LOGINأشرق فجر اليوم التالي حاملاً معه برودة غريبة تسللت إلى ردهات القصر.
لم تكن ميلا قادرة على مواجهة مائدة الإفطار، فاستغلت خروج إيڤان الباكر كالعادة لتستعد لجامعتها. ارتدت ملابسها الأكاديمية البسيطة، وحملت حقيبة كتبها، ثم نزلت درجات السلم الرخامي وهي تأمل في استعادة شيءٍ من طبيعتها وسط مقاعد الدراسة وزميلاتها. فالجامعة كانت المتنفس الوحيد المتبقي لها بعيداً عن هذا الاختناق. لكن الصدمة لم تحرمها حتى من هذا المتنفس الصغير. عند خروجها من باب القصر، تجمدت خطواتها وهي ترى السيارة الفاخرة السوداء تقف بانتظارها. وإلى جانبها، كان السائق الخاص بإيڤان يقف بوقار صارم. وبجواره تماماً، وقف رجلان ببذلات سوداء ونظارات داكنة، يمتلكان بنية جسدية ضخمة وملامح خالية من التعبير. تقدم السائق وفتح الباب الخلفي قائلاً باحترام جامد: — “صباح الخير يا سيدة ميلا. السيد إيڤان أمر بأن نرافقكِ اليوم وطوال فترة دراستكِ. هؤلاء الحراس سيتولون تأمينكِ داخل الحرم الجامعي وخارجه.” اتسعت عينا ميلا بذهول، والتفتت حولها وكأنها تبحث عن مخرج من هذا الكابوس. همست بنبرة مرتجفة: — “حراس؟ في الجامعة؟ أنا لا أحتاج لكل هذا.. يمكنني الذهاب بمفردي كما كنت أفعل دائماً!” أجاب السائق بذات النبرة الآلية التي لا تقبل النقاش: — “الأوامر صدرت من السيد إيڤان شخصياً يا سيدتي، ولا يمكننا مخالفتها. تفضلي بالصعود حتى لا تتأخري عن محاضرتكِ الأولى.” ركبت السيارة وهي تشعر بأن جدرانها تضيق عليها كالقبر. طوال الطريق، كانت تنظر من النافذة، وعيناها العسليتان تغرقان بدموع العجز. إيڤان لا يحميها… بل يسجنها. إنه يفرض حصاره المتملك عليها ليثبت لها في كل ثانية أنه الوصي والمسيطر، وأنه جردها من حريتها بالكامل بموجب ورقة الزواج. وصلت السيارة إلى بوابة الجامعة، ونزلت ميلا والأنظار كلها تتجه نحوها. لم يكن حضورها عادياً؛ فالطالبات والطلاب تراجعوا بفضول وهمسات مستنكرة وهم يرون الحارسين الشخصيين يسيران خلفها بخطوات متزامنة، يفصل بينهما وبينها متر واحد فقط. حاولت تجاهل نظرات الشفقة والتعجب من زملائها، ودخلت قاعة المحاضرات بجسد مرتجف. حتى داخل القاعة، وقف الحارسان عند الباب الخشبي المفتوح، يراقبان كل تحركاتها، وكل من يقترب من مقعدها. شعرت ميلا برغبة عارمة في البكاء والابتعاد عن الجميع. لقد تحولت من فتاة جامعية طموحة إلى “ممتلكات ثمينة” تحت الحراسة المشددة، معزولة عن عالمها، ومحكوم عليها بالوحدة. بصعوبة بالغة، أنهت ساعاتها الدراسية. وعند خروجها إلى البهو الرئيسي للجامعة، تمنت لو تلتقط أنفاسها. لكن مشهداً آخر كان بانتظارها ليجهز على ما تبقى من طاقتها. عند مخرج المبنى، كانت تقف سيارة إيڤان الفاخرة الأخرى. ولم يكن السائق بمفرده هذه المرة. كان إيڤان هناك، يقف بكامل هيبته الطاغية ووقاره الأرستقراطي، يرتدي بدلة رمادية فاخرة تعكس حدة عينيه. وبجانبه تماماً كانت تقف “إيلينا”. كانت إيلينا ترتدي