Home / الرومانسية / خيوط القدر المحرمة / ضباب الموت وصرخة الذئب

Share

ضباب الموت وصرخة الذئب

Author: Alaa issa
last update Petsa ng paglalathala: 2026-08-05 23:15:36

تجمّد كاي في مكانه لثوانٍ قليلة كانت كفيلة بأن تحرق ما تبقى من صبره الخالد، وكانت عيناه الذهبيتان تتابعان بذهول وغضب عارم اختفاء الكوخ الخشبي العملاق بين الأشجار المتشابكة لغابة الهمس المظلمة. كانت أرجل الكوخ الدجاجية الضخمة تضرب الأرض بقوة هائلة تصنع اهتزازات متتالية هزت جذوع الأشجار العتيقة، بينما انقطع الخيط الفضي المباشر الممتد بينه وبين أريا فجأة كعصب تمزق بعاصفة، ليحل محله شعور ببرودة قارسة ومؤلمة سرت في منتصف قفصه الصدري وجعلت أنفاسه تتنهمك بالحشرجة.

​"أريا!" زمجر كاي بنبرة غاضبة ومدوية تردد صداها المرعب بين الجبال المجاورة، واندفعت دماء الذئب الكاسر في عروقه المظلمة بجموح وحشية غير مسبوقة، جعلت ظله يتضخم على الأرض ليغطي مساحة شاسعة.

​لكن الانفجار الناري التالي المُنطلق بكثافة من مدافع الجيش البشري المتربص شق الهواء أمامه مباشرة، ليعيده قسراً إلى أرض الواقع الملتهبة. كان جيش اللورد جيرالد قد بدأ يتجمع بكثافة وخطورة عند الضفة الأخرى للنهر المجاور، يتقدمهم فرسان مصفحون بالكامل يحملون دروعاً ثقيلة منسوجة بسحر مظلم مضاد للأرواح والجان، وعلى رأسهم جيرالد بنفسه وهو يمتطي حصاناً أسود ضخماً ويعلو وجهه القاسي قناع من الصلب المسموم.

​صاح جيرالد بصوت فظ يقطر بالغرور عبر بوق سحري متوهج: "يا حارس الحدود الملعون! أعد إلينا الفتاة الفانية فوراً وقدم ولاءك المباشر لبلاط البشر، وإلا أحرقنا الغابة بأكملها ودمرنا القلعة التاريخية بمن فيها على رأسك!"

​ابتسم كاي ابتسامة سوداء يملؤها السخط والاحتقار الشديد، ورفع سيفه الأكبر إلى الأعلى ليرسم طوقاً من السحر الأسود في الهواء. وفي تلك اللحظة بالذات، نفذت الساحرة بابا ياغا الجزء الأول المباشر من وعدها المبرم مع أريا في المزاد المحرم.

​انبعث ضباب أبيض كثيف وثقيل من قاع الغابة المظلمة، يتلوى كأفعى ضخمة ويمتد فوق سطح مياه النهر المشتعلة بسرعة خاطفة تحبس الأنفاس. وما إن لمس الضباب السحري أقدام الخيول البشرية المتقدمة حتى تصاعدت صيحات الرعب والهلع الشديد في صفوف الجيش البشري؛ كانت أجساد الفرسان تتجمد في أماكنها كالتماثيل الحجرية وتحول أسلحتهم الحديدية الصلبة إلى غبار متآكل في لحظات، بينما تحولت المياه الدافئة للنهر إلى صخر جليدي صلب وعازل يمنع أي تقدم إضافي نحو خط الحدود السحرية.

​تراجع جيرالد بحصانه الأسود إلى الخلف بذهول ورعب شاد وهو يشاهد نصف جيشه يبتلعه سحر العجوز المرعب في ثوانٍ معدودة، دون أن يستطيع إطلاق قذيفة واحدة إضافية.

​لكن كاي لم ينتظر إطلاقاً لتأمل سقوط أعدائه أو التلذذ بهزيمتهم. تحول ظله الظلي كلياً إلى هيكل ذئب ضخم بأسنان كالمحارث وعينين حمراوين ممتلئتين برغبة عارمة في الانتقام والقتل. قفز كاي على ظهر ظله المتحول، وانطلقا معاً كالسهام المتفجرة بين الأشجار المظلمة، يتبعان الأثر السحري المتبقي للكوخ المبتعد بكثافة.

