LOGINتوهجت السلاسل النارية المشتعلة حول رقبة كاي بوهج أرجواني ساطع وخاطف في اللحظة الحاسمة التي لمست فيها أصابع أريا الملطخة بالدماء الحلقات السحرية المتوهجة. ساد صمت مفاجئ في المكان واختفت صرخات الرياح الكئيبة كلياً، بينما تراجعت اليد الخشبية العملاقة التابعة لـ الساحرة بابا ياغا إلى الخلف خطوتين كاملتين، وكأن قوة قاهرة وغير مرئية قد صدمتها ومنعتها من التقدم للأمام.
تصاعد صوت الساحرة العجوز من داخل الكوخ الخشبي المتنقل، لكن هذه المرة خلت نبرتها تماماً من السخرية المعتادة، وحل محلها ذهول مضطرب ونبرة تفيض بالحذر: "تعويذة النساجات الأوائل؟ كيف لفتة بشرية فانية تنتمي لعالم الفانين أن تنطق بكلمات المزاد المحرم التي غابت منذ ألف عام؟" وقفت أريا بجسد مرتجف للغاية ولكن بملامح حادة وصارمة كالسيف المصلت. تنفست بصعوبة شديدة وشدت قبضتها على السلاسل النارية بمسك يدها كلياً، غير أبالية بالحروق البالغة التي بدأت تلتهم جلد كفها الناعم. كانت خيوط القدر الفضية والذهبية تنبعث بكثافة من جرحها المفتوح وتلتف بسرعة حول جسد كاي المجهد، لتشكل درعاً كروياً شفافاً ومضيئاً يمنع النار السحرية السوداء من اختراق جسده الخالد وتدمير قلبه. قالت أريا بصوت نقي وقوي تردد صداه المرعب بين أشجار الغابة المظلمة: "وفقاً لعهود الشجرة العظمى القديمة التي كتبت بدم القدماء، لا يحق لساحرة الغابة أن تأخذ روحاً أو جسداً خاضعاً لمزاد الدَّين الروحي المحرم! أنا أطرح روحي وخيط مصيري في المزاد الليلة أمام الأرواح، والثمن المطلوب هو حماية حارس الحدود كلياً وإيقاف تقدم الجيش البشري الغازي فوراً!" تطلعت عينان كاي الذهبيتان إلى أريا بذهول شديد وغير متوقع بالمرة. حاول حراك كتفيه الصلبين لقطع الدرع السحري الذي تشكله حوله، وزمجر بنبرة مشدودة تفيض بالخوف عليها: "جننتِ يا فتاة! المزاد المباشر مع بابا ياغا يعني أن تسلميها روحكِ وجسدكِ للأبد، لا يوجد بشرّي واحد خرج حياً أو سالماً من صفقاتها الملعونة!" التفتت أريا إليه ونظرت في عينيه المشتعلتين مباشرة بنظرة حازمة، وقالت بهمس سريع ومتسارع الإيقاع: "إن لم أفعل هذا الأمر الآن، سيقتلك السحر الأسود وتجتاح جيوش جيرالد القلعة في غضون ساعات قليلة... لا نملك خياراً آخر يا كاي لتفادي هذه الكارثة!" انفتح باب الكوخ الخشبي العتيق على مصراعيه بصرير مدوٍّ هز أركان الغابة، وظهرت منه القامة المنحنية والغامضة للساحرة بابا ياغا. كانت تعتمد بثقل على عصا خشبية ملتوية تعلوها جمجمة كائن أسطوري تضيء عيناها بنور أصفر فسفوري مخيف. خطت العجوز إلى الأمام على الدرج الممتد من الكوخ، ونظرت إلى الخيوط المشتعلة بين أريا وكاي بابتسامة جشعة للغاية كشفت عن أسنانها الفضية الحادة. قالت الساحرة بنبرة خبيثة تنضح بالمكر والوعيد: "مزاد القدر... عرض مغرٍ للغاية وجريء من سلالة النساجات الأوائل. أنا أقبل المزاد يا فتاة! ولكن الشروط ثابتة ولن تتغير أبداً: سأوقف تقدم الجيش البشري