Share

145

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-08 18:00:39

في تلك الليلة، كان سى اوزير مستلقياً على سريره الواسع في غرفته الملكية بمعبد بتاح، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن جفونه المتعبة. كان القمر المكتمل يتربع في كبد السماء، يرسل ضياءه الفضي البارد من خلال النوافذ الخشبية المشبكة، ليرسم ظلالاً رقيقة ومتحركة على الجدران المنقوشة برموز الأجداد والآلهة.

لم يكن عقله قادراً على التركيز في نصوص البرديات؛ إذ كان يتردد في مخيلته مشهد واحد فقط لا يغيب: أناتيرا.

كان صوتها العذب، الذي يشبه عزف القيثار في سكون الليل، يتردد في مسامعه كأنه لحن سحري يأبى الرحيل، وهيئتها الأنثوية الرقيقة تتبدى أمام عينيه بوضوح كلما أغمض جفنيه بحثاً عن الراحة. كان يتذكر منحنيات جسدها المتناسق تحت ثوبها الكتاني الخفيف، وطريقة وقوفها الخجولة، وابتسامتها الرقيقة التي تأسر القلوب، وعينيها الخضراوين اللتين تحملان بريقاً غامضاً وعميقاً لا يفسره منطق.

كان سى اوزير شاباً في مقتبل العمر، يافعاً وسيماً، وممتلئاً بطاقة الشباب الحارة وعنفوانه الفتي، فكانت غرائزه وجسده يستجيبان لهذه الصور الفتّانة رغماً عن إرادته وقوته الروحية. وضجع في فراشه يتقلب، ووضع ذراعه القوية تحت رأسه يتساءل بذهول:

"ما هذا الذي يجذبني إليها ويسلبني سكينة عقلي؟ هل هو جمالها الفاتن البارع الذي يخلب الأبصار؟ أم أنوثتها الرقيقة الطاغية التي تُشع من كل حركة والتفاتة؟ أم شغفها السريع بالانصهار في ثقافتنا وعلومنا؟"

حاول سى اوزير أن يطرد هذه الأفكار، واستحضر هيبة عائلته ووقار سلالة رمسيس العظيم، وتمتم بصرامة يوبخ بها نفسه:

"لا... هذا ليس لائقاً بوارث عرش خع إم واست. هي فتاة وحيدة، مغتربة، جاءت لتبحث عن العلم والنور تحت حمايتنا. لا يليق بأمير وكاهن أن يفكر في تفاصيل جسدها هكذا في عتمة الليل... هذا ليس من أخلاق الأمراء، وهذا ليس من أخلاقي."

لكنه، ورغم قتاله الداخلي، لم يستطع المقاومة؛ فقد كان الشوق يتسلل إلى أعماقه كخيوط الحرير الناعمة، وكان جمال أناتيرا يترك أثراً عميقاً وغائراً في قلبه الفتي، يوماً بعد يوم.

أما أناتيرا — الإلهة المتنكرة "عنات" — فقد كانت تراقبه كل ليلة من شرفتها البعيدة بصبر الآلهة الماكرة التي تحسن قنص ضحاياها. ومن خلال طاقتها الراصدة، اكتشفت عادته السرية؛ فعرفت أنه بعد أن ينام الجميع ويهدأ صخب المعبد، يخرج ليقف في شرفة غرفته الواسعة، ينظر إلى مجرى النيل في الليالي القمرية بصمت عميق، كأنه يبحث عن إجابات لأسئلته الحائرة في مياهه الخالدة.

وفي ليلة قمرية مكتملة، حيث غمر ضوء القمر الفضي الساحر ضفاف النهر العظيم والحدائق المحيطة به، قررت عنات أن تحرك الرغبة والذكر الكامن في أعماق الشاب اليافع، وترتقي بخطتها الشيطانية إلى مستوى أعلى وأكثر إثارة.

وقف سى اوزير على شرفة غرفته كعادته، يرتدي ثوباً كتانياً خفيفاً يظهر بنيته القوية وعضلات صدره المفتولة، ينظر إلى النهر الهادئ، ويفكر في الدروس المستعصية والطقوس الكهنوتية والمستقبل الذي ينتظر البلاد.

