FAZER LOGINفي الطابق الإداري، كانت ياسمين تجلس خلف مكتبها تراجع بعض الملفات، بينما انشغل ساهل بترتيب جدول المواعيد أمامه. لم تمضِ سوى دقائق حتى ظهرت سارة عند مدخل القسم، واتجهت مباشرة نحو مكتب السكرتارية. رفعت ياسمين عينيها للحظة، وتعرفت إليها فورًا، لكنها عادت إلى أوراقها دون أن تبدي أي اهتمام. أما سارة، فقد تجاهلت وجودها تمامًا، والتفتت إلى ساهل وسألته: — هل السيد عاصم في مكتبه؟ أجابها ساهل بأدب: — نعم، آنسة سارة. سأخبره بوصولكِ. لكنها قاطعته وهي تتجه نحو باب المكتب: — لا داعي لذلك، سأدخل مباشرة. لم يحاول ساهل إيقافها، واكتفى بمتابعتها بنظره وهي تفتح الباب وتدخل. رفعت ياسمين رأسها مجددًا، وتابعت حركتها بعينيها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، ثم عادت إلى عملها. لقد أدركت أن سارة لم تأتِ إلى المكتب فور وصولها إلى موقف السيارات؛ فقد رأتها بنفسها تعود إلى سيارتها بعد المشهد الذي جمعها بعاصم، وبقيت هناك فترة طويلة قبل أن تقرر الدخول. كانت تعرف أن ما رأته لم يمر عليها مرورًا عاديًا، وأن تلك الابتسامة الصغيرة التي تركتها على وجه عاصم قد أثارت في داخل سارة أكثر مما أظهرت. و
ثم استدارت متجهة نحو مدخل الشركة، تاركة عاصم واقفًا في مكانه، لا يزال يحاول فهم ما جرى. وقبل أن تبتعد تمامًا، ألقت نظرة خاطفة نحو سارة، فوجدتها لا تزال تراقبهما. ابتسمت ياسمين في سرها، ثم تابعت طريقها بخطوات هادئة. لم تكن متأكدة مما دار في ذهن سارة، لكنها كانت واثقة من أنها لم تفوّت المشهد. ،****** ما إن وصل خبر خسارة شركة المستقبل للمناقصة إلى سارة حتى شعرت بصدمة كبيرة. كانت تعلّق آمالًا واسعة على هذا المشروع، فقد كان الفوز به سيمنح شركتهم فرصة حقيقية لتحسين وضعها المالي واستعادة بعض مكانتها في السوق. لم تكن تتوقع أن تنتهي الأمور بهذه السرعة، خصوصًا أنها كانت تأمل أن يتمكن عاصم من مساعدتها في الحصول على فرصة للفوز. أمسكت هاتفها واتصلت به، لكنها سرعان ما تراجعت عن الفكرة. قررت الذهاب إليه بنفسها، لعلها تتمكن من إقناعه بالبحث معها عن حل ينقذ شركتها من الوضع الذي أصبحت فيه. وصلت إلى مقر الشركة، وأوقفت سيارتها في موقف السيارات. وما إن ترجّلت منها حتى لمحت عاصم بالقرب من سيارته. ابتسمت تلقائيًا واتجهت نحوه، لكنها توقفت بعد خطوات قليلة عندما لاحظت وجود ياسمين معه. لم تكن
وصلت ياسمين إلى الشركة، وأوقفت سيارتها في موقف السيارات، ثم ترجّلت منها وأغلقت الباب قبل أن تتجه نحو مدخل المبنى. لكنها لم تكد تخطو بضع خطوات حتى سمعت صوتًا يناديها: — ياسمين! توقفت والتفتت نحو مصدر الصوت، لتجد عاصم واقفًا بالقرب من سيارته، يراقبها بنظرات متفحصة. بدا من ملامحه أنه كان ينتظر وصولها. اقترب منها بخطوات ثابتة، وما إن أصبح أمامها حتى سألها بنبرة جادة تخفي وراءها انزعاجًا واضحًا: — أين كنتِ ليلة البارحة؟ نظرت إليه بهدوء، وأجابته دون أن تبدو عليها علامات الارتباك: — كنت مع صديقتي. هل حدث شيء؟ قطّب حاجبيه، وكأن إجابتها لم ترق له. — صديقة؟ منذ متى أصبحت لديكِ صديقات؟ لم تجبه، بل اكتفت بالنظر إليه، فتابع بنبرة أكثر حدة: — اسمعي يا ياسمين، أنتِ لستِ حرة لتفعلي ما تشائين. أنتِ امرأة متزوجة، وعليكِ أن تحترمي هذا الزواج. ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها، وقالت بهدوء لاذع: — وهل احترمته أنت؟ تصلبت ملامحه، واشتد الغضب في عينيه. — لا شأن لكِ بي! لا تحاولي تغيير الموضوع. ما أقصده هو أنكِ يجب أن تخبريني إلى أين تذهبين، وألا تغادري المنزل دون علمي. هل كلامي