​في هذه الأثناء، وداخل كوخ بابا ياغا المغلق بإحكام شديد، كانت أريا تجلس على كرسي خشبي عتيق ومقيدة بسلاسل متينة مصنوعة من جذور النباتات المضيئة التي تحرق كلما تحركت. كانت الساحرة العجوز تقف أمامها بثبات، ممسكة بإبرة فضية طويلة تشتعل بنار بيضاء خبيثة، وتقترب بها بالتدريج من جبهة أريا المرتجفة والمليئة بالعرق.

​قالت بابا ياغا بنبرة يملؤها الشغف والمكر: "لا تخافي يا ابنة النساجات الأوائل... سأسحب خيط الذاكرة الأول فقط، الخيط المظلم الذي يحمل اسم أمك والحقيقة الكلية والسبب الأساسي الذي جعلكِ تفرين من القرية وتلتقين بحارس الحدود. بمجرد انتزاعه من رأسكِ، ستنسين تماماً من تكونين، وستصبحين نساجتي الخاصة التي تحيك القدر لحسابي الشخصي!"

​صكّت أريا على أسنانها بصلابة ورفضت إغلاق عينيها الأرجوانيتين رغم الألم الشديد: "افعلي ما شئتِ أيتها العجوز الملعونة... لكن كاي سيصل إلى هنا ويستعيد هذا الخيط ويكسر رأسكِ!"

​ضحكت العجوز بصوت خشن وساخر وهزت رأسها الملتوي: "حارس الحدود الغبي عاجز تماماً عن دخول هذا الكوخ السحري، لأن خيطه مرتبط بقلبكِ أنتِ، وإذا حاول الاقتراب من العتبة سأقطع الخيط بلمسة واحدة فيموت فوراً وشل حركة ظله!"

​وضعت الساحرة رأس الإبرة الفضية المشتعلة على جبهة أريا مباشرة، وانطلقت موجة ألم عارمة وجنونية جعلت أريا تصرخ بكتان، بينما بدأ شريط ذكرياتها ينسحب كخيط فضي متوهج وناصع من بين عينيها ببطء شديد.

​ولكن في اللحظة التي اقتُلع فيها أول جزء حساس من الذاكرة، اهتز سقف الكوخ الخشبي باهتزاز عاصف ومفاجئ، واخترقت مخالب ذئبية ضخمة وحادة السقف الخشبي لتقتطعه كلياً، لتهبط تلك المخالب فوق رأس العجوز مباشرة، مترافقة مع اقتحام كاي للكوخ بهيئة مرعبة، ويده الملطخة بالدم القبض بصلابة على سيفه الموجه نحو حنجرة بابا ياغا وهو يصرخ: "ضع الإبرة جانباً يا ذات الأرجل الملعونة، وإلا فصلت رأسكِ عن جسدكِ قبل أن تجفي أنفاسكِ!"

​توقفت الساحرة بذهول بينما كانت أريا تلهث ونصف ذاكرتها معلق بين الإبرة وجبهتها، ليتوهج خيط القدر بين الثلاثة بوهج أحمر فاقع يعلن عن انفجار السحر الأسود داخل الكوخ المترنح على أرجله العملاقة!

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • خيوط القدر المحرمة   الاختيار المستحيل

    وقفت أريا بين البابين، وكان قلبها ينبض كالطبول، وعيناها الذهبية السوداوان تنتقلان بين الباب الذهبي المتلألئ والباب الفضي البارد. كان كاي الأسود واقفاً أمام الباب الذهبي، ينظر إليها بعينيه السوداوين، مبتسماً ابتسامة باردة، كمن يعرف أنها محاصرة، كمن يعرف أنه لا مفر لها. همست أريا بصوتها المرتجف: "كاي... أنت لستَ كاي... أنت خوفه... لماذا تقف أمام الباب الذهبي؟" نظر كاي الأسود إلى أريا، وكانت عيناه السوداوان تحملان خليطاً من البرودة والفضول، وكأنه كان يدرسها، وكأنه كان يحاول أن يفهمها. قال بصوته الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، لكنه كان بارداً كالثلج: "لأن الباب الذهبي هو خيار البقاء معه. إذا اخترتِ الذهب، ستبقين جزءاً من النسيج، وستبقين معه إلى الأبد. لكن إذا اخترتِ الفضة، ستعودين إلى جسدكِ البشري، وستفقدين النسيج، وستفقدينه إلى الأبد." تراجعت أريا خطوة، وكانت عيناها تحملان خليطاً من الخوف والتردد، وكأنها كانت تزن بين خيارين، بين مصيرين، بين حقيقتين. قالت بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء: "لكن إذا اخترتُ الذهب، سأفقد هويتي البشرية. سأصبح مجرد نسيج، بلا مشاعر، بلا ذكريات، بلا حب.

