Masukدخلت ديما القاعة بخطى محسوبة، ووقع حذائها على الرخام الأبيض كان الصوت الوحيد الذي تسمعه وسط موسيقى خافتة وهمس الحضور. كانت القاعة مزينة بالورد الأبيض والفضي، وأضواء الكريستال تتدلى من السقف كنجوم صغيرة، وكل هذا الجمال المحيط بها بدا لها كقشرة رقيقة تخفي تحتها شيئاً أقسى بكثير من مجرد حفل زفاف. حاولت أن تبتعد بذهنها عن جملة حسام التي ما زالت تتردد في رأسها كصدى لا يهدأ: "يشبه كثيراً ثوب والدتكِ." كل خطوة كانت معركة صغيرة بين رغبتها في الانهيار والتزامها بالخطة التي بنتها سلمى على مدى سنتين كاملتين، خطة لم تترك فيها مجالاً واحداً للضعف.
في آخر القاعة، وقف زاهر النجم. كانت قد رأته من قبل، في لقاءات رسمية قصيرة لم تتجاوز دقائق معدودة، لكنها لم تقترب منه بهذا الشكل، ولم تنظر في عينيه مباشرة كما تنظر الآن وهي تتقدم نحوه خطوة بعد خطوة. كان طويلاً، صارماً في وقفته، يرتدي بدلته السوداء كمن يرتدي درعاً لا قماشاً، وعيناه السوداوان تتابعانها بثبات لا يخلو من شيء يشبه الفحص، كأنه يقيّم خصماً قبل معركة، لا عروساً قبل زفاف. لم يبتسم. لم تتوقع منه ذلك أصلاً، فالابتسامة لم تكن من سمات هذا الرجل الذي قرأت عنه تقارير كثيرة قبل أن تقرر السير في هذا الطريق. وصلت إليه، ووقفت بمحاذاته أمام رجل الدين الذي بدأ يتلو كلمات العقد بصوت رسمي رتيب. كان صوته يمر في أذنها دون أن يصل إلى وعيها بالكامل، لأن كل تركيزها كان منشغلاً بشيء واحد: ألا يرتجف صوتها عندما يحين دورها للنطق بالموافقة، وألا تخون عيناها ما يدور خلفهما من حسابات دقيقة. شعرت بزاهر يميل برأسه قليلاً نحوها، بحركة لا يلحظها أحد من الحضور، وهمس بصوت منخفض لا يتجاوز أذنها: "تبدين متماسكة جداً... لعروسة." توقف لحظة، يدرس وجهها بصمت، ثم أضاف بنغمة باردة لا تحمل مجاملة: "أغلب النساء في موقعك يبكين من الفرح، أو من الخوف. أنتِ لا تفعلين أياً من الاثنين." رفعت ديما عينيها نحوه بسرعة، حاولت أن تصطنع ابتسامة هادئة تخفي الإرهاق الذي بدأ يتسلل إلى أعصابها. "ربما أنا فقط لا أحب إظهار مشاعري أمام الغرباء، سيد النجم." "لسنا غرباء بعد الآن." رد بنفس البرود، دون أن يبتسم، وعيناه لا تزالان مثبتتين عليها كأنه يحاول قراءة شيء مكتوب بحبر خفي تحت ملامحها الهادئة. "سنكون زوجين بعد دقائق." كانت كلماته محايدة في ظاهرها، لكن نبرتها حملت تحذيراً خفياً لم تستطع تجاهله. هذا الرجل لا يثق بها، ولم يكن الأمر مفاجئاً، فقد أخبرتها سلمى مراراً أن زاهر النجم معروف بحذره الشديد من كل من يقترب من عالمه، حذرٌ ورثه عن والده كما ورث العرش والسلطة. لكن الشعور بأن عينيه تخترق القناع الذي بنته بعناية فائقة على مدى سنتين كان أكثر إرهاقاً مما توقعت، وأكثر خطورة مما حسبته في كل خططها الليلية. استمر رجل الدين بتلاوة العقد، وحان الوقت لتوقيع الورقة الرسمية. مدّت ديما يدها لتأخذ القلم من الطاولة الصغيرة المغطاة بقماش أبيض مطرز، وفي اللحظة التي لامست أصابعها الورقة، توقفت عيناها عند سطر صغير في أسفل الصفحة: اسم الشاهد الرسمي الثاني على عقد الزواج. حسام النجم. شعرت بيدها تتجمد للحظة وهي تحمل القلم معلقاً في الهواء، وتذكّرت نظرته الغريبة في الممر منذ أقل من نصف ساعة، وابتسامته الهادئة التي لا تخلو من شيء غامض، وجملته الملغّزة عن ثوب والدتها. كان اسمه الآن مكتوباً أمامها بالحبر الأسود، كشاهد رسمي على بداية حياتها الجديدة، وكأن القدر نفسه يضع أمامها تذكيراً صامتاً بأن شيئاً ما، في هذا اليوم بالذات، لم يكن كما يجب أن يكون. وقّعت بيد ثابتة ظاهرياً، رغم أن قلبها كان يدق بعنف تحت الثوب الأبيض، وتنفسها كان أثقل بكثير مما يسمح به وجهها الهادئ. رفعت رأسها لتجد زاهر يحدّق بها بصمت، وكأنه لاحظ التردد الطفيف الذي استغرقته قبل التوقيع، تردداً لم يدم أكثر من ثانيتين، لكنه كان كافياً لرجل لا يفوته شيء. لم يقل شيئاً في تلك اللحظة. فقط أخذ القلم منها بهدوء، ووقّع اسمه بحركة سريعة واثقة لا تحمل أي تردد، ثم نظر إليها مباشرة وقال بصوت منخفض لا يسمعه إلا هي، وكأنه يضع حجر الأساس لكل ما سيأتي بعده: "اسمك الحقيقي… أم اسمك المسجّل فقط؟" تجمّدت ديما في مكانها، وشعرت بالأرض تميل تحت قدميها، وبأن كل الخطة التي بنتها على مدى سنتين قد تنهار في جملة واحدة قالها رجل لا يعرف عنها شيئاً، أو يعرف أكثر مما يجب.مر عامٌ كاملٌ على تلك الليلة الاستثنائية التي أُعلنت فيها البشرى داخل قصر النجم، عامٌ انطوت فيه آخر أوراق الخوف وأطياف الماضي، وتبدلت فيه ملامح المكان والزمان لتكتسي بصلابة الأمان ودفء الحياة العادية الهادئة. كانت حدائق قصر النجم في ذلك الصباح الربيعي المشمس تتألق بأبهى حلتها؛ يمتد المرج الأخضر الفسيح تحت ظلال الأشجار العالية، وتنعكس أشعة الشمس الذهبية على أسطح البركة الرخامية، بينما كانت نسمات الهواء العليل تحرك الأزهار المتفتحة وتملأ الأجواء بعبق الياسمين والورد الجوري. لم تعد هذه الحدائق اليوم مسرحاً لخطط الحراسة المجهدة، ولا منطقة ترقب لصفارات الطوارئ أو اختراقات التشويش الإلكتروني؛ بل استحالت مرفأً عائلياً يضج بالحياة، والدفء، والصحبة الصافية التي لا تكدرها الشكوك. على الأريكة الخشبية العريضة المظللة بظلال الأشجار الكثيفة، كانت ديما تجلس في سكينة تامة، تحمل بين يديها طفلها الأول "سليم"، الذي أتم شهره الثالث؛ كانت تتأمل ملامحه الصغيرة الناعمة، وترى في عينيه لمعة الشغف والصلابة التي ورثها عن أبيه. وإلى جوارها، كانت كل من إيرينا وفيكتوريا تتشاركان مداعبته، والابتسامات العفوية
