Masukما إن أغلق برينتن الباب خلفه مهرولاً، حتى التفت إيڤان ببطء شديد نحو مِيلَا. كانت ملامحه تشبه العاصفة الراكدة التي تسبق الانفجار الأخير، وبرزت عروق رقبته بوضوح فاضح يترجم حجم الغيظ الذي أحرقه للتو. أما مِيلَا، فلم تستطع تمالك نفسها أكثر؛ انفجرت ضاحكة بصوت خفيض وهي تغطي فمها بيديها، مظهرة تشفياً واضحاً وابتسامة انتصار أثارت جنونه تماماً. خطا إيڤان نحوها بخطوات بطويلة ومرعبة، ولم يترك لها مجالاً للهروب؛ إذ استند بكلتا يديه على حافة السرير محاصراً إياها تماماً، واقترب بوجهه حتى أصبحت أنفاسهما تمتزج بحدة. قال بصوت خشن ومتهدج يقطر توعداً لا يرحم: — "تضحكين...؟! يبدو أنكِ تجدين طرافة بالغة في ما حدث للتو يا مِيلَا. ألا يكفيكِ استفزازاً أن ذلك الأحمق اقتحم المكان، لتعززي غروركِ بضحكاتكِ هذه؟!" رفعت مِيلَا ذقنها بتمرد عنيد، ورغم تسارع دقات قلبها من قربه القاتل، ردت بصوت مبحوح يقطر سخرية: — "وماذا أفعل إن كان إنكارك البارد أضعف من أن يصمد لثانية واحدة أمام ممرض مسكين؟! وجهك كان يروي الحكاية كلها يا إيڤان... فلا تتعب نفسك بالنفي بعد الآن!" اشتعلت عيناه بنيران سوداء لا ترحم. وبحركة خاطفة وح
وما إن انتهت مِيلَا من وجبتها حتى أبعدت الصينية بحدة، وعدلت جلستها بتحدٍ سافر وابتسامة مستفزة تزين شفتيها، لتستأنف الحرب الباردة بينهما، قائلة بصوت مبحوح يقطر سخرية:— "وما زلت تنكر يا إيڤان! تنكر أنك تهتم، وتصر على أن وجودك هنا هو مجرد فرض سيطرة... بينما كل ملامحك تفضح حقيقة أنك صرت مهووساً بي، وأن فكرة أن ينظر إليك غيري أو يفلت خطامي من يدك تكاد تفقدك صوابك تماماً!"تصلب إيڤان في مكانه تماماً؛ لكنه بدلاً من أن ينفعل، استعاد قناع بروده وجبروته بسرعة مذهلة. انحنى قليلاً ليقترب من وجهها، وقال بصوت جاف، عميق، وخالٍ تماماً من الانفعال ليضرب على وتر الإنكار البارد:— "أغار؟! ومهووس بكِ؟! تواضعِ قليلاً في قراءة الأمور يا مِيلَا. أنا لا أغار... ووجودي هنا، وتشددي، وفرضي للسيطرة، ليس سببه أي من هواجسك العاطفية الوهمية، بل لأنني لا أسمح لأي إهمال أن يفسد حساباتي الأمنية. واعلمي جيداً، لو قررت يوماً ألا أرى وجهكِ مجدداً أو أبتعد عن طريقكِ، فلن تتضايقي حتى، بل سترتاحين من تسلطي... فلا تخلطي الأمور."أضرمت كلماته نار التحدي في صدرها، وكادت ترد عليه بصفعة لفظية أخرى تكشف كذب بروده وتضايقه الحقيقي
ظلت أنفاسهما تتقاطع في حيز ضيق ومحكوم بالتوتر، بينما كانت أصابعه تقبض على ذقنها بحزم مستبد يخفي خلفه عاصفة لا تهدأ. لم تبعد عينيها عنه، بل زادت عناداً وتحدياً، ورفعت ذقنها بتمرد أعمى وكأنها تصر على إشعال النيران في كل حواجزه. قال إيڤان بصوت منخفض، خشن، ويهتز بتسلط قاسي لا يرحم: — "تظنين أن بإمكانكِ أن تلعبي لعبة العناد والغرور وتخرجي منها منتصرة يا مِيلَا؟! أنتِ لا تعرفين بعد مع من تتعاملين. هنا... أنا وحدي من يفرض القواعد، وعنادكِ هذا لن يوصلكِ إلا إلى حيث أشاء أنا." أفلت ذقنها ببطء متعمّد، وكأنه يمنحها مساحة لتدرك مدى خطأ تمردها، ثم استند بإحدى يديه على حافة السرير بجانبها، ليحاصرها تماماً بين ذراعيه ويثبتها في مكانها بجبروته المطلق. تابع بلهجة ساخرة ولاذعة: — "لا طعام، لا حديث، وتحدٍ أطفال طوال اليوم... هل تظنين حقاً أن إضرابكِ الصبياني هذا سيجعلني أنحني لشروطكِ أو أهرع لإرضائكِ؟ أنتِ تجهلين تماماً كيف أكسر هذا الكبرياء المزعج." لم تنكسر مِيلَا أمام هيبة تسلطه؛ بل زادها عنادها اشتعالاً. ضيّقت عينيها بحدة، ودفعت صدره بخفة بظهر كفها لتوسيع الفجوة بينهما، وردت بصوت مبحوح يقطر تحد
