分享

18

作者: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-14 16:44:50

لم يمضِ وقت طويل بعد انتهاء الطقس التطهيري حتى اهتزت منف من أساسها. كان السماء قد تحولت إلى لون رمادي داكن يشبه جلد الرماد المحترق، والرياح تحمل أصوات أنين بعيدة تشبه أنين نساء في ذروة النشوة المؤلمة. وقف خع إم واست على الأسوار العليا لمعبد بتاح، يمسك بـ"كتاب تحوت" بقوة، بينما تفنوت تقف إلى جانبه، جسدها لا يزال يرتجف من آثار الطقس السابق، ثوبها الرقيق يتمايل مع الريح كراية حرب مقدسة.

"ها قد أتت"، همست تفنوت بصوت خافت، يدها تضغط على ذراعه. "جيش الظلال... لم يعد مجرد رسائل ملغومة."

من الأفق الجنوبي، بدأ يتقدم جيش رهيب. لم يكن جيشاً من اللحم والدم، بل جيشاً من الأثير المتجسد: آلاف الظلال السوداء التي تتخذ أشكال نساء فاتنات، عاريات الجسد تقريباً، يتحركن بخطوات رقص ساحر يجمع بين الإغراء والرعب. في مقدمتهن، كانت تابوبو تظهر كتجسيد عملاق، جسدها الخيالي يرتفع عشرات الأمتار، بشرتها تتلألأ بلون الذهب المحترق، وعيناها تلمعان ببريق الشهوة المدمرة. كان كل خطوة منهن تزرع في الأرض خيوطاً سوداء تتحول إلى كيانات جديدة، تمتص خوف السكان وتغذي نفسها.

"خع إم واست..." تردد صوت تابوبو في أرجاء المدينة كأنه يأتي من داخل كل قلب، "عد إليّ. أنت ذقت طعمي، وأنت تعرف أن قوتي هي الوحيدة القادرة على منحك الخلود الحقيقي. ما الذي يقدمه لك هذا الطهر الضعيف إلا قيوداً؟"

شعر الأمير بموجة حارة تعصف بروحه. ذكريات بو باستيس عادت بقوة: جسد تابوبو الملتهب ينثني تحته، أنينها المغري، السلطة المطلقة التي شعر بها وهو يمتلكها. تقوس جسده قليلاً، وعرق جديد سال على صدره. لكن تفنوت التفتت نحوه فوراً، وضعت يدها على خده، وجذبته إليها بقوة.

"انظر إليّ"، قالت بحزم، عيناها الدامعتان مثبتتان في عينيه. "أنا هنا. أنا الذي اخترته. لا تدع غوايتها تمزقك."

قبلها بعنف، قبلة سريعة لكنها عميقة، كأنه يستمد من شفتيها القوة. ثم التفت نحو الجيش المتقدم، ورفع يده. "كهنة بتاح! شكلوا الدرع الأثيري! سنقاتل في قلب منف!"

اندلعت المعركة. انطلق الكهنة يطلقون تعاويذ النور، بينما كان خع إم واست يستخدم سطور الكتاب بحذر مدروس. كل موجة ذهبية يطلقها تطرد عشرات الظلال، تحولها إلى رماد يتطاير في الريح. لكن كل استخدام كان يعيد إليه صور تابوبو بشكل أقوى: جسدها يقترب منه في الخيال، أصابعها الخيالية تمر على صدره، همسها يعد بالمتعة التي لا تنتهي.

تفنوت كانت تقاتل بجانبه بكل ما تبقى لها من قوة. طاقتها النقية تشكل درعاً حوله، لكنها كانت تدفع الثمن باهظاً. وجهها شاحب، وجسدها يرتجف، لكنها لم تتراجع. في إحدى اللحظات، اندفع ظل كبير نحوها، يأخذ شكل تابوبو مصغرة، وهمس لها كلمات تثير الغيرة واليأس. صرخت تفنوت وأطلقت تعويذة قوية، لكنها سقطت على ركبتيها.

هرع إليها خع إم واست، رفعها بين ذراعيه، وعاد بها إلى داخل أسوار المعبد المحصنة مؤقتاً.

داخل غرفة جانبية محصنة، وضعها على الأرض المغطاة بالبسط المقدسة. كانت تفنوت ضعيفة، لكن عينيها لا تزالان تحترقان بالعزم. "لا تهتم بي... استمر في القتال"، همست.

"لن أقاتل بدونك"، رد بصوت مبحوح. انحنى عليها، يقبل جبينها، ثم شفتيها، ثم عنقها. كانت اللحظة مليئة بالعشق اليائس. خلع عنها ما تبقى من ثوبها الممزق، وانحنى يقبل جسدها كأنه يطهرها من آثار الهجوم. لسانه ينزلق على بشرتها، يداه تعصران منحنياتها بلطف عنيف، يحاول أن يعيد إليها القوة من خلال لمسه.

"خذني..." همست بصوت مكسور. "استمد مني ما تحتاجه."

اتحدا هناك، وسط هدير المعركة خارج الجدران. كانت حركاتهما سريعة وعنيفة هذه المرة، مدفوعة باليأس والشوق. دخلها بعمق، يملؤها بكل قوته، بينما هي تلتف حوله بساقيها، أظافرها تحفر ظهره. كان كل دفعة تطلق موجة طاقة مشتركة تعزز الدرع حول المعبد. أنينهما اختلط بتعاويذ الكهنة، وذروتهما جاءت كصرخة مشتركة أضاءت السماء بنور فيروزي قوي، طارد موجة كبيرة من الظلال.

لكن تابوبو لم تكن قد انتهت. ظهر تجسدها العملاقي فوق أسوار المدينة، يضحك بصوت يرج الجدران: "ترون؟ حتى حبكما يغذيني. كلما اقتربتما، زادت قوتي. تعالَ إليّ يا خع إم واست، وأنهِ هذا كله. أنا أقدم لك العرش، وهي تقدم لك القيود."

وقف الأمير، يحمل تفنوت المنهكة بين ذراعيه، وعيناه تلمعان ببريق الكبرياء الفرعوني المطلق. "لن أختار بينكما. سأحرقكِ أنتِ، وأحافظ على نورها."

خرج مجدداً إلى ساحة المعركة، يحمل تفنوت بجانبه، مستعداً للمواجهة الكبرى. جيش الظلال كان يقترب أكثر، والسماء تئن تحت وطأة الصدام القادم بين النور المقدس والظلام المحرم.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status