مرت ستة أشهر كاملة على حفل الزفاف الأسطوري الذي شهدته دبي، وفي خلال تلك الأشهر الستة، تبدلت إيقاعات الحياة داخل أروقة قصر النجم وفي مجالس إدارات المجموعات التجارية بالكامل. لم تكن تلك الفترة مجرد استراحة محارب عقب انتهاء المعارك الميدانية والقانونية، بل كانت مرحلة إعادة بناء حقيقية وترميم شامل لكل الجراح والأخطاء التي خلّفها عقود من الصراع والشبهات. تلاشى التوتر المكتوم الذي طالما خيم على نظرات الجميع، وأصبحت أصداء الماضي وأشباحه مجرد ذكريات أرُشفت بنظام ودقة في السجلات القانونية للمحاكم، بينما توطدت ركائز الاستقرار العائلي والمهني على أرضية صلبة لا تهزها العواصف. في المقر الرئيسي للشركة بوسط المدينة، وعلى ارتفاع خمسين طابقاً يطل على أفق الساحل الممتد، ترأس زاهر النجم اجتماعاً موسعاً لمجلس الإدارة بحضور شركاء استراتيجيين وممثلين عن قطاعات الاستثمار، لإطلاق المخطط الهندسي والاستثماري الأضخم والأهم في تاريخ المجموعة: "مؤسسة النجم الجديدة". لم يكن المشروع الجديد مجرد توسع عقاري كلاسيكي أو إضافة أبراج جديدة إلى المحفظة المالية للمجموعة، بل كان عبارة عن مجمع معطيات وعقارات ذكية متكامل
تفتّحت آفاق الصباح في دبي على أبهى صورة؛ كان نسيم البحر العليل ينساب برقة عبر أروقة الفندق الشاطئي الفاخر الذي استأجره زاهر بالكامل لإقامة حفل الزفاف العلني الكبير. لم يكن هذا اليوم مجرد احتفال روتيني بتقاليد اجتماعية، بل كان إعلانًا ساطعًا بالفوز الشامل، واستردادًا للحق في الحياة والسعادة بعدما أُزيحت كل الظلال والدسائس التي طالما جثمت على أنفاس الجميع. داخل الأجنحة الملكية للفندق، كانت التحضيرات تجري على قدم وساق منذ بزوغ الفجر. وفي جناح العروس المزين بأكاليل الزهر الأبيض والياسمين الناصع، كانت ديما تقف أمام المرآة الكريستالية الكبيرة، ترتدي فستان زفاف أبيض استثنائيّ التصميم؛ صُمم بطرز كلاسيكية راقية تزينها تطريزات اللؤلؤ الخالص دقيقة الصنع. كانت ملامحها تفيض بسكينة عميقة، واختفت من عينيها تلك النظرات الحذرة القلقة التي رافقتها لسنوات طويلة أثناء صراعها مع طيف الانتقام والتهديدات المتواصلة. كانت سارة وسلمى تقفان إلى جوارها، تضعان اللمسات الأخيرة على الطرحة الحريرية الطويلة، والضحكات العفوية تملأ أرجاء الغرفة. "لا أصدق أننا وصلنا أخيراً إلى هذه اللحظة يا ديما،" قالت سارة وهي ت
شهدت الأيام التالية لصدور القرارات القضائية تحولاً ملموساً في أروقة قصر النجم؛ فقد تلاشى الاستنفار الأمني المشدود الذي خيّم على أرجاء المكان لأشهر طويلة، واستُبدلت الحركة العسكرية المتوترة بجلسات هادئة تسودها ترتيبات المستقل وإغلاق الملفات العالقة. انقضت أوقات الصباح في إعادة الهيكلة القانونية والإدارية لتركة الماضي. اجتمع زاهر في القاعة الرئيسية رفقة المستشارين القانونيين، وبحضور إيرينا وفيكتوريا وديما، لبدء إجراءات التسوية الشاملة للحقوق والممتلكات العائلية. لم يدع زاهر مجالاً لأي لبس أو نزاع مستقبل؛ فقد أُعدت وثائق رسمية ملزمة تضمن تخصيص حصص عادلة ومكتملة الشروط لكل من إيرينا