فستاناً رسمياً قصيراً باللون الكحلي، يبرز ثقتها وسحرها العملي، وتتحدث معه بابتسامة خفيفة وهي تشير إلى جهازها اللوحي. تبددت غيمة النقاش بينهما بمجرد خروج ميلا. رفع إيڤان عينيه الرماديتين نحوها، ولم يلحظ — أو ربما تعمد تجاهل — نظرة الانكسار والخزي التي اعتلت وجهها وهي تراهما معاً مجدداً، وأمام جامعتها وزملائها. تقدم إيڤان خطوات نحوها، وقال بنبرته العميقة الواثقة التي تفرض سطوتها على المكان: — “ميلا.. لقد جئتُ لآخذكِ بنفسي. لدينا غداء عمل مهم جداً مع مستثمرين من الخارج، وإيلينا رتبت كل شيء. بما أنكِ تحملين اسم عائلتي الآن، فوجودكِ بجانبي في هذه المناسبات الرسمية ضروري كجزء من بروتوكول الحماية والظهور الاجتماعي.” نظرت ميلا إليه. ثم التفتت بعينيها المكسورتين نحو إيلينا، التي رمتها بنظرة هادئة تفيض بالشفقة والنضوج. وكأنها تقول لها دون كلمات: أنتِ مجرد واجهة اجتماعية… أما العقل، والعمل، والرفقة الحقيقية… فهي لي. شعرت ميلا بضربة قاسية في كبريائها. إيڤان يجرها خلفه كدمية جميلة لتزيين طاولات العمل والتقاط الصور، بينما يتشارك الأفكار والقرارات مع المرأة الأخرى. والأقسى من ذلك، أنه يعلن هذا الترتيب بوضوح شديد أمام إيلينا، مؤكداً لها للمرة الألف أن زواجه من ميلا ليس سوى “بروتوكول وواجب”. ابتلعت ميلا غصتها الحارقة، وشعرت بروحها تنسحق تحت وطأة تملكه الجاف وسيطرته التي لا ترحم براءتها. أومأت برأسها بطاعة مجبرة، وصعدت إلى السيارة بخطوات ميتة… بينما كانت شرارة التمرد في أعماقها تتغذى على هذا الخزي، مستعدة للانفجار في اللحظة التي تفيض بها الكأس.استقرت كلماته الأخيرة في أذنها ككَيّ بالحديد المحمى، مترافقاً مع بخار الحمام الكثيف الذي ملأ الأركان الضيقة. أمال إيڤان رأسه ببرود ظاهري وهو يتفحص انكماش جسدها المبتل داخل الماء الدافيء، ورأى محاولاتها المستميتة للتغطية على نفسها بذراعيها المرتجفتين. ارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكمية جافة، ومرر عينيه القاسيتين على جسدها بنبرة تفيض بالاستعلاء والتقليل: — "على ماذا تخجلين وتتوارين تحديداً يا مِيلَا؟" قالها بصوت هادئ ومسموم، يتعمد غرس السكين في أضعف نقطة فيها: "انظري إلى نفسكِ.. أنتِ تملكين جسداً صغيراً كجسد طفلة، خاوياً من أي تفاصيل قد تُغري أحداً أو تستدعي كل هذا الخجل المفتعل! لا توجد أنثى تتستر بهذه الطريقة وكأنها تحمل كنزاً، فلا داعي لهذه التمثيلية السخيفة." نزلت كلماته على روحها كأنها طعنة نافذة في الصميم. شعرت بمرارة لا تطاق تخنق حنجرتها؛ كان كلامه جارحاً ومجرداً من أدنى رحمة، يهدف إلى سحق ما تبقى لها من كبرياء وهي في أوج ضعفها وعريها أمامه. لم تصرخ في وجهه، ولم تنطق بكلمة واحدة، بل ابتلعت غصتها الحارقة وشَدّت ذراعيها حول صدرها أكثر، مطرقة رأسها إلى الأسفل كي لا تلمح عينيه ا