المتربص بضباب الموت، وأفك سلاسلي عن حارس الحدود فوراً، بشرط واحد فقط؛ أن تدخلي كوخي في هذه اللحظة وتمنحيني خيط ذاكرتكِ الأول كاملاً مقابل هذه الخدمة السحرية!" تصلب جسد أريا كلياً عند سماع هذا الشرط القاسي. خيط الذاكرة الأول يعني محو كل ما تعرفه عن أصلها وحقيقتها، وعن السبب المصيري الذي جعلها تهرب من القرية وتلتقي بكاي عند هذه الحدود المحرمة. خطا كاي إلى الأمام بصلابة شديدة ورفع سيفه بيده التي تحررت كلياً من السلاسل المشتعلة، مقطوعاً الطريق المباشر بين أريا والساحرة: "الصفقة ملغاة كلياً! لن تدخلي ذلك الكوخ الملعون ما دمت حياً على هذه الأرض!" لكن قبل أن يستكمل كاي كلماته الغاضبة، انطلقت صيحات الحرب البشرية القاسية بالقرب من ضفة النهر المجاور، واستقرت أسطوانة نارية ضخمة أطلقها جيش جيرالد على أرض الحدود، ليتفجر جدار أعمى من النار والصلب متجهاً نحو القلعة ونحو كاي مباشرة! نظرت أريا إلى جدار النار المتقدم بسرعة، ثم تطلعت إلى كاي بعينين تفيضان بالوداع، ودون أن تتردد لحظة واحدة، أفلتت يد كاي وخطت خطوة سريعة نحو درج الكوخ الخشبي، وهي تصرخ في وجه الساحرة: "وافقتُ على الثمن القاسي يا بابا ياغا... أوقفي الجيش البشري الآن وحمي كاي!" صدم كاي كلياً وامتدت يده بسرعة خاطفة ليمسك بمعصمها النحيل، لكن باب الكوخ الأسود انغلق بقوة عاصفة وفجائية فور عبور أريا العتبة، واهتزت الأرجل العملاقة للكوخ لتنطلق راكضة نحو أفق الغابة المظلمة بسرعة جنونية وخرافية، تاركة كاي وحيداً أمام ألسنة النيران المتفجرة والجيش البشري المتقدم بكامل قوته!تلاشت آخر بقايا الجرح النابض في الفضاء الشاسع، وكأن الألم الذي حمله لقرون طويلة كان يذوب تحت وطأة الخيوط الذهبية التي نسجتها أريا حوله. كانت الخيوط الذهبية تتلألأ بضوء دافئ، وكأنها كانت تتنفس، وكأنها كانت تحتفل بولادة جديدة، وكأن النسيج القديم كان يستعيد روحه التي فقدها منذ أن انهار في الحرب التي دمرت كل شيء. وقف الفريق في صمت، وعيونهم مثبتة على المشهد الذي كان يتغير أمامهم، وكأنهم كانوا يشهدون معجزة، وكأنهم كانوا يشاهدون ولادة كون جديد من رحم الدمار. شعرت أريا بأن الخيوط الذهبية تحت جلدها كانت تخفق ببطء، وكأنها كانت تستقر، وكأنها كانت تقبل ما حدث. نظرت إلى يديها، ورأت الخيوط الذهبية تتلألأ بضوء نقي، وكأنها كانت تحمل في طياتها كل ما تعلمته في رحلتها، كل معركة خاضتها، كل تضحية قدمتها، كل خسارة تألمت بها، وكل انتصار احتفلت به. شعرت بأنها كانت تشهد لحظة تاريخية، لحظة كانت تنتظرها منذ أن بدأت رحلتها في غابة الهمس، منذ أن لامست الخيوط الأولى دون أن تعرف معناها الحقيقي. وفجأة، ظهر شكل من النور النقي أمامهم، شكل كان مألوفاً، شكل الخالق الأول، لكنه لم يكن كما كان من قبل. كان أكثر وضوحاً، أك
