Share

103

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:00:21

عاد الوفد الملكي من معبد الإله "ست" في مدينة "أومبوس" الحمراء إلى أرض "طيبة"، وهم يحملون في جعبتهم تميمة الاستدعاء الغامضة، تلك التميمة المصنوعة من حجر أسود قرمزي ينبض كأنه قلب حي، وكلمات الإله الأحمر الغاشم التي لم تتوقف عن الرنين في عقولهم الباطنة. كان كل من سى اوزير، وخع إم واست، ومرنبتاح يحاولون بشتى الطرق استيعاب أبعاد ذلك اللقاء المرعب الذي دار تحت الأرض في المحراب المظلم، لكن الأجواء العامة داخل القصر الملكي كانت تزداد توتراً وضيقاً يوماً بعد يوم، كأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً ويحمل في طياته أنفاس الحرب والصدام القادم.

على الجانب الآخر من الوجود، وفي أقاصي الشمال البعيد حيث تلتقي قمم الجبال بالسحاب الكثيف، كان الإله "بعل"—إله العواصف والرعد والدمار عند شعوب الآراميين والحيثيين—يجلس بكبرياء وجبروت على عرشه الضخم في قصره الجبلي المعلق الذي لا تصل إليه أقدام الفانين. كان ذلك العرش الأسطوري مصنوعاً بالكامل من عظام الجبابرة والملوك القدامى الذين سحقهم في العصور السحيقة، وتحيط به عواصف رعدية مدوية بلا انقطاع، وبرق أزرق يضيء عتمة السماء بنسق مرعب يحبس الأنفاس.

كان بعل يشعر بطمأنينة شديدة وثقة تامة تجاه خطته الكبرى التي رسمها لاجتياح أرض مصر واستئصال شأفة حكم رمسيس؛ فقد كان يعلم علم اليقين، ومن خلال عيونه وجواسيسه المنتشرين في أصقاع الأرض، أن الآلهة المصرية العظمى قد هجرت الأرض منذ زمن بعيد وقطعت اتصالها المباشر بالبشر. لقد ارتقت إيزيس، وآمون الأعظم، ورع نور الكون، وحورس حامي العرش إلى السموات العالية والمقامات الروحية البعيدة، وتخلوا تماماً عن التدخل المباشر في تفاصيل شؤون البشر الصغير، تاركين أرض الكنانة تدير دفتها بنفسها دون سند غيبي. هذا الفراغ الإلهي الكبير، وهذا العرش السماوي الخالي في وادي النيل، كان هو الدافع الأساسي والشرارة التي شجعت بعل على التخطيط لهذا الغزو العظيم.

لكنه، ورغم قوته الطاغية وجيشه الخفي، كان يحذر شيئاً واحداً فقط... إلهاً واحداً يملك القدرة الكافية على إفساد خطته وخسف قوته تحت التراب.

إنه الإله الأحمر "ست".

كان ست هو الكيان الوحيد في الكون الفسيح الذي يثير في نفس بعل الرعب الحقيقي والخوف الدفين؛ فلم يكن ست إلهاً عادياً يمكن التنبؤ بحركاته أو قراءة حدود طاقته، بل كان طاقة غاشمة لا نهائية، وقوة كاسحة مدمرة لا تقاس بمعايير بقية الآلهة الأجنبية أو المحلية.

في الماضي السحيق، وقبل أن تترك الآلهة الأرض للبشر وترتقي إلى مجدها السماوي، التقى الكيانان في معارك أسطورية طاحنة غيرت تضاريس الأرض، وأذاق فيها ست غريمه الشمالي طعم الذل والمهانة والكسر المستمر. مزقه برعده العنيف، وطرده بعاصفة هوجاء اقتلعت حصونه إلى أطراف الكون، وأجبره على التراجع نحو جباله مخزياً ومكسور الجناح. كان ست يقاتل ببرية ووحشية مرعبة، برأس سبع شرس لا يرحم، وعضلات مفتولة كالجبال الراسخة، وسلاح معوج ذو قرنين يشق أستار الفضاء نفسه ويزلزل الأرض.