بعد أن انتهتا من الإفطار، نهضت ندى وجمعت الأطباق، بينما بادرت ياسمين إلى مساعدتها في ترتيب الطاولة. تبادلتا بعض الكلمات العابرة والضحكات الخفيفة، ثم اتجهتا معًا إلى غرفة الملابس استعدادًا للخروج. كانت خزانة ندى واسعة وممتلئة بقطع ملابس متنوعة، وقد وقفت أمامها تتفحصها بعناية، بينما ألقت ياسمين نظرة على ملابسها التي ارتدتها في اليوم السابق. التفتت ندى إليها، ثم قالت بابتسامة: — بالمناسبة، لا أظنكِ ستذهبين إلى العمل بهذه الملابس التي ارتديتِها أمس. نظرت ياسمين إلى ملابسها، ثم ضحكت بخفة. — كنت أنوي العودة إلى المنزل أولًا وتغييرها. هزت ندى رأسها، وهي تسحب أحد الفساتين من الخزانة. — لا داعي لذلك. اختاري ما يعجبكِ من ملابسي، ويمكنكِ ارتداء ما تشائين. — لا أريد أن آخذ من ملابسكِ، يكفي أنكِ استضفتِني. التفتت ندى إليها بنظرة عاتبة مصطنعة. — ياسمين، لا تبدئي معي من جديد. هل نسيتِ أننا صديقتان؟ أم أنكِ تعتقدين أن خزانتي متحف لا يُسمح لأحد بالاقتراب منه؟ ضحكت ياسمين، ثم اقتربت منها لتتفحص الملابس. — حسنًا، لكنني سأختار شيئًا بسيطًا، ولن أستولي على نصف خزانتكِ. — خذي راحتكِ، وإذا أعجب
في المنزل ، استيقظ عاصم في وقت متأخر قليلًا عن المعتاد. نهض من سريره، واتجه إلى الحمام. وبعد أن انتهى من الاستحمام وارتدى ملابسه، خرج من غرفة النوم متجهًا إلى الطابق السفلي. كان المنزل هادئًا على غير عادته، ولمحظ في تلك اللحظة غياب الحركة التي اعتاد رؤيتها في الصباح. توجه إلى غرفة المعيشة، وألقى نظرة سريعة حوله، ثم استوقف إحدى العاملات التي كانت ترتب المكان. — أين ياسمين؟ توقفت العاملة عن عملها، وأجابته بأدب: — لم أرَ السيدة ياسمين هذا الصباح، سيدي. قطب عاصم حاجبيه. — ماذا تقصدين؟ ألم تعد إلى المنزل ليلة أمس؟ ترددت العاملة قليلًا، ثم أجابت: — لا، سيدي. لم نرها تعود. تغيرت ملامح عاصم، وشد فكه بوضوح. — هل أنتِ متأكدة؟ — نعم، سيدي. لم أرها تدخل المنزل طوال الليل. لم يعلق. أخرج هاتفه من جيبه، وفتح قائمة الاتصالات، ثم ضغط على اسم ياسمين. --- في منزل ندى، كانت ياسمين لا تزال جالسة إلى طاولة الإفطار، تستمع إلى صديقتها وهي تتحدث عن أحد الأمور المتعلقة بالعمل، عندما اهتز هاتفها الموضوع بجانب طبقها. ألقت نظرة عابرة على الشاشة، فتوقفت عيناها عند الاسم الظاهر علي
الفصل التالي: صباح بعيد عنه استيقظت ياسمين ببطء، وراحت تفتح عينيها بصعوبة، قبل أن تعود وتغمضهما فورًا حين شعرت بصداع حاد يضغط على رأسها. وضعت يدها على جبينها، وأطلقت تأوهًا خافتًا، ثم حاولت الاعتدال في جلستها دون جدوى. كانت تشعر بثقل في جسدها، وكأنها لم تنم سوى دقائق قليلة، رغم أنها قضت ساعات طويلة في النوم. وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت ندى تحمل كوبًا من الماء. وما إن رأت ياسمين مستيقظة حتى ارتسمت ابتسامة على وجهها. — صباح الخير أيتها النائمة! هل عدتِ إلى عالم الأحياء أخيرًا؟ فتحت ياسمين عينيها ونظرت إليها بوجه شاحب وملامح متعبة، ثم تمتمت: — لا تسخري مني... أشعر وكأن رأسي على وشك الانفجار. ضحكت ندى وهي تقترب من السرير، ثم وضعت كوب الماء على الطاولة بجانبها. — هذا ما يحدث عندما تقررين قضاء نصف الليل في الحانة، ثم ترفضين العودة إلى المنزل لأنكِ لا تريدين النوم. تنهدت ياسمين، ومدت يدها نحو الكوب. — لا تذكريني، أرجوكِ. لا أفهم كيف استطعت شرب كل ذلك. جلست ندى على حافة السرير، وقالت بنبرة مازحة: — بل أنا التي لا أفهم كيف استطعت إقناعكِ أخيرًا بمغادرة







