INICIAR SESIÓNبدأت الشمس تختفي تدريجيًا خلف الأفق، ولم يبقَ منها سوى خيط ذهبي رفيع ينعكس على سطح البحر. كان المكان أكثر هدوءًا من قبل، ولم يعد يُسمع سوى صوت الأمواج وبعض خطوات المارة البعيدين.وقف أدهم إلى جانب ألما، وقد وضع يديه أمامه، بينما كانت هي تنظر إلى البحر بشرود. كان السوار الأزرق الذي اشتراه لها يحيط بمعصمها، وكلما حركت يدها انعكست عليه أضواء المساء. كان أدهم ينظر إليها بين الحين والآخر، ويتأمل ملامحها الهادئة، لكنه شعر أن هناك سؤالًا يشغل تفكيره منذ بداية اللقاء.تردد قليلًا، ثم استدار نحوها."ألما..."التفتت إليه، وقد بدا الاستغراب في عينيها."نعم؟"أعاد نظره إلى البحر، وكأنه يبحث عن الطريقة المناسبة لطرح سؤاله. أعاد نظره إليها ، ثم قال بصوت منخفض:"هل ما زلتِ تفكرين في قيس؟"تغيرت ملامح ألما في اللحظة نفسها.لم تتوقع أن يسألها هذا السؤال، خصوصًا في أمسية كهذه. بقيت تنظر إليه دون أن تجيب، وكأن الكلمات اختفت فجأة من ذاكرتها.حاولت أن تبدو متماسكة، لكنها لم تستطع منع عينيها من الامتلاء بالدموع. لم تكن تعرف إن كان سؤال أدهم قد أعاد إليها ذكريات مؤلمة، أم أنه لمس شيئًا كانت تحاول تجاه
كانت ألما في اليوم التالي تقف أمام المرآة في غرفتها، تتأمل مظهرها للمرة الأخيرة قبل أن تغادر. ارتدت فستانًا بلون أزرق فاتح، بسيطًا ومريحًا، ينسدل بنعومة حولها ويمنحها مظهرًا هادئًا يتناسب مع أجواء المساء. تركت شعرها الأسود الطويل منسدلًا على كتفيها، ثم التقطت حقيبتها الصغيرة وهاتفها.لم تكن تعرف لماذا شعرت بشيء من الحماس لهذا اللقاء، لكنها كانت سعيدة بفكرة الخروج بعد أيام قضتها في المنزل، بين الراحة والتفكير في كل ما حدث معها مؤخرًا.نزلت الدرج بهدوء، فوجدت والدتها في غرفة الجلوس.ودعتها ألما بقبلة على خدها، ثم خرجت من المنزل.كان أدهم ينتظر داخل سيارته، وعندما لمحها تقترب، رفع عينيه نحوها وبقي يتابع خطواتها حتى وصلت إلى الباب المجاور لمقعده. فتحت الباب وجلست، ثم وضعت حقيبتها بجانبها.نظر إليها أدهم لثوانٍ، متأملًا ملامحها التي بدت أكثر إشراقًا مما كانت عليه في المستشفى.قال بابتسامة هادئة: "أنا سعيد برؤيتكِ بخير."ابتسمت ألما وهي تلتفت إليه."وأنا سعيدة برؤيتك."أخفى أدهم سعادته خلف ابتسامة صغيرة، ثم أعاد نظره إلى المقود قبل أن يشغل السيارة."اليوم سنذهب إلى مكان عند البحر. المناظ
بعد مرور عدة أيام، كان أدهم يجلس في أحد المقاهي الراقية في مدينة لورين، يحتسي قهوته الصباحية قبل أن يتوجه إلى الشركة. اختار طاولة قريبة من الواجهة الزجاجية، حيث كان يستطيع رؤية الشارع والأشجار المزروعة على جانبيه، بينما كانت أشعة الشمس تنعكس على زجاج المباني المحيطة.كان يرتدي قميصًا أبيض أنيقًا، وساعة فاخرة في معصمه، وقد وضع هاتفه ومفاتيح سيارته فوق الطاولة.رفع فنجان القهوة إلى شفتيه، ثم أعاده إلى مكانه ونظر إلى المشهد الجميل أمامه. للحظات، بدا مستغرقًا في أفكاره، قبل أن تخطر ألما على باله فجأة.تغيرت ملامحه قليلًا، وهمس لنفسه:"منذ أن عادت إلى المنزل لم أسألها عن حالتها...... كيف نسيت ذلك؟"أخرج هاتفه من جيب سترته، وفتح قائمة الأسماء حتى عثر على اسمها. ثم ضغط زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه._____في منزل ألما، كانت تجلس في الحديقة على مقعد مريح، وقد وضعت كتابًا مفتوحًا فوق ساقيها. كانت تقرأ بهدوء مستمتعة بأشعة الشمس اللطيفة، وبين الحين والآخر ترفع عينيها نحو الأزهار المحيطة بها.رن هاتفها الموضوع بجانبها، فالتفتت إليه، وما إن رأت اسم أدهم على الشاشة حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على
