Share

102

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:00:18

كان النهار ينتهي والليل يزحف ببطء، عندما وصل الوفد الملكي إلى بوابات معبد الإله "ست" الكبير في مدينة "أومبوس" البعيدة. كانت الشمس وهي تغرب تنشر آخر أشعتها الحمراء على الجدران الحجرية العالية، فتبدو تلك الصخور ذات اللون الأحمر الداكن كأنها مغطاة بدم جاف تركته حروب قديمة دارت في الماضي البعيد. كانت تماثيل السبع البري الضخمة—التي تمثل شكل الإله ست—تحرس المداخل بهيبة تخيف النفوس، وتبدو عيونها المصنوعة من الحجر الأسود اللامع في ذلك الوقت كأنها كائنات حية تراقب بحذر كل خطوة يخطوها الأمراء.

استقبلهم كبير كهنة المعبد، الكاهن الأكبر الشيخ "سخم-رع"، بترحاب رسمي كبير يناسب مقام أمراء عائلة رمسيس العظيمة. لكنه بمجرد أن نظر في وجوههم، شعر على الفور بالقلق الخفي والهم الكبير الذي يحملونه في صدورهم؛ فقد عرف بذكائه الكهنوتي أن وراء هذه الزيارة المفاجئة خطراً كبيراً يهدد سلامة البلاد.

بعد الانتهاء من طقوس التطهير بالماء المقدس وتبخير الثياب، قادهم الكاهن الأكبر "سخم-رع" عبر ممرات ملتوية غائرة في أعماق الأرض، حتى وصلوا إلى غرفة سرية مغلقة تقع تحت أساسات المعبد القديم. كانت تلك الغرفة مضاءة بمصابيح زيتية تنبعث منها أنوار حمراء خافية، ومحاطة بجدران حجرية سميكة مليئة بالنقوش القديمة التي تحكي معارك الإله ست العنيفة ضد ثعبان الفناء "أبوفيس"، وضد الإله الشمالي الغريب "بعل"، وقوى الشر والدمار.

جلس الجميع في صمت تام، وتقدم الأمير مرنبتاح، وعلامات التعب والقلق واضحة على وجهه الصارم، ليروي رؤيته المخيفة للإله بعل في جبل الرعد بكل تفاصيلها، متحدثاً عن ذلك الشعور الصعب بالعجز الذي لازمه منذ تلك الليلة في شمال البلاد. استمع الكاهن الأكبر "سخم-رع" باهتمام وصمت طويل، ثم التفت بنظره مباشرة نحو الغلام المعجزة "سى اوزير"، وقال بصوت عميق يحمل هيبة الماضي:

"أنت الوحيد في هذه القاعة، بل في أرض مصر كلها، المؤهل للقيام بهذا الطقس الخطير يا بني. أنت الذي رأيت الإله ست على هيئته الحقيقية القوية في العالم السفلي وخرجت حياً وواعياً. روحك طاهرة، نقية، وقوية بما يكفي لتحمل هيبته وجوده ونار أنفاسه... أما الآخرون، فلو حاولوا فتح باب للتواصل معه في هذه الغرفة، ستنهار عقولهم وتتحرق أجسادهم فوراً بسبب قوته ورعده."

أصر الكاهن الأكبر بشدة رغم مخاوف الأمير خع إم واست، الذي كان يخاف على ابنه من أهوال السحر مجدداً. ثم مد الكاهن يده إلى صندوق خشبي قديم مرصع بالذهب، وأخرج منه زجاجة صغيرة مصنوعة من حجر أسود لامع، كانت تحتوي على سائل كثيف بلون أحمر داكن مائل إلى السواد، يتحرك في الداخل بحركات غريبة كأنه كائن حي يتنفس. وقال الكاهن بنبرة غامضة تحبس الأنفاس:

"هذا المزيج هو مادة سحرية قديمة جداً، مستخلصة من دماء حيوانات أسطورية وممزوجة بعرق الإله ست نفسه أثناء معركته لحماية مركب الشمس. ستشرب هذا السائل يا سى اوزير، لتدخل روحك في حالة بين عالم البشر وعالم الآلهة. لا تخف... فالإله الأحمر رغم قوته وعنفه هو حليف لعرشنا وضامن لبقاء عائلتكم."

