Share

15

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-14 15:49:09

انطلقت كلمات تابوبو الملغومة في أثير القاعة الكبرى كرياح سوداء تحمل رائحة البخور المحترق والشهوة المحرمة. لم يكن الظل المتجسد مجرد وهم؛ بل كان امتداداً حياً لطاقتها، يتحرك ببطء يوحي بالإغراء والتهديد في آن. وقفت تفنوت بجانب الأمير، جسدها لا يزال يحمل دفء لقائهما الحميم، لكن عينيها الآن تحملان بريق المعركة الكهنوتية. أمسكت بذراعه بقوة، أظافرها تغرس في لحمه كأنها تخشى أن ينجرف مع التيار الأسود.

"لا تستسلم لها الآن"، همست بصوت حازم يرتجف قليلاً. "الطقس التطهيري لم يبدأ بعد. إذا استخدمت قوة الكتاب الآن، ستفتح لها أبواباً أوسع في روحك."

شعر خع إم واست بالنار تشتعل في صدره. جزء منه — الجزء الذي ذاق حلاوة السلطة المطلقة في بو باستيس — كان يريد أن يقفز إلى الأمام ويمزق هذا الظل بيديه. تذكر لمسات تابوبو الساخنة، جسدها الذي انثنى له كأفعى ذهبية، ووعودها بأن يصبح إلهاً لا يموت. لكنه نظر إلى تفنوت، إلى نقاء عينيها، إلى الوفاء الذي يشع من كل مسام فيها، فشعر بطهرها يتصارع مع الظلام داخل أعماقه.

"تابوبو..." صاح بصوت يرج المحراب، "لن أعود إليك. منف حصني، وتفنوت درعي."

ضحك الظل بصوت يشبه خرير عسل ملتهب: "يا من ذقت حلاوة الفناء... أنت تعرف أن قوتي أصبحت جزءاً منك. كلما استخدمت سطور الكتاب، سأقترب أكثر. سأحرق منف، وسأجعلك تختار بين عرش الرماد وبين حضن كاهنتك الطاهرة."

اهتزت الجدران بقوة أكبر. بدأت بعض النقوش الفرعونية على الحوائط تتشقق، وتسرب منها دخان أسود رفيع يتسلل نحو الكهنة الذين بدأوا يتراجعون مذعورين. أمر خع إم واست بسرعة: "ابدأوا الطقس! أحضروا بخور تحوت والأحجار المقدسة. سنطهر المدينة قبل أن ينتشر الوباء."

احتضن تفنوت بذراع واحدة، جسدها يلتصق به كآخر معقل للنور، ونزلا معاً إلى المركز السري تحت المعبد. هناك، في دائرة واسعة من الحجر الأسود المزين بالفيروز، بدأ الكهنة يرددون التعاويذ القديمة. وقفت تفنوت أمامه، عارية الروح تقريباً، ثوبها الرقيق يتمايل مع حركتها، ووضعت يديها على صدره مباشرة فوق الكتاب.

شعر بخيوط طاقتها النقية تتسلل إلى عروقه، تطارد الظلال السوداء. كانت اللحظة حميمة بطريقة أعمق من اللقاء الجسدي السابق: أنفاسهما تختلط، عيونهما ملتصقة، وأجسادهما تلامس في طقس يجمع بين الجسد والروح. أنين خفيف خرج من شفتيها وهي تبذل كل قوتها ليطرد بقايا غواية تابوبو.

لكن الظلام رد بقوة. شعر الأمير بموجة حارة من الرغبة المحرمة تغمره — ذكريات جسد تابوبو، صوتها المغري، الوعد بالخلود دون قيود. تقوس جسده، وعض على شفتيه حتى سال دم، يقاتل الاندفاع الداخلي بكل كبريائه الفرعوني.

"ابقِ معي..." همست تفنوت بصوت مبحوح، جسدها يضغط عليه أكثر، ثدياها يلامسان صدره من خلال الثوب الرقيق. "أنا حصنك. لا تدعها تأخذك."

كانت حركتها في الطقس تحمل إيقاعاً حسياً مقدساً: أصابعها ترسم رموزاً على بشرته، شفتاها تقتربان من عنقه، أنفاسها الساخنة تطرد البرد الذي يأتي من بو باستيس. شعر خع إم واست بأن اتحادهما الآن أقوى من أي سلاح. رفع يدها وقبل كفها، ثم جذبها إليه في عناق عنيف، يداه تنزلقان على ظهرها، يضغط عليها كأنه يريد أن يذيبها في روحه.

في تلك اللحظة، صاح أحد الكهنة: "الدرع يتصدع! الظلال تتسلل إلى الضواحي!"

