والتفتت إليه ببطء، وقد امتزجت الدموع في عينيها بالارتياح بعد أن زال عنها كابوس التهمة.قالت بصوت واهن:«يعني خلاص يا مراد؟ مش هيتحبس؟»ضغط مراد على يدها بحنان، وابتسم لها رغم الدموع التي لمعت في عينيه:«أيوه يا ماما..»تنفست نجاة بارتياح، ثم قالت بلهف






reviewsMore