وفجأة، لمحت عيناه الثاقبتان حركة رشيقة على ضفة النيل القريبة، وسط ظلال أشجار النخيل.

كانت أناتيرا.

وقفت بجانب النهر مباشرة، وتلفتت يميناً ويساراً بدهاء كبير كأنها تتأكد ببراءة مصطنعة أن لا أحد يراها في هذا الوقت المتأخر. ثم، وببطء شديد يثير الغرائز، حلت عقد ثوبها الأبيض النقي، وتركته يسقط على الرمال الدافئة كندى الفجر.

وفي تلك اللحظة، ظهر جسدها عارياً تماماً، يتلألأ تحت ضوء القمر الفضي الكاشف.

كان جسدها فاتناً بلا حدود، مصمماً لغواية العقول؛ بشرة نحاسية ناعمة تلمع وتتوهج تحت الضياء، وثدياها الممتلئان البارزان يرتفعان ويهبطان مع أنفاسها المتسارعة، وخصرها النحيل الذي يبرز استدارة وركيها الفاتنين، وساقاها الطويلتان الممشوقتان. كانت أنوثتها في تلك الساعة طاغية ومستبدة، ومنحنيات جسدها تتراقص مع الضوء كأنها تمثال حي نُحت من الجمال الإلهي الخالص لتدمير الحكماء.

نزلت إلى مياه النيل ببطء ورقة، وبدأت تسبح بخفة، وجسدها المتوهج يلمع تحت السطح الشفاف، بينما كان شعرها الأسود الطويل ينتشر من حولها كشبكة سحرية سوداء تمخر العباب.

صُدم سى اوزير صدمة عنيفة زلزلت كيانه؛ وقف مشدوهاً، متسمراً في مكانه، وعيناه الفيروزيتان لا تستطيعان الابتعاد عن هذا المشهد الساحر لثانية واحدة. شعر بحرارة لافحة تسري في عروقه كالبركان، وقلبه يدق بعنف ويسرع نبضه، وجسده الفتي يستجيب للمنظر بقوة شبابية عارمة لا يمكن كبحها أو مقاومتها. حاول بكل ما يملك من تعاليم دينية أن يغلق عينيه ويشيح بوجهه، لكنه كان مسلوب الإرادة أمام جمال يفوق كل خيال بشري.

وفي حركة لا إرادية تنم عن رغبته في الاقتراب، تحرك خطوة عفوية إلى الأمام نحو حافة الشرفة، فاصطدم جسده القوي بمزهرية الورود الكبيرة المصنوعة من الفخار المنقوش والتي كانت مستقرة على الحافة. توازنت المزهرية لبرهة، ثم سقطت لتهوي نحو الأسفل وتحتطم بصوت عالٍ ومدوٍّ كسر سكون الليل الهادئ.

أسرع سى اوزير بالتراجع، واختبأ داخل عتمة غرفته والذعر يتملكه، وقلبه يدق بعنف شديد كأنه طبول الحرب. غطى وجهه بيديه، وبدأ يوبخ نفسه بشدة وبمرارة بالغة:

"ماذا فعلتُ أيها الكاهن؟ كيف سمحت لعينيك أن تنتهكا حرمة فتاة آمنة؟ هذا ليس لائقاً بأمير... هذا عار كبير سقطتُ فيه الليلة!"

أما على ضفة النهر، فقد تصنعت أناتيرا الفزع والهلع الشديدين فور سماع صوت التحطم. التفتت بسرعة فائقة، ونظرت حولها بخوف مصطنع وهي تحاول تغطية جسدها بيديها، لكن في عمق وجهها، التمعت ابتسامة خفية، باردة، وممتلئة بنشوة الانتصار المكتوم عندما أدركت بذكائها أن الأمير الشاب كان يراقبها ويحترق بنار فتنتها.

جمعت ملابسها بسرعة وركضت نحو غرفتها متظاهرة بالخوف، لكن في قلبها المظلم، كانت الإلهة "عنات" تضحك ضحكة قاسية ملأت أركان روحها الشرير:

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status