Share

4

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:52:48

استقرت أصابع الأمير "خع إم واست" الصلبة والقوية فوق أولى قطع العاج النادرة الملساء المخصصة للعبة "السينت" الأسطورية، وفي تلك اللحظة الوجيزة، سرى في كامل جسده المفتول العاري الصدر تيار كهربائي خاطف وحارق، امتزجت فيه إثارة القتال الروحي العنيف ببرودة الموت القاسية الكامنة في أركان هذه المقبرة السحيقة التي لم تطأها قدم بشر حي منذ قرون. لم تكن هذه اللوحة الخشبية المصنوعة من الأبنوس الأسود الفاخر مجرد مربعات صامتة مرصوصة بانتظام، بل كانت بوابة سحرية مشرعة، وساحة معركة روحية حية تنبض بالقوة، وتمثل في طياتها منازل الشياطين وبوابات العالم السفلي السبع المعروف باسم "الدوات". بمجرد أن حرك الأمير الشاب قطعته الأولى بثبات مدروس وعينين لا تعرفان الخوف، بدأت النقوش والرموز الهيروغليفية المحفورة على الجدران الحجرية الضخمة تتحرك ببطء ثم تلتوي بعنف كالأفاعي السامة، وانبعث من زوايا القاعة المعتمة همس خافت ومرعب لتعاويذ سحرية موغلة في القدم، تعاويذ صِيغت خصيصاً لاختراق العقول وتشتيت الذهن وبث الرعب في القلوب الجسورة وثني العزيمة الحديدية لأي مغامر يجرؤ على المضي قدماً نحو المحرمات.

في هذه الأثناء، وبعيداً عن غياهب الجبانة الملعونة، كان قلب الكاهنة الجميلة "تفنوت" في محراب معبد منف المظلم ينبض بالخوف اللاهب والشوق الجارف الذي يكاد يمزق صدرها؛ حيث كانت تجلس منزوية في ركن المحراب المقدس، وجسدها الممشوق ذو البشرة الخمرية الناعمة يرتعش تحت ثوبها الكتان الأبيض الشفاف، ذلك الثوب الرقيق الذي بات يلتصق بغواية مثيرة بمنحنيات قوامها المصري الفاتن ومفاتنها الأنثوية الأخاذة بفعل حبات العرق الدافئة المتصببة منها جراء اضطراب نبضاتها المتسارعة وخوفها الوجودي على حبيبها. كانت مستمرة في تلاوة صلوات الحماية وشحن تمائم الفيروز بحرارة واشتعال عاطفي، لعل نفحات عشقها الطاهر وحبها الخالص الممتزج بالشهوة والغرام تقف كدرع غير مرئي يحمي جسد أميرها الغائب في أعماق الجبانة من غدر الفراعنة السحرة ومن ضربات الموت المتربصة به خلف كل جدار.

أمام التابوت الحجري الفاخر، كان الساحر القديم والملك الراحل "نفر كابتـاح" يرقب حركات خع إم واست بعينين تشعان بلهيب أزرق خافت، مرتسماً على وجهه الهلامي ملامح دهاء عتيق وابتسامة ثقة حاسمة لا تتزحزح. مد يده شبه الشفافة التي تطوقها أساور الذهب القديم، وحرك قطعة الأبنوس المقابلة على اللوحة المشتعلة. وفي تلك اللحظة الوجيزة، انطلقت موجة عاتية ولافحة من السحر الأسود المرعب في أرجاء قاعة الدفن، فتحولت مربعات اللوحة فوراً إلى مستنقعات مصغرة تفيض بلهيب أزرق متفجر، وبدا أن القطع العاجية والأبنوسية تتحرك من تلقاء نفسها مدفوعة بأرواح غاضبة ومستعرة تريد الفتك بالأمير الشاب المتسلل وانتزاع روحه الحية من جسده وسجنها إلى الأبد. تراجعت روح زوجته الملكية "أهوري" بفزع شديد إلى الخلف، متشبثة بأطراف ثوبها الجنائزي الشفاف الذي ينم عن جمالها الأسير، وهي ترى زوجها يطلق العنان لأعتى تعاويذه المدمّرة لإنهاء حياة ابن رمسيس وبتر طموحه الجامح في المهد.

لكن "خع إم واست" لم يكن أميراً عادياً ينحني أمام العواصف؛ بل تجلى في تلك اللحظة كبرياؤه الملكي العظيم وقوته العقلية والجسدية الفائقة التي استمدها من تدريباته الشاقة وسحره الخاص. وقف بكامل وسامته وصلابته الفرعونية الأصيلة، وبدأ يتلو بصوت جهوري ثابت زلزل أركان المقبرة تعاويذ حاشدة ومضادة مستمدة من أسرار الخلق الأولى ونور النجوم السماوية. ومع كل حركة ذكية، حاسمة ومباغتة يقوم بها بيده القوية على اللوحة المحترقة، كان يطلق من كفه وهجاً قرمزياً متفجراً يمزق سحر الفرعون القديم ويطفئ النيران الزرقاء، مهتكاً الحجب السحرية السوداء ومقترباً خطوة تلو الأخرى من الهدف الأسمى: "كتاب تحوت" الأعظم، الذي كان يرقد قريباً يشع بنور باهر، أخاذ، وساحر، يلهب حماسه العارم ويزيد الأجواء إثارة، غموضاً، وتشويقاً لا ينتهي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status