مدت أريا يدها نحو الجرح للمرة الثالثة، وكانت الخيوط الذهبية تحت جلدها تخفق بقوة لم تشعر بها من قبل، وكأنها كانت تغني، وكأنها كانت ترقص، وكأنها كانت تحتفل بلحظة كانت تنتظرها منذ أن اتحدت مع الخيط الأول. شعرت بأن الخيوط الذهبية كانت تتسلل من يدها، وتتجه نحو الجرح، وكأنها كانت تنسج جسراً بينها وبينه، جسراً كان يربط بين الألم والشفاء، بين الموت والحياة، بين ما كان وما يمكن أن يكون. كانت الخيوط تتشابك وتتفكك في رقصة أبدية، وكأنها كانت تعيد بناء النسيج القديم خيطاً خيطاً، لحظةً لحظة، وكأن النسيج كان يستعيد ذاكرته، وكأنه كان يتذكر كيف كان يشعر قبل أن يتحول إلى جرح. شعرت أريا بأن الجرح كان يستجيب بسرعة هذه المرة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة، وكأنه كان يثق بها. سمعت صوت الخالق الأول من داخل الجرح، وكان أقوى مما كان عليه من قبل، وكأنه كان يستعيد جزءاً من قوته، وكأنه كان يعود إلى الحياة: "أريا... أشعر بها... أشعر بالخيوط الذهبية تعيد بناء ما كنتُ عليه... أشعر بأنني أعود..." شعرت أريا بأن الدموع تتسلل من عينيها، وقالت بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء: "سأعيدك إلى ما كنتَ عليه... سأعيدك إلى ال
مدت أريا يدها نحو الجرح النابض للمرة الثانية، وكانت الخيوط الذهبية تحت جلدها تخفق بقوة لم تشعر بها من قبل، وكأنها كانت تصرخ في داخلها، وكأنها كانت تقول لها: "هذه هي اللحظة. هذه هي اللحظة التي كنتِ تنتظرينها منذ أن بدأتِ رحلتكِ." شعرت بأن الخيوط الذهبية كانت تتسلل من يدها، وتتجه نحو الجرح، وكأنها كانت تنسج جسراً بينها وبينه، جسراً كان يربط بين الألم والشفاء، بين الموت والحياة، بين ما كان وما يمكن أن يكون. كانت الخيوط تتشابك وتتفكك في رقصة أبدية، وكأنها كانت تعيد بناء النسيج القديم خيطاً خيطاً، لحظةً لحظة. شعرت أريا بأن الجرح كان يستجيب ببطء، وكأنه كان يذوب تحت وطأة مشاعرها، وكأنه كان يتذكر كيف كان يشعر قبل أن يتحول إلى جرح، قبل أن يختار حمل الألم نيابة عن كل ما فقده. سمعت صوت الخالق الأول من داخل الجرح، وكان أضعف مما كان عليه من قبل، لكنه كان يحمل نبرة من الأمل الجديد: "أريا... أشعر بها... أشعر بالخيوط الذهبية... إنها تذكرني بما كنتُ عليه... قبل أن أصبح جرحاً..." شعرت أريا بأن الدموع تتسلل من عينيها، وقالت بصوتها الذي كان يرتجف: "سأعيدك إلى ما كنتَ عليه... سأعيدك إلى النور..." لكن فجأ
مدت أريا يدها نحو الجرح النابض، وشعرت بأن الخيوط الذهبية تحت جلدها كانت تخفق بقوة غير عادية، وكأنها كانت تستعد لشيء لم تفعله من قبل، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ أن اتحدت مع الخيط الأول. كانت أصابعها ترتجف وهي تلامس سطح الجرح البارد، وشعرت بموجة من البرد تخترق جسدها، ثم بموجة من الدفء تبعتها، وكأن الجرح كان يستقبلها، وكأنه كان يفتح لها أبوابه بعد أن كانت مغلقة لآلاف السنين. همست أريا بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، وكأنها كانت تخاطب جزءاً من نفسها: "سأشفيك... سأعيدك إلى ما كنتَ عليه قبل أن تتحول إلى جرح..." شعرت بأن