في صباح اليوم التالي ،بينما كانت ألما لا تزال غارقة في نومها،أيقظها صوت طرقات متتالية على باب غرفتها.فتحت عينيها بتثاقل، ثم اعتدلت قليلًا فوق الوسادة وقالت بصوت ناعس:"ادخل."انفتح الباب، وما إن رفعت ألما رأسها حتى اتسعت عيناها بدهشة عندما رأت ندى وريان تقفان خلفه بابتسامتين عريضتين.سحبت الغطاء بسرعة ونهضت من السرير، وهي تقول باستغراب ممزوج بالسعادة:"ندى! ريان! ماذا تفعلان هنا؟"ضحكت ندى واقتربت منها بسرعة، ثم احتضنتها بقوة."جئنا للاطمئنان على صديقتنا التي اختفت عنا منذ أيام! كيف أصبحتِ؟ لقد قلقنا عليكِ كثيرًا."بادلتها ألما العناق، وأجابتها بابتسامة دافئة:"أصبحت أفضل بكثير الآن بعد رؤيتكما."ثم تقدمت ريان واحتضنتها بدورها، قبل أن تمد إليها علبة هدايا صغيرة مزينة بشريط وردي."الحمد لله على سلامتكِ يا ألما، اشتقنا إليكِ."نظرت ألما إلى الهدية بسعادة، ثم احتضنتها مجددًا."شكرًا لكِ! لقد اشتقت إليكما كثيرًا، لم أركما منذ مدة طويلة."جلست ندى على طرف السرير وقالت مازحة:"بالطبع، لأنكِ أصبحتِ تحبين المنزل أكثر منا، يبدو أنكِ قررتِ اعتزال العالم!"ضحكت ألما وهي تفتح الهدية، لتجد بداخله
أغلق قيس باب مكتبه، ثم التفت إلى مساعده فريد الذي كان يقف بالقرب من مكتبه يحمل مجموعة من الأوراق.قال قيس وهو يرتدي سترته: "سأغادر لبضع ساعات. إذا اتصل أحد من الإدارة، فأخبره أنني سأعود لاحقًا، أما الاجتماع الذي كان مقررًا بعد الظهر فأريدك أن تؤجله إلى الغد."أومأ فريد، ثم تردد قبل أن يسأله: "هل هناك مشكلة يا سيدي؟ تبدو منشغلًا بأمر ما منذ الصباح."نظر إليه قيس للحظة، ثم أجابه بصوت هادئ: "هناك أمور أهم من العمل أحيانًا يا فريد، وأعتقد أنني تأخرت كثيرًا في الاهتمام بها."لم يضف شيئًا آخر، بل اتجه نحو المصعد، تاركًا فريد ينظر إلى الباب المغلق باستغراب.في الخارج، استقل قيس سيارته وانطلق نحو منزل ألما. طوال الطريق، كان يستعيد كلماتها في المكالمة الأخيرة، ويتساءل كيف سيواجهها دون أن يجعلها تشعر بأنه جاء ليطالبها بشيء. كان يعرف أنها سمحت له بزيارتها، لكنها لم تقل إنها سامحته، ولم يكن يريد أن يخلط بين الأمرين.وعندما وصل، أوقف سيارته أمام المنزل، وبقي للحظات ممسكًا بالمقود. أخذ نفسًا عميقًا، ثم نزل وتوجه إلى الباب، حيث استقبلته روان بعد أن فتحت له.نظرت إليه بملامح جادة، ثم قالت: "ألم
في تلك الأثناء، كان قيس يجلس وحيدًا في مكتبه داخل الشركة، وقد بدأت ساعات العمل الطويلة تثقل كاهله. كانت الملفات مكدسة أمامه، لكن أفكاره لم تكن متعلقة بالأرقام أو الاجتماعات القادمة؛ بل كانت معلقة بفتاة لم يستطع إخراجها من قلبه، مهما حاول إقناع نفسه بأن الابتعاد يمنحها الراحة التي تحتاج إليها.تذكر مكالمته مع ألما، وتذكر صوتها المرتجف وهي تسأله عن ذنبها في كل ما حدث لها. لم يستطع نسيان الطريقة التي حاولت بها حبس بكائها، وكأنها تخشى أن يسمع ضعفها حتى عبر الهاتف.أغمض عينيه، وأسند رأسه إلى ظهر الكرسي، ثم تنهد بعمق.كم تمنى لو كان معها في تلك اللحظة!تخيل نفسه جالسًا إلى جانبها، يضمها إلى صدره ويتركها تبكي كما تشاء، دون أن يطلب منها التوقف أو أن يطالبها بتجاوز ألمها. كان يريد أن يمسح دموعها بيديه، وأن يخبرها بأنها لم تكن يومًا مسؤولة عن أخطاء الآخرين، وأنه يأسف لكل لحظة شعرت فيها بأنها وحيدة.فتح عينيه ونظر إلى هاتفه الموضوع على المكتب.همس لنفسه: "ألما، لو تعلمين كم أشتاق إليكِ..... لو كنتِ تعرفين كم أتمنى أن أكون بجانبكِ الآن."نهض من مكانه واتجه نحو النافذة، ثم وضع يده في جيبه، غارق