خرجوا مسرعين إلى سطح المعبد. من هناك، رأوا ضواحي منف: أعمدة دخان سوداء ترتفع، وأصوات صرخات خافتة تدوي. كانت اللعنة الارتدادية قد بدأت تتغذى على خوف السكان، تحول الظلال إلى كيانات تتجسد في الزوايا.

وقف خع إم واست على الحافة، عباءته ترفرف في الريح، عيناه تحدقان في الأفق حيث يقع معبد بو باستيس بعيداً. "تابوبو... إذا أردت الحرب، فلتكن حرب الأثير."

التفت إلى تفنوت، التي وقفت بجانبه بكل جلالها الكهنوتي، جسدها الممشوق يرتجف من الجهد والعزم. أمسك وجهها بكفيه، وقبلها قبلة عميقة، طويلة، مليئة بالعهد: "مهما حاولت غوايتها، أنتِ النور الذي اخترته. سنحرق الظلام معاً."

بدأ الطقس الكبير في المركز المقدس، بينما كانت خيوط الرسالة الملغومة تتسلل أكثر، معلنة بداية حصار منف الحقيقي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   135

    كان الأسطول الحربي المصري العظيم يشق مياه البحر المتوسط العاتية في طريق عودته إلى ديار الكنانة، متهادياً كأسراب من طيور النصر الجارحة التي تحمل في مخالبها القوية غنائم الشمال المكسور ورايات المجد المرفوعة.في مقدمة السفينة الملكية القيادية ذات الرأس الذهبي الشامخ للصقر "حورس"، كان الملك "مرنبتاح" يقف بقامة ممشوقة لا تعرف الانحناء، يرتدي "تاج التحامس" — التاج المزدوج للوجهين البحري والقبلي — الذي كان يتلألأ تحت أشعة الشمس الساطعة، بينما كان سيفه الذهبي الطويل، الملطخ بدماء الخونة والأباطرة، معلقاً في وقار على خاصرته العسكرية.وأمام عينيه مباشرة، ومن فوق خشب المقدمة الملكية، كان المشهد الأكثر بلاغة ورعباً يلوح للعالم أجمع كعبرة تاريخية أبدية؛ حيث عُلّق أسرى الملوك الشماليين المارقين — الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة معه من أمورو وميتاني وأوغاريت — مقيدين بإحكام بسلاسل ذهبية غليظة ثقيلة الوزن. كانت أجسادهم الضخمة مكشوفة للرياح البحرية الباردة، ووجوههم القاسية التي طالما ملأها الكبرياء والصلف باتت مغطاة بملامح الذل، والكسرة، والانهيار التام، وهم ينظرون إلى لجة الماء ب

  • سيد الرماد والضوء   134

    كانت تلك هي الخطوة الأخيرة في مسيرة الغضب والتأديب، لكنها لم تكن كسابقتها؛ بل كانت الأشد وطأة، والأكثر قسوة، والأنكأ جراحاً.بعد أن دك الملك الصارم "مرنبتاح" حصون أسقلان، وحطّم قلاع جازر الثرية، ومحا مدينة يانوعام من دفاتر الوجود؛ زحف الجيش المصري العظيم بأربعين ألف مقاتل نحو المرتفعات والوديان الداخلية حيث تقطن القبائل التي تُدعى "إسرائيل". كانت هذه القبائل قد نقضت كل العهود والمواثيق القديمة، وتحالفت سراً وعلناً مع فلول الحيثيين وملوك الشمال المارقين، فصارت بمثابة الخنجر المسموم الذي يتربص بظهر الدلتا والحدود الشرقية.وصل الأسطول والجيش البري كقضاء مبرم شق الضباب. لم يكن الأعداء هنا متمترسين خلف أسوار مدينة واحدة يمكن دك بواباتها، بل كانوا منتشرين في شعاب الجبال ومرتفعات الأودية، وقد استدعوا كل ما تبقى من مرتزقة الشمال وسحرة الظلام، مستعدين لخوض معركة وجودية ضد "حورس الحي".وقف مرنبتاح على عربته الحربية الشامخة، والدخان المتصاعد من المدن المحترقة يلوح خلفه كراية من رايات الآلهة. نظر إلى شقيقه الأمير "خع إم واست" وإلى الفتى المعجزة "سى اوزير" اللذين غطى الغبار عباءاتهما الكهنوتية، وق