  • خيوط القدر المحرمة   النسيج المتمرد

    وقفت أريا في وسط الحقل الأسود، وكانت كلمات الشكل لا تزال تتردد في أذنها كالجرس المكسور: "والدتكِ لم تمت بسبب مرض... لقد ماتت لأنها حاولت قتلكِ." كانت ترتجف، وعيناها الذهبية السوداوان تحملان خليطاً من الصدمة والإنكار، وكأنها كانت تسمع كلمات لا تريد تصديقها. همست بصوتها المكسور: "لا... هذا ليس صحيحاً... أمي... أمي كانت تحبني... كانت تضحك معي... كانت تحتضنني..." نظر الشكل إلى أريا، وكانت عيناه السوداوان تحملان خليطاً من الشفقة والحزن، وكأنه كان يعرف كم كان هذا الألم عميقاً. قال بصوته الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء: "كانت تحبكِ، نعم. لكنها كانت تخاف منكِ أيضاً. كانت تخاف من قوتكِ، من الخيوط التي كانت تظهر حولكِ منذ ولادتكِ. كانت تخاف من أن تصبحي ما أصبحتِ عليه الآن. وكان خوفها أقوى من حبها." تراجعت أريا خطوة، وكانت عيناها تحملان خليطاً من الغضب والألم، وكأنها كانت تحاول أن تدفع الحقيقة بعيداً، وكأنها كانت تحاول أن تحمي نفسها من هذا الكابوس. صاحت بصوتها المبحوح: "كيف تعرف هذا؟ كيف تعرف ما حدث لأمي؟" نظر الشكل إلى أريا، وكانت عيناه السوداوان تحملان خليطاً من الحزن والحسم، وكأنه كان يع

  • خيوط القدر المحرمة   صرخة الجدة

    كانت أريا لا تزال واقفة بين الزهور السوداء، وجسدها يرتجف، وقوتها تتسرب منها كالماء. كانت الذاكرة التي أعادتها الطفلة لا تزال تتردد في عقلها، ذاكرة اليوم الأول، يوم غابة الهمس، يوم لقائها بكاي. كانت ترى وجهه الشاب، وتسمع صوته، وتشعر بخفقان قلبها القديم. لكن كل شيء كان يتلاشى، وكأن الذاكرة كانت تذوب في داخلها، وكأنها كانت تفقدها مرة أخرى. رفعت أريا رأسها، ونظرت إلى الطفلة التي كانت تقف أمامها، وقد كبرت أكثر، وأصبحت الآن في الثانية عشرة من عمرها تقريباً. كانت عيناها السوداوان تحملان خليطاً من الحزن والحسم، وكأنها كانت تشعر بألمها، لكنها كانت تعلم أن عليها المضي قدماً. قالت الطفلة بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، لكنه كان أعمق مما كان عليه من قبل: "هذه كانت الذاكرة الأولى. هل تريدين المزيد؟" همست أريا بصوتها المكسور: "نعم... أريد المزيد. أريد أن أتذكر كل شيء." مدت الطفلة يدها مرة أخرى، ولمست جبين أريا، وشعرت أريا بموجة جديدة من الذاكرة تخترق جسدها. رأت نفسها طفلة صغيرة، تجري في حديقة القلعة، ووالدتها تركض خلفها تضحك. رأت وجه والدتها، وجهها الجميل، عيناها الخضراوان، ابتسامتها ال

  • خيوط القدر المحرمة   الوعد المكسور

    جلست أريا بين الزهور السوداء، وكانت الخيوط الذهبية السوداء تحت جلدها تخفق ببطء، وكأنها كانت تتنفس معها، وكأنها كانت تحاول أن تهدئها. كانت الزهور تتمايل حولها كالبحر الأسود، تهمس لها بأسماء لا تتذكرها، بأصوات كانت مألوفة، بوجوه كانت غامضة. رفعت يدها، ونظرت إلى كفها، ورأت الدم الذهبي الأسود لا يزال يتساقط ببطء، وكأن جرحها كان يئن، وكأنه كان يحمل في طياته كل ما فقدته. همست لنفسها بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء: "لابد أن أتذكر... لابد أن أعيد كل شيء..." مدت يدها ببطء، ولمست إحدى الزهور بأطراف أصابعها. شعرت ببرودة البتلات على جلدها، برودة كالثلج، برودة كالموت. لكنها شعرت أيضاً بشيء آخر، شيء كالدفء البعيد، شيء كالذاكرة المدفونة، شيء كالحب الذي نسيته. وفجأة، انفجرت الذاكرة في وجهها كالصاعقة. رأت نفسها واقفة على شرفة عالية، تحت سماء مقمرة، والقمر كان ممتلئاً كقرص من فضة، والنجوم كانت تتلألأ كالماس على مخمل أسود. وكانت هي هناك، تقف بجانب كاي، وكانت يداها في يديه، وكانت تنظر إليه بعيون خضراء، عيون كانت مليئة بالحب. كانت تذكره، كانت تقول له كلمات كانت تحمل في طياتها وعداً أبدياً. كانت

  • خيوط القدر المحرمة   رائحة الخوف

    ترك كاي غرفة الذكريات المحطمة خلفه، وكانت خطواته ثقيلة، وقلبه ينبض بسرعة غير طبيعية. كان قد رأى أريا، كان قد لمسها تقريباً، لكنها كانت بعيدة عنه كالنجم البعيد، بعيدة كالحلم الذي يتبخر مع الفجر. شعر بأنه كان يفقدها مرة أخرى، وكأن كل خطوة كان يخطوها كانت تبتعد به عنها. خرج من الغرفة إلى ممر طويل مظلم، ممر كان يبدو وكأنه يمتد إلى ما لا نهاية، جدرانه من حجر أسود لامع كالمرآة، يعكس صورته المشوهة، صورته التي كانت تبدو غريبة، وكأنه كان ينظر إلى شخص آخر، شخص ليس هو. مشى في الممر، وكانت خطواته تتردد على الأرض الحجرية الباردة، تردد اسم أريا مع كل خطوة. وفجأة، شم رائحتها. رائحتها التي كان يعرفها جيداً، رائحة الزهور البرية وخيوط الذهب، رائحة كانت تملأ قلبه بالدفء كلما شمها. توقف كاي في منتصف الممر، وأغمض عينيه، واستنشق الهواء بعمق. كانت رائحتها، لا شك في ذلك. كانت قريبة، قريبة جداً. فتح عينيه، وركض نحو الرائحة، وركض بكل ما تبقى لديه من قوة، وركض وكأن حياته تعتمد على ذلك. لكن الرائحة كانت تتغير، تتنقل، وكأنها كانت تهرب منه، وكأنها كانت تلعب معه لعبة قاسية. كان يركض عبر الممرات، ويسمع صداها في ك

  • خيوط القدر المحرمة   ثمن باهظ

    وقف كاي على ركبتيه، وكان يلهث بشدة، وعيناه الذهبية الفضية تحملان خليطاً من الألم والخوف، وخطوطه الذهبية والفضية كانت تخفق ببطء، وكأنها كانت تحاول العودة لكنها لم تستطع. كان الحارس لا يزال يلمس كتفه، ينزف منه قوته كالماء، وكأنه كان يمتص حياته بالتدريج. صرخت أريا، وحاولت أن تمد يدها نحو كاي، لكن الحارس رفع يده الأخرى، وأشار إليها، وتجمدت في مكانها. شعرت بأن الخيوط الذهبية السوداء تحت جلدها كانت تخفق بعنف، وكأنها كانت تصرخ، وكأنها كانت تحاول أن تحررها. لكن الحارس كان أقوى، وكانت قوته قد أضعفتها بعد أن أخذ جزءاً من نسيجها. نظر الحارس إلى أريا، وكانت عيناه الباردتان تحملان خليطاً من التحدي والفضول، وكأنه كان يختبرها، وكأنه كان يريد أن يرى كم هي مستعدة للتضحية. قال بصوته الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، لكنه كان بارداً كالثلج: "لقد أخذتُ جزءاً من قوتكِ. لكن هذا لم يكن كل الثمن. الثمن الحقيقي هو أن تختاري: إما أن تدخلي غرفة الذكريات وتستعيدي ماضيكِ، وإما أن تنقذي هذا الرجل الذي تحبينه." نظرت أريا إلى كاي، ورأت عينيه تنظران إليها بحب ويأس، وكأنه كان يقول لها: "لا تختاريني... اختاري نفسكِ...

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status