في منتصف الليل تماماً، عندما ظهر القمر في وسط السماء، بدأت طقوس التحضير. جلس الصبي سى اوزير بمفرده في مركز دائرة مقدسة رُسمت على الأرض بحبر مخلوط بالدم المقدس ورماد التمائم المحروقة. كان أبوه الأمير خع إم واست وعمه القائد مرنبتاح يراقبانه من بعيد بقلق وخوف شديد يمزق قلوبهم خوفاً من أن يحدث له أي مكروه.

أمسك الفتى بالزجاجة السوداء بيديه الصغيرتين اللتين كانتا ترتجفان، وتنهد بعمق مستجمعاً كل شجاعته ونوره الفيروزي الكامن، ثم شرب السائل الكثيف الحارق دفعة واحدة دون تردد.

في تلك الثواني السريعة، شعر سى اوزير بحرقة شديدة وقوية تنتشر في حلقه وتسري في عروقه كأنه يشرب ناراً سائلة أحس بها في أحشائه، لكن هذه النار كانت تحمل في داخلها برداً ثلجياً غريباً جمد أطرافه ومنعه من الحركة. سقط الصبي على ركبتيه، وبدأت الغرفة السرية بنقوشها الحمراء تدور من حوله بسرعة مرعبة، وفجأة... اختفى عالم البشر تماماً، وانفتح أمامه وعي آخر، وعالم جديد تماماً.

وجد سى اوزير روحه واقفة في فضاء مظلم وواسع لا نهاية له، فضاء ممتلئ بعواصف رعدية قوية، وتتساقط في أرجائه الصواعق الحمراء لتهز المكان بعنف شديد. وفي وسط هذا الخطر المرعب، ظهر الكيان المهيب للإله "ست".

كان ست مهيباً وقوياً، تماماً كما تذكره الفتى عندما رآه أول مرة في أعماق العالم السفلي؛ جسد عملاق هائل ممتلئ بالعضلات البارزة والقوية، ورأسه المخيف يحمل ملامح السبع البري ذو الأذنين الطويلتين، وعيناه تحترقان بنار حمراء غاضبة لا تعرف معنى الرحمة أو الضعف، بينما كان سلاحه الأسطوري العظيم—وهو رمح معوج—ينبض بصواعق الرعد والبرق التي تشق ظلام الفضاء. كان مجرد وجوده يرسل موجات قوية من الخوف والرهبة في كامل جسد الفتى، كأن كل جزء في كيانه يرتجف ويخضع رغماً عنه أمام هذه القوة التي لا تُقهر.

انطلقت من جوف الإله ضحكة مدوية هزت الأرض من تحت الأقدام، وخرج صوته كعاصفة صحراوية قوية تحرك الصخور والرمال:

"ها أنت تظهر أمامي مرة أخرى في محرابي، يا أيها الصغير الذي تجرأ وقطع قلب اتحاد أبوفيس في ليل العالم السفلي! إنك تملك شجاعة مذهلة ونقاوة روح نادرة، تجعلك تطلب لقاء سيد الرعد والصحراء في مكانه الخاص!"

همس سى اوزير بصوت يرتجف من شدة الخوف والهيبة، لكنه ظل ثابتاً في مكانه بفضل نوره الفيروزي الداخلي: "يا سيد العواصف وحامي مركب الشمس ضد قوى الشر... يا من هزم بعل مراراً في الماضي البعيد... إن عمي مرنبتاح قد رأى الإله بعل في ثغور الشمال، ونطق بكلمات يهدد فيها بمحو عرش مصر وإنهاء ذرية جدي الفرعون رمسيس. وأنا أرى هذا الخطر يظهر في منامي أيضاً... عاصفة سوداء تقترب لتلتهم بلادنا العظيمة."