  • سيد الرماد والضوء   133

    بعد سقوط "أسقلان" الشامخة وتحطم قلاع "جازر" الثرية، لم يمنح الملك الصارم "مرنبتاح" جيشه أية برهة للراحة؛ إذ كان يؤمن أن حديد العقاب يجب أن يضرب وهو ساخن، وأن تتابع الضربات هو ما يزرع الرعب السرمدي في قلوب الملوك المارقين. كان الهدف الثالث في خطة التطهير الملكية هي مدينة "يانوعام"؛ تلك الحاضرة القابعة في أحضان الأودية الشمالية، والتي كانت تمثل مركزاً سرياً لإمداد فيالق الحيثيين بالمعلومات وجواسيس الظلام.كانت أنباء الجحيم الذي حل بأسقلان وجازر قد سبقت فيالق الجيش المصري إلى يانوعام، وطار ذعر لا قبل لهم به إلى قلوب سكانها وحاكمها. وعندما تراءت لهم أشرعة الأسطول المصري السوداء تقترب عبر الساحل، ويتقدمها المشهد المرعب لجسد الملك الحيثي "أدنوك" المعلق الذي تضربه الرياح، انهارت عزيمتهم قبل أن تبدأ الحرب، وعرِفوا أن آلهة الظلام قد تخلت عنهم تماماً.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف يانوعام كقضاء مبرم لا راد له. وقف مرنبتاح في طليعة فيالقه، وحوله أربعون ألف مقاتل يملأون الآفاق بزئيرهم، بينما كانت أسوار يانوعام تبدو واهنة، وجنودها يقفون فوق الأبراج بأيدي مرتجفة وركب تتصادم من فرط الهلع.لم تدم

  • سيد الرماد والضوء   132

    لم تكد غبار معركة أسقلان تخمد، ولم تكد دماء الخونة تجف على رمال الساحل، حتى أصدر الملك الحازم "مرنبتاح" أمره العسكري الصارم بالتحرك الفوري وبدون راحة. كان الهدف التالي في قائمة العقاب الملكي هو مدينة "جازر"؛ تلك المدينة الحصينة الشاهقة التي كانت تتربع كملكة متوجة فوق التلال، وتشتهر بثرواتها الأسطورية، ومخازن ذهبها التي تسلب عقول الملوك، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط طرق التجارة الحيوية.كان حاكم جازر قد بلغه نبأ سقوط أسقلان المروع، ورأى بأم عينيه عبر جواسيسه جسد الملك الحيثي "أدنوك" معلقاً كخرقة بالية على مقدمة السفينة المصرية القيادية. تملك الرعب قلبه، وعرف أن أسواره الحجرية وحدها لن تحميه من غضب "حورس الحي"، فاستنزف كل خزائن ذهبه واستدعى على عجل فيالق ضخمة من المرتزقة الأشداء من غابات وجبال الشمال الباردة، رجالاً لا يعرفون الرحمة ويقاتلون من أجل المال، وحصن مدينته بكل ما أوتيت الممالك من دهاء وعتاد.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف جازر كأنه إعصار مدمّر. وقف مرنبتاح على عربته الحربية، وخلفه أربعون ألف مقاتل يهتفون باسم مصر، بينما كان حاكم جازر ينظر من فوق أسواره العالية، مح

  • سيد الرماد والضوء   131

    كانت "أسقلان"، المدينة الساحلية الحصينة والملقبة بـ "عروس البحر الشمالي"، هي الهدف الأول على قائمة الغضب الملكي المصري. كانت هذه المدينة تمثل مركز الثقل التجاري والعسكري لملوك التحالف المارقين، وبوابتهم الرئيسة التي تطل منها أطماعهم على حدود الدلتا.بعد أيام قليلة من المعركة الكبرى ومحو الكيان الشرري "بعل" تحت أقدام الإله "ست"، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم بقيادة الملك "مرنبتاح" إلى شواطئ أسقلان. كانت السفن تمخر العباب كالتنانين السوداء، يتقدمها المشهد المرعب للملك الحيثي الأسير "أدنوك" المعلق على مقدمة السفينة القيادية، وهو المشهد الذي طار به الذعر إلى قلوب سكان المدينة قبل أن يرسو الأسطول.كانت أسقلان محصنة بأسوار حجرية شاهقة وعريضة، صُممت لتتحمل حصار السنين. وكان أميرها الطاغية قد حصنها بكل ما أوتي من قوة وعتاد، وجمع داخلها بقايا الفارين من فيالق الشمال، متوقعاً ومتحسباً لانتقام مصر الحتمي الذي لا يرحم.وقف الملك مرنبتاح في طليعة جيشه البري أمام البوابات الحديدية الضخمة للمدينة، وحوله ثلاثون ألف مقاتل يملأون الأفق برماحهم ودروعهم، وأرسل رسولاً ملكياً يحمل إنذاراً نهائياً وقاطعا

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status