Masukكانت عربة خع إم واست تندفع كوحش أسطوري عبر الطريق الجنوبي، عجلاتها تثير غباراً أحمر يختلط برماد اللعنة. كان الأمير يقف في المقدمة، جسده المفتول مشدوداً كقوس حرب، عيناه الفرعونيتان تحدقان في الأفق حيث تظهر أبراج معبد بو باستيس الشهيرة بأعمدتها على شكل قطط عملاقة. كل دقيقة كانت تزيد من ثقل قلبه — صورة تفنوت الشاحبة، جسدها الذي يذبل تحت اللعنة، كانت تطارده كشبح يهمس في أذنه: "تعالَ سريعاً... أنا أقاوم."
عندما وصل إلى بوابات المعبد الكبرى، كانت الشمس تغرب بلون دم محترق. لم يكن هناك حراس بشريون، بل كانت الظلال نفسها هي الحراس. ما إن اقتربت العربة حتى انفتحت البوابات بصوت يشبه أنين امرأة في ذروة اللذة. دخل خع إم واست وحده، تاركاً مرافقيه خارج الأسوار بأمر صارم.
داخل المحراب الرئيسي، كانت تابوبو تنتظره.
كانت جالسة على عرش من الذهب الأسود المزين بجلود فهود، عارية تماماً إلا من أوشام متحركة تتوهج بلون أرجواني. جسدها كان أكثر فتنة مما تذكر: منحنياتها ممتلئة ومشدودة، بشرتها تتلألأ كذهب مصري مذاب، ثدياها المستديران يرتفعان مع أنفاسها البطيئة، وحلمتاهما الداكنتين تنتصبان كدعوة ساخرة. عيناها لامعتان بدموع غضب مكبوت وحب محطم.
"أخيراً جئتَ..." قالت بصوت مخملي يحمل رعد الغضب. "تركتَ كاهنتك تموت ببطء وجئتَ إليّ. هل أدركتَ أخيراً أنك تنتمي لهنا؟"
وقف خع إم واست على مسافة، قبضته على الكتاب مشدودة حتى ابيضت مفاصله. كان يشعر بالجاذبية الطاغية لها — رائحتها النفاذة تملأ المكان، ذكريات لياليهما السابقة تعصف بروحه. لكنه تذكر تفنوت، وجهها الشاحب، أنينها الضعيف، فاستجمع قوته.
"لم آتِ لأعود إليكِ"، قال بصوت حازم. "جئتُ لأرفع اللعنة عن تفنوت. ارفعيها... أو سأحرق هذا المعبد فوق رأسكِ."
ضحكت تابوبو ضحكة مريرة، ثم نهضت ببطء، جسدها يتحرك كأفعى ملكية. اقتربت منه بخطوات متمايلة، ثدياها يرتجفان مع كل خطوة، عيناها مليئتان بالألم والشهوة.
"تريدني أن أرفع اللعنة عنها؟" اقتربت حتى أصبح وجهها على بعد أصابع من وجهه. "حسناً... لكن الثمن سيكون غالياً. أريدكَ ليلة واحدة. ليلة كاملة بدون قيود، بدون تفنوت، بدون توازنكَ المزيف. أريدكَ كما كنتَ معي قبل أن تهرب."
شعر خع إم واست بجسده يحترق. كانت رائحتها تثير فيه كل الذكريات، وطاقتها تلامس "كتاب تحوت" على صدره كعاشقة قديمة. لكنه أمسك بذراعها بقوة، عيناه تلمعان بالكبرياء:
"لن أخونها. ارفعي اللعنة... وإلا سأستخدم كل سطر في الكتاب ضدكِ."
اندلعت المواجهة بينهما كعاصفة نارية. أطلقت تابوبو طاقة سوداء مشتعلة، تتخذ شكل أجساد خيالية تحاول احتضانه. رد خع إم واست بموجات من الطاقة المختلطة — نور تفنوت ينقي، وسطور الكتاب تدمر. تصادما جسدياً وأثيرياً: كان يدفعها، وهي تلتف حوله كأفعى، ثدياها يضغطان على صدره، شفتاها تحاولان الوصول إلى عنقه.
"أنتَ تريدني..." همست وهي تعض شفته السفلى بلطف مؤلم. "جسدكَ لا يكذب."
دفعها خع إم واست بقوة، لكنه شعر بضعف داخلي. كان يقاتلها بينما جزء منه يتذكر لذة الاستسلام. في لحظة ضعف، انحنت عليه تابوبو، يدها تنزلق على صدره ثم أسفل، تمسك به بجرأة ساخرة.
"ارفعي اللعنة!" صاح وهو يمسك معصمها بقوة، يدفعه بعيداً.
تراجعت تابوبو خطوة، تنفسها متسارع، عيناها مليئتان بالدموع الحقيقية. "إذن أنتَ فعلاً اخترتها... حسناً. سأرفع اللعنة... لكن بشرط واحد."
اقتربت مرة أخيرة، شفتاها على بعد ملم من أذنه:
"ستعود إليّ مرة كل عام. ليلة واحدة. ليلة أملككَ فيها كما أريد. إذا رفضتَ... سأجعل اللعنة تعود إليها أقوى، وستذبل ببطء أمام عينيك."
وقف خع إم واست صامتاً طويلاً، قلبه ممزق. تذكر تفنوت، معاناتها، تضحيتها. ثم رفع رأسه، عيناه تلمعان ببريق ملكي قاسٍ:
"موافق... بشرط أن ترفعي اللعنة الآن، وأن تتركي منف إلى الأبد."
ابتسمت تابوبو ابتسامة حزينة منتصرة جزئياً، ثم رفعت يدها. انطلقت موجة سوداء نحو منف البعيدة، فسحبت اللعنة من جسد تفنوت. شعر خع إم واست برباط الطاقة ينقطع.
"الآن... اذهب إليها"، قالت تابوبو بصوت مكسور. "لكن تذكر... بعد عام، سأنتظرك."
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم