Share

143

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-08 18:00:25

بعد أن وصلت قوافل شباب الممالك الشمالية إلى عاصمة المجد "طيبة"، بدأت مرحلة جديدة كلياً من السياسة الإمبراطورية المصرية الذكية. كان البلاط الملكي بتوجيه من الفرعون "مرنبتاح" يستقبل هؤلاء الشباب بكرم حاتمي ظاهر وبحفاوة بالغة؛ حيث أُسكنوا في قصور ملكية خاصة تحيط بها الحدائق الغناء، ومُنحوا كل ما يشتهون من وسائل الراحة، والرفاهية، والتعليم المتقدم على أيدي كبار الحكماء، لكن كل ذلك كان يجري تحت رقابة صارمة، دقيقة، وخفية من كهنة تحوت وأمناء الملك الراصدين لكل شاردة وواردة.

ومن بين كل ذلك الحشد الكبير من أمراء ونبلاء الشمال، برزت الإلهة المتنكرة "أناتيرا" كنجمة فريدة لامعة في سماء طيبة، وخير خطفت الأبصار أينما حلت.

كانت تتصنع الخجل البشري الجميل بمنتهى البراعة، وتنحني بأدب شديد ووقار تلمع له العيون أمام كل من تلتقيه من قادة وبحارة وكهنة، وتتحدث بنبرات صوت ناعم، هادئ، ورخيم يشبه خرير الماء العذب في الوديان الساكنة. وعندما سألها كبار كتبة البلاط في المقابلة الرسمية عن سبب رغبتها الصادقة في التبحر بالعلوم، أجابت بخجل مصطنع وهي تطرق عينيها نحو الأرض بتواضع خادع:

"أنا لست سوى ابنة مملكة مكسورة عرفت عاقبة البغي.. وأريد اليوم من كل قلبي أن أتعلم دينكم العظيم، وأفهم من الجذور سر قوة وعظمة مصر التي لا تُقهر. أريد حقاً أن أصبح جزءاً من هذا النور الطاهر الذي أنقذ شعبي ونفوسنا من غياهب الظلام والفوضى."

كان جمالها الفاتن والأخّاذ يسبق خطوتها أينما ذهبت في القصور؛ بشرتها النحاسية الناعمة كالحرير، وعيناها الخضراوان الواسعتان اللتان تحملان بريقاً ساحراً وعمقاً كالبحر الغادر، وشفتاها الممتلئتان، وقوامها الأنثوي المكتمل الذي غدا يضاهي تماثيل الآلهة ويتحرك برقة متناهية تجذب عقول الأشداء.

كانت رقة أنوثتها الطاغية فخاً محكماً لكل من يراها؛ فحتى الكهنة الكبار والحراس الغلاظ كانوا يبتسمون لها ابتسامة لا إرادية تنم عن القبول، ويصفونها في مجالسهم بأنها "تلك الفتاة الشمالية الهادئة، الجميلة، والشغوفة للغاية بالثقافة والعلوم المصرية".

لم يدخل الشك أو الريبة قلب أحد من الراصدين؛ فقد نجحت خطتها تماماً وتركت انطباعاً قوياً وراسخاً لدى الجميع بأنها فتاة مؤدبة، خجولة، ومتعطشة بصدق للمعرفة والاندماج في مجتمع الوادي. كانت تستمع لدروس الحكماء بتركيز تام، وتسأل أسئلة ذكية تنم عن عقل كبير، وتحفظ النصوص والترانيم المقدسة بسرعة مذهلة أثارت إعجاب المعلمين.

ولهذا السبب بالذات، وبعد أسابيع قليلة من حضورها في طيبة، صدر أمر برفع مرتبتها العلمية وأُرسلت ضمن وفد النخبة إلى "معبد بتاح الكبير" في مدينة "منف" العتيقة — الذي يعد أحد أعظم مراكز العلم، والدين، والأسرار الكونية في مصر برمتها — لتتلقى تعليمها المتقدم على يد كبار كهنة العاصمة الإدارية.

وفي رحاب معبد بتاح الشامخ، أصبحت أناتيرا جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية لطلاب العلم. كانت تدرس فنون الهندسة المقدسة، وطقوس الخلق المنفية، وأسرار "كتاب تحوت" المبسطة المسموح بها للطلاب المبتدئين. كانت تظهر حماساً منقطع النظير، وتجلس دائماً في الصفوف الأمامية مستندة بظهرها، وتكتب الملاحظات بيد ناعمة ورقيقة، وتبتسم ابتسامتها الخجولة المعهودة عندما يمدحها الكهنة الكبار على سرعة بديهتها.

