Share

104

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:00:25

بعد عودة مرنبتاح وما حمله من أخبار الشمال، بدأت العائلة الملكية — بقيادة الفرعون رمسيس — مرحلة استعداد شاملة لما هو قادم. كان الفرعون، رغم ضعفه الجسدي، قد استعاد جزءاً كبيراً من حكمته وقوة إرادته. جمع ابنيه خع إم واست ومرنبتاح في قاعة الخرائط الملكية بطيبة، وأعلن بصوت حازم يذكر بالأيام السابقة:

"مصر لا تنتظر العدو... مصر تستعد له. سنبدأ الآن تدريبات مكثفة للجيش، وتقوية الحدود، وتعزيز الكهنة. لن نترك شيئاً للصدفة."

بدأت الاستعدادات فوراً وبعزم لم تشهده مصر منذ سنوات. أمر رمسيس بتجنيد آلاف الشباب من كل الولايات، وأشرف مرنبتاح شخصياً على تدريبات الجيش المكثفة في معسكرات طيبة والدلتا. كان الجنود يتدربون من الفجر إلى الغروب: الرماية بالسهام، القتال بالسيوف والرماح، تشكيل الوحدات، وعبور النيل تحت الضغط. كان مرنبتاح يقف شامخاً أمامهم، يصرخ بأوامره، ويشاركهم التدريب بنفسه ليرفع معنوياتهم:

"الشمال يتحرك! ونحن سنكون جاهزين لاستقباله بالنار والحديد!"

أما خع إم واست، فقد تولى مهمة تقوية الحدود الشمالية. أرسل فرقاً هندسية لتعزيز الحصون، بناء أبراج المراقبة الجديدة، وحفر خنادق عميقة مليئة بالفخاخ. كان يزور الحدود بنفسه، يستخدم نوره الفيروزي ليكشف أي خيوط سحرية خفية، ويعلم القادة كيف يتعاملون مع السحر الشمالي.

في الوقت نفسه، أشرف الفرعون رمسيس على تقوية الكهنة. دعا كبار كهنة آمون وبتاح وإيزيس وست إلى اجتماع كبير في الكرنك. أمر بتجديد الطقوس القديمة، تدريب الكهنة الشباب على تعاويذ الحماية، وإعداد مخزون هائل من التمائم والإكسير المقدس. كان يقول لهم:

"الآلهة تركت الأرض، لكننا لن نترك أنفسنا. قوا أنفسكم، فمصر تحتاج إلى درع روحي قوي."

أما خع إم واست، فقد أخذ يثقل مهاراته من كتاب تحوت بطريقة لم يسبق لها مثيل. كان يقضي ساعات طويلة في المركز السري تحت معبد بتاح، يقرأ البرديات القديمة، يستدعي الطلاسم، ويجرب تعاويذ جديدة. كان يجلس متقاطع الساقين أمام الكتاب الأسطوري، يشعر بنبضاته تتمازج مع دقات قلبه، ويستخرج منه معارف لم يكن يعرفها من قبل.

كان يتعلم "درع تحوت الأزلي" — درعاً فيروزياً يحمي ليس الجسد فقط، بل الروح من أي غزو إلهي. كان يتدرب على "عين تحوت الثاقبة" التي تكشف الخدع والأوهام، حتى لو كانت صادرة عن آلهة أجنبية. وكان يجرب "صوت تحوت الصارخ" الذي يمكن أن يحطم التعاويذ الشمالية ويبعثر الجيوش.

كان سى اوزير يشاركه التدريب دائماً. كان الفتى يتعلم بسرعة مذهلة، يجمع بين نور أمه النقي وقوة أبيه، ويضيف لمساته الخاصة. كانا يتدربان معاً على "النور المشترك"، فيخرجان شعاعاً فيروزياً-ذهبياً يحرق أي هدف. كان خع إم واست ينظر إلى ابنه بفخر عميق ويقول:

"أنت لست مجرد وريث... أنت امتداد لكتاب تحوت نفسه."

كانت تفنوت تشرف على الجانب الروحي، تعزز حماية القصر والمعابد، وتراقب صحة الفرعون. كانت تبتسم لزوجها كل مساء، لكن عينيها كانتا تحملان قلقاً خفياً. كانت تعلم أن الاستعدادات هذه ليست مجرد احتياط، بل مقدمة لشيء أكبر.

أما مرنبتاح، فقد كان يقود التدريبات العسكرية بكل حماس، لكنه كان يحمل في قلبه السر عن بعل. كان يتدرب مع جنوده، وفي الليالي يجلس مع أخيه ويتبادلان الرأي حول كيفية مواجهة قوة إلهية.

كان الفرعون رمسيس يراقب كل هذا من عرشه، يبتسم ابتسامة هادئة رغم التعب، ويقول لابنيه:

"مصر لم تسقط من قبل... ولن تسقط الآن. أنتم عمادها."

كانت الاستعدادات تتسارع يوماً بعد يوم: الجيش يتدرب، الحدود تتعزز، الكهنة يتقوون، وخع إم واست يغوص أعمق في أسرار كتاب تحوت. كانت مصر تستعد لعاصفة قادمة من الشمال، وكانت العائلة الملكية تقف متحدة، جاهزة لمواجهة ما سيأتي.

لكن في الشمال، كان بعل وسحرته يتحركون ببطء، يراقبون، ويخططون... بانتظار اللحظة المناسبة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status