كان بعل يتذكر تفاصيل تلك الهزائم القديمة جيداً ويشعر بمرارتها وحرقتها في حلقه؛ فلو اجتمعت آلهة الشمال والشرق الأجنبية كلها في صعيد واحد لمواجهة ست—بعل، وأنات إلهة الحرب، وأشور، ومردوخ العظيم، وكل من معهم من قوى الظلال—لكان ست بمفرده كفيلاً بهزيمتهم وسحقهم وتشتيت شملهم جميعاً دون أدنى عناء، كمن يطقطق أصابعه سخرية واستهزاءً بقوتهم. وحشيته وقوته الغاشمة لا تعرف اللين أو الرحمة، ولذلك لم يكن بعل ليجازف أبدًا بالتقدم خطوة واحدة مكشوفة نحو حدود مصر ما دام طيف ست يراقب الأفق الحامي للوادي.

همس بعل لنفسه بنبرة حادة وهو يمرر أصابعه الخشنة على مقبض عرشه العظمي وسط هبوب الرياح: "لن أكرر خطئي القديم وأندفع نحو حتفي دون دراسة حذرة. صحيح أن ست مقيد الآن بقتاله اليومي الأبدي الوعر ضد ثعبان الفناء أبوفيس في جوف ليل العالم السفلي، لكن عهده وطيفه لا يزالان هناك... يملك عيوناً خفية تحرس ذلك الوادي الأخضر."

بسبب هذا الخوف الرهيب والهاجس الدائم من تدخل ست المفاجئ، اختار بعل طريق الحذر الاستراتيجي والمناورة الصامتة؛ فلم يرسل فيالقه الكبرى، أو جيوشه الحديدية، أو عرباته الحربية المتطورة نحو الحدود بعد، بل فضّل إرسال طليعة من أقوى سحرته وجواسيسه السريين كاستطلاع متقدم يتسلل خلف الخطوط الحامية لمصر لبث العيون وجمع الأخبار.

كانت هذه المجموعة الظلامية تتكون من رجال أشداء ذوي عيون سوداء داكنة بالكامل لا تظهر فيها أي حدقات أو بياض، يحملون في صدورهم تعاويذ شمالية قديمة موروثة من السحرة الأوائل تمنحهم القدرة على التخفي، والتحرك كالظلال الشاحبة وسط جموع البشر دون أن تكتشفهم العين المجردة. وكانت مهامهم المحددة والواضحة التي أصدرها الإله بعل قاطعة لا تحتمل الخطأ:

الهدف الأول: رصد الحالة الصحية والروحية للفرعون رمسيس الثاني بدقة، ومعرفة مدى ضعفه وجاهزيته لإدارة شؤون الحكم والحرب بعد أن قدم تضحيته الحيوية الأخيرة بقطع سنين عمره لافتداء ابنه.

الهدف الثاني: مراقبة تحركات الأمير خع إم واست وابنه الصغير سى اوزير عن قرب، وقياس مدى قوتهما السحرية الفيروزية الجديدة التي ولدت بعد معركة معبد بو باستيس وتطهير الروح.

الهدف الثالث: التأكد اليقيني التام من غياب الآلهة المصرية القديمة؛ هل عاد أي منهم لحماية الأرضين في الخفاء؟ هل هناك تحالفات سرية جديدة بين الكهنة والقوى الغيبية؟ وهل ينوي ست التدخل بنفسه وبشكل مباشر لو بدأت الجيوش البشرية في اجتياح الحدود؟

بدأ هؤلاء السحرة الظلاميون بالتحرك في مجموعات صغيرة جداً ومتباعدة حتى لا يثيروا ريبة حراس الحدود، متنكرين في أزياء تجار قادمين من بلاد الشام يحملون الزيوت والأقمشة، أو حجاج يقصدون المعابد المصرية القديمة لتقديم النذور، أو حتى جنود مرتزقة أجانب يبحثون عن عمل في صفوف الجيش المصري. عبروا الحدود الشمالية لمصر تحت جنح الظلام ودون أن يشعر بهم أحد من حرس الثغور، وبدأوا يتسللون جنوباً بخطوات وئيدة نحو مدينتي "منف" و"طيبة" العريقتين. كانوا يستمعون لحديث العامة في الأسواق، ويراقبون تحركات الفيالق العسكرية، ويرسلون تقاريرهم السرية واليومية إلى قصر جبل الرعد في الشمال عبر طيور سحرية سوداء تطير بسرعة البرق في عتمة الليل البهيم.