وفيكتوريا في الأصول العقارية والشركات الاستثمارية التابعة للتركة في موسكو ودبي، بما يعوض سنين الشتات والضياع التي فرضتها ألعاب دميتري وشبكاته القديمة. "هذه ليست أصولاً معروضة للمساومة،" قال زاهر وهو يوقع النسخ المعتمدة من عقد التسوية النهائية، ثم يمرر القلم نحو إيرينا وفيكتوريا. "هذا حقكما الشرعي والقانوني الذي حاول البعض سحبه منكما طوال عقود... وبإغلاق هذا الملف اليوم، نضع حداً لأي محاولة للتفريق بين
تسللت أشعة شمس الصباح الدافئة لتغمر قمم المباني وشوارع المدينة العريضة، ممارسةً دورها في تبديد آخر أطياف الضباب والرطوبة الثقيلة التي خيّمت على المنطقة طوال الليلة الماضية عقب انهيار بوابات السد المائي. كانت الساحة الممتدة أمام المبنى الرئيسي لدائرة التحقيقات والنيابة العامة تشهد حركة غير عادية منذ ساعات الفجر الأولى؛ سيارات أمنية مظللة، وقوات حراسة خاصة، ووسائل إعلام تجمعت عند السور الخارجي بعد الاستنفار الاستخباراتي والقضائي الواسع النطاق الذي أعقب الاقتحام السريع لنفق السد واقتتياد دميتري فولين — أو "إيغور بتروفيك" — مصفداً تحت حراسة مشددة. لم تعد القضية اليوم تنحصر في نطاق خصومة عقارية، ولا في زوايا خلاف عائلي قديم ينبش في أوراق الصندوق الأزرق؛ بل تحولت بفضل حجم البيانات المفككة إلى ملف استخباري وقضائي دولي ضخم، وضع حدًا لواحد من أطول صراعات الظل وأكثرها تعقيداً. في الطابق الرابع داخل مكاتب النيابة العامة ذات السقوف المرتفعة والنوافذ الزجاجية المطلة على المدينة، خيم صمت مهيب يُقطعه فقط صوت تقليب الأوراق وثقل خطوات المحققين والقضاة. جلس زاهر النجم في قاعة التحقيق الرئيسي
تردد صدى اندفاع المياه الجارفة داخل الفتحة الضيقة للنفق المائي السفلي، مكسواً بصوت هطول المطر العنيف الذي أخذ يضرب أسطح السد المهدوم بقسوة، صانعاً إيقاعاً متسارعاً يواكب دقات القلوب المتلاحقة في تلك الظلمة الموحشة. كان النفق مظلماً وموحشاً إلى أقصى حد، يلفه رذاذ بارد ورائحة طحالب وعفن قديم تراكم عبر عقود من الإهمال والنسيان. خاض زاهر في المياه الباردة التي ارتفعت بسرعة لتصل إلى منتصف ساقيه، ممسكاً بسلاحه التكتيكي بثبات وموجهاً نظراته النارية نحو الأعماق المعتمة، بينما كان ياسين يتقدمه ببضع خطوات بمهارة ميدانية عالية، يمسح بظلال كشافه اليدوي القوي الانحناءات الخرسانية الرطبة والجدران المتآكلة. "السيد زاهر، احذر حواف السقف والمياه الثائرة!" صرخ ياسين وهو يتفادى بحذر كتلة خشبية حادة جرفتها السيول بسرعة من الأنابيب العليا. "المنفذ البحري الخلفي للنفق يبعد زهاء مئة متر فقط من موقعنا الحالي، ودميتري يعرف هذا الشريط الجبلي وهذه الأنفاق المائية القديمة أفضل من أي شخص آخر!" "لن يفلت الليلة يا ياسين، لو كان هذا النفق مسدوزاً للهاوية!" أجاب زاهر بصوت صارم يتردد صداه قتّالاً بين جدران النفق