ضحك الإله ست مرة أخرى، لكنها كانت ضحكة مليئة بالثقة المطلقة التي تليق بآلهة الحرب والقتال:

"بعل؟ ذلك الكلب الشمالي الهارب الذي جرى مني مراراً وتكراراً في العصور القديمة؟ اتركوا أمره لي ولا تقلقوا منه. إنني أشك كثيراً في أنه يملك الشجاعة على الاقتراب من حدودي بعد ما أذقته من طعم رعدي في الماضي البعيد. أنا من طرده وخسف بقوته الأرض إلى أطراف الكون، وأنا من سيمزق كيانه مجدداً بناري إذا تجرأ على تخطي حدودي."

ثم انخفض برأسه الشرس نحو سى اوزير، ونظر إليه بنظرة حادة وقوية، نظرة دخلت إلى أعماق روحه وفحصت نقاءها:

"أما أنتم يا أبناء العروش والبشر... فلكم جيوشه من البشر الفانين، والقبائل التي تتبعه والذين سيجمعون الحديد والنار لقتالكم على الأرض. تعاملوا معهم بسيوفكم ودروعكم وحكمتكم؛ فقد توقفت عن التدخل في دماء البشر منذ زمن طويل. هذا واجبكم أنتم لحماية الأرض التي تحكمونها وتعيشون من خيراتها."

مد الإله ست يده الضخمة، وألقى نحو الفتى تميمة صغيرة مصنوعة من نفس الحجر الأسود والأحمر المستخلص من باطن الأرض، ونُحتت بدقة على شكل رأس السبع البري الأسطوري. كانت تلك التميمة غريبة في طبيعتها؛ إذ كانت تتحرك وتنبض بين أصابع الفتى بانتظام وبخفوت كأنها قلب حي ينبض بالدم الساخن. وقال الإله كلماته الأخيرة قبل أن يختفي في إعصار الرعد:

"خذ هذه التميمة واحفظها في أعمق أسرارك وراء حجب وعيك. عندما تأتي ساعة الخطر الحقيقي وتبدأ العاصفة البشرية في حرق كل شيء، ستشتعل هذه التميمة بناري وتخبرك بالوقت الحاسم. استدعني في تلك اللحظة بالذات عبر هذا الرابط... وسأكون هناك لأمطر سماء أعدائك بصواعق الفناء."

واختفت الرؤية فجأة كما بدأت، وعاد العالم الحقيقي ليظهر مجدداً.

استيقظ سى اوزير في الغرفة السرية تحت معبد أومبوس وهو يتنفس بعنف شديد ويمسك بصدره، وجسده مغطى بالكامل بعرق بارد كأنه خرج للتو من معركة قوية استمرت لأيام. ركض الأمير خع إم واست وعمه مرنبتاح نحوه بلهفة وخوف شديد يكاد يوقف أنفاسهم، فرفع الفتى كفه اليمين ببطء، وكشف لهم عن التميمة السوداء الحمراء التي كانت لا تزال تنبض بخفوت واضح، وقال بصوت ضعيف يملؤه التعب الشديد:

"لقد تحدثت معه... واجهت عاصفته الحمراء في ذلك الفضاء المظلم. قال إن بعل ليس مشكلتنا الإلهية في الوقت الحالي، بل مشكلتنا الحقيقية هي جيوش البشر التي تجمع في الخفاء ضد حدودنا... وأعطاني هذه التميمة لليوم الموعود."

عاد الوفد الملكي إلى مدينة "طيبة" في كتمان وسرية تامة، وهم يحملون معهم معلومات جديدة، وسر أكبر وأعمق بكثير مما خرجوا من أجله. كان الأمير مرنبتاح يشعر ببعض الارتياح والهدوء في صدره بعد سماع وعود الإله ست الصارمة، لكن عقله العسكري المحترف كان يعرف يقيناً أن الحرب الحقيقية بين جيوش البشر لم تبدأ بعد، وأن السيوف ستلتقي قريباً. أما الصبي سى اوزير، فقد كان يغلق كفه الصغيرة على التميمة النابضة، وهو يفكر في قوة الإله وعنفه، وفي الثمن الكبير الذي قد يدفعه الجميع عندما تشهد أرض مصر اشتعال رأس السبع البري بالنار الحمراء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status