وبحكم العادة والمسؤولية، كان الأمير "خع إم واست" وزوجته الأميرة "تفنوت" ومعهما ابنهما الشاب "سى اوزير" يترددون على المعبد بانتظام للإشراف المباشر على المناهج والتعليم والطقوس الدينية الكبرى. وبمرور الأيام، أصبحت أناتيرا تراهم بانتظام وتتحين الفرص لتقترب من حلقتهم.

كانت أناتيرا تنظر إلى الشاب "سى اوزير" نظرات خفية، مدروسة، ومليئة بالدهاء والمكر الأنثوي من وراء حجب رداءها. كان سى اوزير في مقتبل شبابه الفتي؛ يافعاً، شديد الوسامة، قوي البنية ومفتول العضلات مثل أبيه خع إم واست تماماً، وعيناه الفيروزيتان الواسعتان تحملان نوراً إلهياً يشع بالذكاء والطهر الكهنوتي.

كانت تشعر بجاذبيته السحرية البشرية وبأنه يحمل ملامح سلالة رمسيس العظيم، لكن هدفها كان أبعد بكثير من مجرد إعجاب عابر؛ كان عقلها مركزاً بالكامل على صدره الشامخ الذي يحمل التميمة الحجرية المقدسة للإله ست — التميمة الكونية التي تخشاها وترتعد لها فرائصها.

وفي إحدى الجلسات العلمية الهادئة بساحة المعبد، استغلت أناتيرا خلو المكان نسبياً واقتربت من سى اوزير بخطوات وئيدة وخجل مصطنع، وانحنت أمامه بأدب جم ورقة تذيب الصخر متحدثة بصوتها العذب:

"معذرة على الإزعاج يا أمير سى اوزير... لقد سمعتُ الكثير من كبار الكهنة عن علمك الواسع وحكمتك التي تفوق سنوات شبابك النضر. هل يمكنك، تكرماً وفضلاً، أن تشرح لي بعض الغوامض في أسرار نور تحوت؟ أنا مجرد فتاة شمالية بسيطة تبحث عن الحقيقة، وأريد حقاً أن أتعلم من نبعكم الطاهر."

نظر إليها الشاب سى اوزير، وابتسم لها بلطف ونقاء الشجعان، غير مدرك على الإطلاق لحجم الخطر الأسود والمرعب الذي يقترب من ساحته متلفعاً برداء الفتنة. وبدأت أناتيرا من تلك اللحظة تتقرب منه تدريجياً يوماً بعد يوم؛ تستخدم جمالها الأخاذ، ورقتها الساحرة، وعيونها الخضراوان كسلاح خفي وفتاك لتبث غوايتها، وتزرع بذور الإعجاب والتعلق في قلبه ببطء شديد وبمكر مدروس لا يثير الشك.

أما الأميرة الحنون "تفنوت"، فقد كانت تتابع حركتها وتنظر إليها بنظرات حانية ممتلئة بالعطف؛ إذ كانت ترى في أناتيرا مجرد فتاة مغتربة طيبة ومسكينة تريد الاندمام بكل جوارها في أرض مصر بعد انكسار بلدها. وكذلك كان الأمير خع إم واست يمدح حماسها وشغفها بالعلوم أمام كبار الكهنة في مجالس المعبد، معتبراً إياها نموذجاً ناجحاً لخطته في ترويض الشمال بالقوة الناعمة.

وفي عتمة الظلال، كانت الإلهة المتنكرة تنسج شبكتها الحريرية المسمومة بهدوء وثبات، وتتحين اللحظة المناسبة والفرصة السانحة لتبدأ فصول خطتها الحقيقية؛ خطة الغواية الكاملة، والسرقة الكونية، والتدمير الشامل لعائلة رمسيس من جوفها.

وفي أعماق روحها المظلمة، كانت عنات تضحك ضحكة باردة، خبيثة، ومليئة بالشماتة وهي تنظر إلى سى اوزير من بعيد:

"ستكون أنت البداية لقصة النهاية يا سى اوزير... سأسرق قلبك الفتي أولاً بنعومة الأفاعي... ثم سألتهم روحك وطهارتك... وفي النهاية سآخذ التميمة وأسحق مصر كلها تحت أقدامي

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status