وسط الأنفاس المتقطعة واللهاث الثقيل الذي أعقب تلك العاصفة الهوجاء من الغضب والتلاحم، تراجعت غيوم الرغبة المهلكة فجأة حين مرر **إيڤان** كفه العريضة على كتف مِيلَا العاري. لقد كانت بشرتها باردة كقطعة من الجليد الصرف! توقف تماماً عن الحركة، وانحدرت نظراته بذهول مسعور ليتفحصها؛ كان جسدها المنهك ينتفض برعشات عنيفة ومتلاحقة لا تستطيع السيطرة عليها، وخصلات شعرها المبتلة تلتصق بعنقها، بينما مالت أطراف شفتيها إلى زرقة باهتة ومرعبة تنذر بخطر انخفاض حرارتها وتغلغل الصقيع إلى عظامها. تبخرت كل ذرة من غضبه ونشوته في جزء من الثانية، ليحل محلها رعب أعمى وقلق هستيري. أدرك فجأة جنون ما فعلاه، وكيف أعمته نيران غضبه عن حقيقة أنها كانت تصارع الموت برداً. — "اللعنة.. اللعنة عليّ!" لعن نفسه بصوت مبحوح ومرتعد، ونهض عن السرير بحركة خاطفة وعنيفة. قبل أن تستوعب مِيلَا ما يحدث، انقض عليها مجدداً، لكن هذه المرة لم تكن نظراته تحمل أي رغبة أو تملك جنسي؛ كانت عيناه تشتعلان بتركيز محموم على نجاتها فقط. مدّ يديه الخشنتين وبدأ ينزع عنها ما تبقى من ثيابها المبللة والملتصقة بجلدها بقسوة مسعورة وعجلة حاسمة، يمزق القما
لم تكن برودة الماء الجاري شيئاً يذكر أمام العاصفة التي اجتاحت جوارح **إيڤان** حين رآها تهوي في عمق النهر الهادر. في تلك اللحظة، تحطم كل غروره وتجبره، ولم يتبقَ سواه وكتلة الهلع العمياء التي دفعتْه ليغوص خلفها كالمجنون. فور أن جذبها من قاع المياه وطرحها على الشاطئ الطيني البارد، انحنى عليها بفزع همجي لم يسبق أن عرفه. كان جسدها المبتل يرتجف بعنف، وشفتاها قد شحبتا وتحولتا إلى لون أزرق باهت يكاد ينطق بنذير الموت. دون أن يضيع ثانية واحدة، غرس ذراعيه القويتين تحت جسدها المرتجف، رافعاً إياها بحركة عاصفة ومحمومة لتلتصق تماماً بصدره. حملها متجاوزاً صخور النهر الزلقة بحذر مسعور، كمن يحمل أثمن وأهش شيء في الوجود. لم تكن خطواته مجرد مشي، بل كانت ركضاً متوتراً ومحسوماً، يخشى أن يتوقف قلبها بين يديه. كان يضغط عليها بكتفيه وذراعيه، محاولاً نقل دفء جسده الحارق إلى أطرافها المثلجة، بينما كان يكرر اسمها بصوت مبحوح ومتقطع يغلب عليه ذهول الخوف: — "مِيلَا.. انظري إليّ، ابقي معي.. اسمعي صوتي!" ما إن اقتحم باب المنزل الخشبي المغلق، حتى اتجه بها مباشرة نحو السرير الكبير. وضعها برفق بالغ، كمن يخشى أ
تسللت أشعة الشمس الباهتة والباردة عبر زجاج النافذة المغبر، لتكشف عن تفاصيل الغرفة الخشبية المعزولة. كانت **مِيلَا** تتحرك بخطوات بطيئة وهادئة، مرتدية ذلك الثوب الخفيف والحريري الذي تركه ليلة أمس مبعثراً بلا قيود. لم تكن تحاول إغراءه، بل كانت تقف قرب الموقد القديم تحاول بث الدفء في أطرافها، وحين انحنت ببطء لتعديل الحطب، كانت تفاصيل جسدها الواضحة ترسم أمام عينيه لوحة محرقة توقظ تحت جلده براكين الرغبة المكبوتة. تسمّر **إيڤان** في زاويته، كانت عيناه المظلمتان تتبعان كل انحناءة من جسدها بتركيز مفترس ومهووس. اشتعلت الرغبة بوحشية صامتة في صدره، لكنه بدلاً من أن يقترب، شدّ قبضته حول حافة الطاولة حتى واجه غضبه الدفين؛ فهو يذكر جيداً أنها من خدعته وأخفت عنه السر الأكبر. تحولت رغبته الفورية إلى غضب مسعور وقاسي. اقترب بخطوات ثقيلة ومتجبرة حتى وقف خلفها مباشرة، وأحاط خصرها بيده بخشونة متعمدة، هامساً بصوت خشن وبارد يقطر قسوة: — "أهكذا تتحركين أمامي بكل هذه الحرية يا مِيلَا؟ وكأنك في قصرك لا في منفى عقابك؟ ارتدي معطفكِ وفوقي معي فوراً.. حان الوقت لنخرج." لم تنطق بكلمة واحدة. لم ترفض ولم تتذمر؛ ف
تسللت أشعة الشمس الباهتة والباردة عبر زجاج النافذة المغبر للمنزل الخشبي المنسي، لترسم خطوطاً شاحبة على الأرضيات الخشبية العتيقة. لم يكن هناك ما يقطع سكون الغابة الموحش سوى صوت الرياح الصهريجية وهي تهز أخشاب البيت المتداعية. على السرير الخشبي الكبير، استيقظت **مِيلَا** ببطء، ووجع خفي يسري في أطرافها كبقايا تيار كهربائي خامد. فتحت عينيها لتتأمل السقف الخشبي المنخفض، ثم خفضت نظرها ببطء لترتجف بداخلها رجفة متناقضة. لم تكن تصدق بعد؛ الكلمات التي رددها إيڤان ليلة أمس كانت تتردد في رأسها كصدى أبدي: *«ستكونين زوجتي حقاً..»*. لقد تحققت رغبتها الدفينة والمحرمة، وأصبحت قيد ملكيته رسمياً وفي قلب العزلة المطلقة، لكنها لم تكن زوجة في قصر من عقيق، بل في قاع جحيم صنعه غضبه وكسره. ومع ذلك، وسط هذا الخراب كله، سرت في صدرها رعشة دفء غريبة ومؤلمة؛ هي تعرف أنها امتلكته تماماً، وأنها المرأة الوحيدة التي استطاعت اختراق جدران قلبه المهشم. على الطرف الآخر من الغرفة، كان **إيڤان** واقفاً قرب النافذة ببنطاله الأسود فقط، وعضلات صدره الواسع تعلو وتهبط ببطء على وقع أنفاس مشدودة. لم يكن يلتفت إليها، لكن حواسه كل
بقي صدى كلماته يتردد في أرجاء الجناح كأنه طلقات نارية متتالية، تترك خلفها فراغاً محرقاً لا يجرؤ أحد على اختراقه. ظلت مِيلَا متسمرة مكانها، محاصرة بين ذراعيه اللتين تشكلان سوراً منيعاً من القسوة والتملك. في داخلها، كان قلبها ينبض بجنون وطوفان من المشاعر المتاخمة للانهيار؛ فمن جهة، كانت رغبة دفينة وموجعة تناديها بأن تستسلم لهذا القرب الذي طالما حلمت به، ومن جهة أخرى، كان عقلها يصرخ محذراً من أن هذا السجن العاطفي لن يلبث أن يحرقهما معاً. أما إيڤان، فكان غارقاً في صراع داخلي أشد ضراوة. لم يكن ما يفعله نابعاً من رغبة صافية بالانتقام، بقدر ما كان هروباً يائساً ومجنوناً من فراغ هائل أسقطه فيه انهيار كل شيء آمن به. لم يتحمل بقاءهما دقيقة واحدة إضافية في ذلك القصر الذي تحولت جدرانه إلى شواهد قبور لأكاذيب العائلة. وبحركة حاسمة وعنيفة لم تترك لها مجالاً لالتقاط أنفاسها أو الاعتراض، أحاط معصمها بيده الخشنة وجذبها خلفه بقسوة متجبرة. — "إلى أين؟" همست مِيلَا بصوت مرجف وهي تحاول مجاراة خطواته الواسعة والعاصفة على رخام القصر. "إيڤان، ماذا تفعل؟" لم يلتفت إليها؛ كان وجهه شاحباً وجمود ملامحه ين







