Share

16

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-14 16:44:30

مع بزوغ الشمس الدامية خلف جبال الشرق، تحولت منف إلى ساحة معركة أثيرية. كان الدخان الأسود يرتفع من الضواحي كأرواح ميتة ترفض الراحة، والهواء نفسه أصبح ثقيلاً، محملًا برائحة الرماد والشهوة المكبوتة. وقف خع إم واست على سطوح معبد بتاح الشامخ، عباءته الجلدية ترفرف حوله كأجنحة نسر ملكي، عيناه تحدقان في الأفق حيث تتجمع الغيوم السوداء كجيش غير مرئي. بجانبه، كانت تفنوت تقف كتمثال حي من الفيروز والنار، ثوبها الكتاني الرقيق يلتصق ببشرتها الخمرية بعد جهد الطقس، منحنيات جسدها تظهر بوضوح تحت ضوء الصباح الشاحب.

"اللعنة تتغذى على الخوف"، قالت بصوت هادئ لكنه يحمل سلطة كاهنة كبرى. "كلما زاد اضطراب السكان، زادت قوة الظلال. يجب أن نبدأ الطقس الكبير قبل أن يصل الوباء إلى قلب المدينة."

أومأ الأمير برأسه، لكنه شعر بموجة حارة مفاجئة تعصف بروحه. في تلك اللحظة، غمرته رؤية حية: تابوبو في محراب بو باستيس، جسدها العاري يلمع تحت ضوء القمر الأحمر، تبتسم له بتلك الابتسامة التي تجمع بين الوعد والتهديد. شعر بأصابعها الخيالية تمر على صدره، تلامس مكان "كتاب تحوت"، وهمس صوتها في أذنه: "أنت ملكي أكثر مما هي ملكك... تعالَ، وستصبح إلهًا لا يحتاج إلى طهر كاهنتك الضعيفة."

ارتجف جسده بعنف. تفنوت لاحظت ذلك فورًا، فالتفتت نحوه واحتضنته بكل قوتها، جسدها يضغط عليه في عناق ليس جسديًا فحسب، بل روحيًا. "ابقَ معي"، همست وشفتاها تلامسان عنقه. "دعني أطردها من داخلك."

نزلا معًا إلى المركز السري تحت المعبد، حيث أُعدت دائرة واسعة من الأحجار المقدسة والفيروز المضيء. وقف خع إم واست في الوسط، عاري الصدر، والكتاب ينبض على صدره كقلب حي. أما تفنوت، فقد خلعت ثوبها ببطء متعمد، لتقف أمامه عارية تمامًا إلا من رموز الكهنوت المرسومة على بشرتها. كان جسدها يشع بنور داخلي، ثدياها الممتلئان يرتفعان ويهبطان مع أنفاسها المتسارعة، وفخذاها النحيلان يرتجفان من الجهد والرغبة في حمايته.

بدأ الطقس. تردد الكهنة التعاويذ القديمة، بينما انحنت تفنوت عليه، تضع يديها على صدره مباشرة. شعر بخيوط طاقتها النقية تتسلل إلى عروقه كأنهار من نور، تطارد الخيوط السوداء. كانت اللحظة شديدة الحميمية: أنفاسهما تختلط، شفتاها تقتربان من شفتيه، وجسدها يلتصق به تمامًا. رفع يديه ليحيط بخصرها، يضغط عليها أقرب، يشعر بكل منحنى فيها يذوب في قوته.

"أنتِ حصني"، همس بصوت مبحوح وهو يقبلها بعمق، لسانه يغزو فمها كأنه يقاتل الظلام بكل شوق. كانت حركاتهما جزءًا من الطقس: يداه تنزلقان على ظهرها، تعصران مؤخرتها بلطف عنيف، بينما هي تتقوس نحوه، جدرانها الروحية تعتصر الظلال بداخله. شعر بذروة مزدوجة — جسدية وأثيرية — تشتعل فيه، طاقة تفنوت تطرد بقايا غواية تابوبو، لكن الظلام رد بقوة أكبر.

فجأة، صاح أحد الكهنة: "الدرع ينهار! الظلال تتقدم نحو القصر!"

خرج خع إم واست من الدائرة، جسده يلمع بعرق الطقس والرغبة المكبوتة، وعيناه تحملان بريقًا مختلطًا من النصر والقلق. أمسك بيد تفنوت، التي كانت لا تزال ترتجف من الجهد، وصعدا إلى السطح مرة أخرى. من هناك، رأيا الرعب ينتشر: أشباح سوداء تتجسد في الشوارع، تأخذ أشكال نساء فاتنات يغرين الرجال والنساء على حد سواء، يزرعن الشك والشهوة المدمرة.

"هذا ليس مجرد لعنة"، قال الأمير بصوت يرج السماء. "هذا إعلان حرب من تابوبو. تريد أن تدمر منف لتجبرني على العودة إليها."

التفت إلى تفنوت، ورأى في عينيها الصراع الأنثوي العميق: الغيرة من غواية الساحرة، والعزم على أن تكون هي المنتصرة. جذبها إليه فجأة وقبلها أمام الجميع، قبلة طويلة وعنيفة، يداه تعصران جسدها كأنه يعلن للعالم أن اختياره قد وقع. "أنتِ نوري، وستكونين ملكتي في هذا العالم وما بعده."

في تلك اللحظة، اندلعت المعركة الأثيرية. أمر خع إم واست بفتح بوابات المعبد، وخرج على رأس كتيبة من الكهنة المسلحين بالطلاسم. كان يستخدم سطور الكتاب بحذر، يطلق موجات من النور الذهبي تطرد الظلال، لكن كل استخدام كان يعيد إليه ذكريات تابوبو — جسدها الملتهب، أنينها المغري، الوعد بالقوة التي لا حدود لها.

تفنوت كانت تقاتل بجانبه، طاقتها النقية تشكل درعًا حوله، لكنها كانت تدفع ثمنًا باهظًا. كلما طردت ظلًا، كانت تشعر بجزء من روحها يضعف. في إحدى اللحظات، انهار درع حولها، وتجسد ظل تابوبو أمامها مباشرة، يهمس لها: "هو ينتمي لي... جسده يعرف طعمي."

صرخت تفنوت وأطلقت تعويذة تطهير قوية، لكنها سقطت على ركبتيها من الإرهاق. هرع إليها خع إم واست، رفعها بين ذراعيه، وعاد بها إلى داخل المعبد. هناك، في غرفة صغيرة جانبية، وضعها على السرير المقدس، وانحنى عليها يقبل جروحها الأثيرية.

"لا تتركيني"، همس وهو يدفن وجهه بين ثدييها. كانت اللحظة مليئة بالعشق واليأس. بدأ يقبل جسدها ببطء، يطهر كل جزء منها بلسانه ويديه، بينما هي تمسك بشعره وتئن من مزيج الألم واللذة. اتحدا مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الاتحاد طقسًا للشفاء والقوة: حركاتهما بطيئة أولاً، ثم تسارعت بعنف، أجسادهما تصطدم بإيقاع يشبه دقات قلب مصر نفسها.

مع ذروتهما المشتركة، انفجر نور ذهبي قوي منهما، طارد الظلال من القاعة. لكن خع إم واست علم أن هذا مجرد بداية. تابوبو لم تنهزم بعد، والحرب على منف قد بدأت لتوها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status