تصدى صوته الحاد لجدران الغرفة، وتردد صداه في ذهنها وكأنه قانون مطلق لا مساومة فيه. لكن، وسط ذلك الرعب الذي تسلل إلى عروقها، تناهت إلى كبريائها المجروح قسوة طريقته في التعبير؛ وكالعادة، أراد أن يغطي على ضعفه واعترافه الضمني بفرض سيطرته المطلقة وإرهابها بكلماته. استجمعت مِيلَا ما تبقى من فتات شجاعتها، ورغم الدموع التي كانت تبلل وجنتيها، رفعت ذقنها بتمرد عنيد، ونظرت إليه بتحدٍ سافر وهي ترد بصوت مبحوح ومرتجف لكنه يحمل إصراراً غريباً: — "ولماذا تحذّرني بهذه العصبية إن كنت لا تبالي؟! هدد كما تشاء، وافرض سيطرتك بالطريقة التي تعجبك يا إيڤان... لكنك لن تستطيع أبداً أن تغير حقيقة أنك تفقد صوابك هكذا لأنك تخشى خسارتي!" تصلب إيڤان في مكانه تماماً. كأن صعقة كهربائية سرت في جسده من جرأتها التي لم تتراجع حتى بعد كل ذلك الغضب. ضيّق عينيه بحدة قاتلة، وانسلخ كل ما تبقي من هدوء في وجهه ليستحيل إلى جمود صقيعي مرعب. لم يعد ينطق بحرف واحد؛ بل اكتفى بنظرة أخيرة تنضح بالوعيد والتهديد الصامت، نظرة تحمل معنى واحد: *«أنتِ تذهبين بعيداً جداً يا مِيلَا، وسأجعل ثمن هذا العناد باهظاً»*. استدار ببطء، وخطا نحو ال
ظلت مِيلَا ثابتة في مكانها، تتحدى غضبه بابتسامة خفيفة، غير مهتمة بالنيران التي تكاد تلتهم أعصابه. رمشتها الواسعة وتحديها البريء كانا كفيلين بإشعال آخر ذرة من وقاره.أطبق إيڤان بيديه بقوة على حافة الفراش، واقترب بوجهه أكثر حتى أصبح جداراً من الصلابة والغيظ يحيط بها من كل جانب، ليتمتم بصوت خشن وساخن يخرج من بين أسنانه كأنه يصارع شيطاناً:— "تباً لجنونك يا مِيلَا... أتريدين إشعال النار بي حقاً؟ أيتها الطفلة العنيدة، أما زلتِ تعيدين أسطوانة أنني أرفضكِ لأنني أراكِ طفلة حمقاء لا تعي ما تدفع به؟!"رفعت مِيلَا ذقنها بتذمر مصطنع وعتاب مشحون بالدلال، وردت بصوت مبحوح يقطر استفزازاً متعمداً:— "وماذا أكون في نظرك إذن؟ ألم تقل قبل ساعات إنني كنت فاقدة لوعي وألتصق بأي مصدر دفء بحثاً عن الأمان، وإن ما قلته كان مجرد ثرثرة وهلوسات فتاة خائفة؟! بالطبع ستعاملني كطفلة لا تفهم شيئاً، وترفضني بكل برود... ولو صادف أن كان هناك شاب وسيم آخر غيرك، لكنت التزقت به بالطريقة ذاتها بحسب منطقك!"فقد إيڤان آخر ما كان يملكه من سيطرة. احترقت أعصابه تماماً من برودها واستخفافها الخطر، وبحركة خاطفة وعنيفة، أزاح قماش قميص
فقد إيڤان آخر ذرة من هدوئه؛ نهض من مقعده فجأة وبات يقف فوق رأسها، ملامحه متشنجة وعيناه تشتعلان بغضب مكتوم. انحنى نحوها قليلاً، وأمسك ذقنها بأصابعه، ليقول بصوت خشن ومضطرب: — "أهذا حقاً ما يشغل بالكِ الآن؟! أيتها الطفلة المشاكسة... بعد كل الجحيم الذي مررنا به، ما زلتِ تحاسبينني لأنني رفضتُكِ في السيارة؟!" رمشت مِيلَا بدموعها، ورفعت عينيها المرتجفتين نحوه بجرأة لم يعتدها منها، وردت بصوت يقطر بالعتاب: — "لأنني كنت أحتاجك، وكنت أظن أنك لا تريدني! حتى لو كنت تعتبرني طفلة في نظرك، أنا لستُ طفلة يا إيڤان! أنا أفهم جيداً ما أشعر به... فلماذا تعاملني دائماً كأنني لا أعرف شيئاً؟!" توسعت عينا إيڤان من الصدمة. كان غضبه الحقيقي لا ينبع منها، بل من النار التي تأكل أعصابه كلما تذكر أن "تشارلز" اقترب منها وتعدى عليها قبل وصوله. ذلك الطيف البشع هو ما جعله يفقد صوابه، خائفاً من أن يعترف بمشاعره وينفجر غضباً. تراجع إيڤان خطوة، ورسم على وجهه قناعاً ثقيلاً من البرود ليخفي ثورة براكينه الداخلية. نظر إليها بترف حاد، وأجاب بلهجة قاسية ومصطنعة: — "هل تظنين أنني سأهتم لثرثرة فتاة كانت فاقدة للوعي بسبب الس