في هذه الأثناء، وداخل أروقة القصر الملكي الفسيح في مدينة "طيبة"، كان الصبي المعجزة سى اوزير يجلس في زاوية غرفته ممسكاً بإحكام بتميمة ست الصغيرة التي جلبها معه من معبد أومبوس. كان يشعر بنبضاتها الخفيفة الساخنة تزداد سرعة وحرارة بمرور الساعات والتحام الليل بالنهار، كأن رأس السبع البري المحفور بدقة على الحجر الأسود يحذره بقلب ينبض حقيقة من خطر غامض يزحف بنعومة وبطء نحو أسرته وعرش جده.

التفت الفتى سى اوزير بنظراته الفيروزية الحادة نحو أبيه الأمير خع إم واست وعمه القائد مرنبتاح اللذين كانا يتدارسان بعض البرديات العسكرية، وقال بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالتوجس والخوف الحقيقي:

"أبي... عمي... إنني أشعر بظلال غريبة وغير مألوفة تتحرك في الأقاليم الشمالية ومجاري النيل. ليست ظلالاً عادية للبشر، أو اللصوص، أو عابري السبيل، بل هي عيون ساحرة، داكنة، ومظلمة تلتف حول أسوارنا وتراقب أنفاسنا وتحصي خطواتنا في الخفاء."

نظر إليه عمه مرنبتاح بقلق شديد واهتمام بالغ، وهو يسترجع في عقله صورة الإله بعل وتهديداته العاصفة في جبل الرعد، وقبض بيده الخشنة على كف سيفه البرونزي قائلاً: "إذن، لقد بدأت اللعبة الكبرى وتحركت خيوط القدر... لكنهم يتحركون بحذر شديد وخوف ظاهر لا يخطئه عقل؛ إنهم يرتعدون خوفاً من وعيد الإله ست وتدخله المدمر، ولن يجرؤوا على شن أي هجوم مكشوف أو إعلان الحرب قبل أن يختبروا مدى قوتنا وجاهزيتنا للدفاع عن العرش."

وضع الأمير الكاهن خع إم واست كفه الدافئة على كتف ابنه الصغير ليطمئنه، وقال بنبرة مليئة بالثبات وعزم الكهنة الراسخ: "سنكون على أهبة الاستعداد الكامل لكل طارق ولكل خطر يهدد أرضنا. مهما أرسلوا من ظلال، وجواسيس، وسحرة عيونهم سوداء، فإن النور الفيروزي المشترك الكامن في صدورنا وعقيدتنا كفيل بسحقهم، وتفكيك سحرهم، وتطهير أرض مصر من رجسهم وضلالهم."

في الشمال البعيد، كان الإله بعل يبتسم ابتسامة باردة ممتلئة بالثقة والخبث والتشفي وهو يستقبل أولى التقارير السحرية والرسائل السرية من رجاله المتسللين في حواضر مصر ومعابدها. كان مطمئناً تماماً لخلو الساحة من الآلهة الكبرى، لكنه ظل حذراً من مفاجآت القدر وتقلبات السحر؛ فلن يشن هجومه الشامل أو يرسل عرباته الحربية الآن... ليس بعد.

سيستمر في اختبار قوة العائلة الملكية، وسيراكم الجيوش والعتاد والحديد على الحدود بانتظار الساعة الحاسمة واللحظة الموعودة التي يتأكد فيها من غياب ست التام، أو استغراقه الكامل والنهائي في قتاله الأبدي ضد ثعبان الفناء أبوفيس.

كانت العاصفة الشمالية تقترب بخطوات وئيدة، صامتة، ومخيفة، والعائلة الملكية—في غياب وعلم الفرعون رمسيس الثاني الذي كان يستمتع بنقاهته في حدائق المعبد غير مدرك للخطر الجديد—تبني حصونها الروحية والعسكرية وتستعد لمواجهة خطر إلهي جديد لا يرحم ولا يعرف اللين، بينما كانت تميمة ست تنبض في يد سى اوزير كإنذار أحمر صامت يترقب ساعة الصفر ليعلن بدء حرب الآلهة والبشر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status