الخيوط الذهبية كانت تتسلل من يدها، وتتجه نحو الجرح، وكأنها كانت تنسج جسراً بينها وبينه، جسراً كان يربط بين الألم والشفاء، بين الموت والحياة. لكن فجأة، شعرت أريا بمقاومة قوية، وكأن الجرح كان يرفض الشفاء، وكأنه كان يخاف من أن يفقد هويته إذا شُفي. سمعت صوت الخالق الأول من داخل الجرح، وكان أضعف مما كان عليه من قبل، لكنه كان واضحاً: "أريا... لا تستعجلي... الجرح لا يشفى بالقوة... بل بالقبول..." توقفت أريا، ونظرت إلى الجرح، وقالت: "ماذا تقصد؟" قال الصوت، وكان يحاول أن
عبرت أريا البوابة النابضة، وشعرت بأن جسدها يذوب في نور لا نهائي، وكأنها كانت تعبر من زمن إلى آخر، من حياة إلى أخرى. وعندما فتحت عينيها، وجدت نفسها واقفة في فضاء شاسع لا نهائي، حيث لم تكن هناك سماء ولا أرض، بل كان كل شيء عبارة عن خيوط ذهبية متلألئة تمتد في كل اتجاه، وكأنها كانت تقف في قلب النسيج نفسه، في قلبه النابض. كانت الخيوط الذهبية تتلألأ بضوء دافئ، وكأنها كانت تتنفس، وكأنها كانت تحمل في طياتها كل ما كان وما سيكون. كان الهواء هناك مختلفاً، ليس هواءً بالمعنى التقليدي، بل كان طاقة نقية تتدفق في رئاتها كأنها كانت تغذيها من مصدر أعمق. وفي وسط هذا الفضاء الشاسع، كان هناك جرح، جرح هائل، ليس جرحاً عادياً، بل كان شقاً عميقاً في النسيج، ينبض بضوء أسود وذهبي متداخل، وكأنه كان قلباً مكشوفاً، قلباً كان ينزف نوراً وظلاماً منذ أن انهار النسيج القديم. كان الجرح يتحرك ببطء، وكأنه كان يتنفس، وكأنه كان يئن تحت وطأة قرون من الألم. شعرت أريا بأن الخيوط الذهبية تحت جلدها كانت تخفق بتناغم مع نبضات الجرح، وكأنهما كانا يتحدثان بلغة لا يفهمها سواهما، وكأن الجرح كان يناديها، وكأنه كان يقول لها: "لقد جئتِ
وقفت أريا أمام جسد كايروس الذي كان نائماً على أرض الخيوط الرمادية الميتة، وعيناه الفضيتان تغلقان بهدوء وكأن جسده كان يرتاح أخيراً بعد صراع طويل مع ظلال ماضيه. كانت أنفاسه هادئة ومنتظمة، وكأنه كان يحلم بحلم لم يحلم به منذ قرون. كانت الكرة النيرية في يد أريا تخفق ببطء، وكأنها كانت تتنفس، وكأنها كانت تحمل في طياتها كل ما تبقى من أسرار النسيج القديم، كل ما خبأته الحرب التي دمرت عوالم بأكملها. نظرت إلى الكرة التي كانت تتلألأ بضوء خافت يتغير بين الفضي والأسود، ثم رفعت بصرها إلى رفاقها الذين كانوا ينظرون إليها بقلق وترقب واضحين على وجوههم، وقالت بصوتها الذي كان يحاول أن يتحمل الدفء، وكأن كل كلمة كانت تخرج من أعماق روحها المتعبة: "كايروس أعطانا المفتاح... لكن السؤال الحقيقي هو: ما الذي سنفتحه بهذا المفتاح؟ وما الذي ينتظرنا على الجانب الآخر؟" وقف توماس بجانبها، وكانت عيناه الفضيتان تحملان فهماً جديداً لم تره فيه من قبل، وكأنه كان يقرأ شيئاً لا يراه الآخرون، وقال بصوته الذي كان يحاول أن يبدو هادئاً: "المفتاح ليس مجرد أداة لفتح باب يا أريا، إنه أكثر من ذلك بكثير. إنه اختبار آخر، اختبار لنوايانا







