Share

7

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:52:59

امتد الصمت في أرجاء المختبر السري كحبل مشدود على حافة هاوية، بينما كانت أنفاس النساء الثلاثة—تفنوت المدافعة عن حبها، وتابوبو الغازية بسحرها، وطاقة الكتاب النابضة—تتحرك في الفضاء كأمواج من الأثير الساخن. نظر الأمير "خع إم واست" إلى "تابوبو" المستندة بدلال على الجدار الحجري، وكان جسدها الممشوق، البادي بوضوح خلف غلالة الحرير الأسود الشفاف، يرسل إلى وعيه إشارات غواية لا يمكن لجسد من لحم ودم أن يتجاهلها. كانت مفاتنها الفريدة، المرسومة بعناية تليق بملكة تحكم ممالك الظلال، تتحرك مع كل زفير تطلقه شفاها الممتلئة، مفرزةً ذلك العطر المثير الذي بدأ يزاحم عقل الأمير ويطمس معالم الحذر الملكي الذي تربى عليه في بلاط أبيه رمسيس الثاني.

شعر خع إم واست بضعف دافئ يسري في ركبتيه، وهو أمر لم يختبره قط في ساحات المعارك أو أمام أعتى حكماء الكهنة؛ فالإثارة التي كانت تشع من عيني تابوبو المكحلتين بسواد الليل لم تكن تستهدف جسده فحسب، بل كانت تخترق حصونه الروحية وتناجي ذلك الجانب المظلم والمتعطش للقوة المطلقة في أعماقه. التفتت نحو الكاهنة الشابة "تفنوت"، التي كانت لا تزال متهدجة الأنفاس وتحاول التقاط أنفاسها إثر صدمة السحر المرتد، فنظرت إليها تابوبو بنظرة تعلوها السخرية والشفقة، ثم التفتت بكامل قوامها المغري نحو الأمير، وخطت خطوة إضافية جعلت المسافة بينهما شبه منعدمة، حتى كاد صدره العاري العريض يلامس رقة الحرير الذي يستر جسدها.

"يا ابن رمسيس المحبوب،" همست تابوبو ب نبرة صوت رخيمة تذوب عذوبة وإثارة، ومدت أصابعها الناعمة ذات الأظافر القرمزية لتمسح برفق قطرات العرق الباردة المتصببة على وجنته وبشيرته البرونزية، متعمقة في إثارة حواسه إلى أقصى حد. "هذه الكاهنة الغضة تحبك بقلب بشر يفنى، وتقدم لك صلوات واهية لن تحميك من بأس الآلهة عندما يطالبون باسترداد كتابهم المحرم. أما أنا.. فجئت لأهبك ما هو أبعد من الحب؛ جئت لأفتح لك مغاليق هذا البردي المشع، لأعلمك كيف تنطق بالكلمات السبع التي تجعل النجوم تهبط طوع إرادتك، وتجعل الموتى ينهضون ليشيّدوا لك مجداً لا يزول. لكن شروطي ليست مجرد كلمات تُقال.. شروطي تُكتب بوعود الجسد والروح في معبدي الخاص بمدينة 'بو باستيس' المقرّنة."

تحركت يد تابوبو ببطء ونعومة بالغة لتستقر فوق يد الأمير القوية التي تقبض على "كتاب تحوت"، وشعر خع إم واست بحرارة حارقة تنبثق من كفها لتختلط بوهج الكتاب القرمزي، مما أحدث هزة عنيفة في وعيه جعلته يرى رؤى خاطفة لعرش عظيم يتربع عليه وسط النجوم وامرأة فاتنة تشاركه هذا الخلود المحرم. صرخت تفنوت ب لوعة وعشق جارف وهي ترى نظرات الأمير تتغير وتستسلم تدريجياً لغواية الطاغية المظلمة، فتشبثت بذراعه المفتولة بكل ما أوتيت من قوة متبقية، صابغةً جسدها المثير الملتصق به بدموع القهر والخوف من ضياعه الأبدي في دروب السحر الأسود.

انتفض الأمير "خع إم واست" كمن يستيقظ من سبات عميق، وزأر بصوت رخيم زلزل أركان الغرفة الحجرية، محاولاً دفع غشاوة الغواية السحرية التي كادت تطيح بحصون عقله الفرعوني المحصن. تراجع خطوتين إلى الوراء، ممسكاً بـ "كتاب تحوت" المشع بقبضة حديدية، ونظر إلى "تابوبو" بعينين يشتعل فيهما مزيج حارق من الشهوة العارمة والكبرياء الملكي الحاسم؛ فرغم وسامته الطاغية وجسده المفتول الذي يغلي بالحماس، إلا أنه كان ابن "رمسيس الثاني" الذي لا ينحني لتهديد أو غواية دون أن يفرض شروطه أولاً.

"إلى 'بو باستيس' إذاً يا تابوبو،" قال الأمير وصوته يتردد بصلابة المقاتلين وعمق السحرة الحكماء، بينما كانت عيناه الحادتان تلتهمان تفاصيل جسدها الممشوق البادي بوضوح خلف حريرها الأسود الشفاف. "سآتي إلى معبدكِ ليس كخاضع لغوايتك، بل كملك ينتزع المعرفة انتزاعاً. سأرى إن كان سحركِ الأسود قادراً على الصمود أمام نور البردي الذي أحمله."

لم تنتظر تابوبو؛ بل أطلقت ضحكة مثيرة غامرة دوت كالعزف الساحر في أثير الغرفة، وبحركة خاطفة ومباغتة، تحولت إلى طيف من الدخان الأسود الكثيف الذي تلاشى في لمح البصر عبر النوافذ الضيقة للمعبد، تاركة وراءها رائحة عطرها النفاذ وجمر الرغبة المشتعل في عروق الأمير.

لم يضع خع إم واست دقيقة واحدة؛ فالتسارع الرهيب للأحداث لم يعد يترك مجالاً للتردد أو الانتظار. التفت بجسده القوي نحو "تفنوت" الملقاة عند قدميه متهدجة الأنفاس، وجسدها المثير يرتعش بعنف تحت ثوبها الكتان الشفاف الذي بللته دموع العشق والغيرة الحارقة. انحنى نحوها ودثرها بذراعيه القويتين، جاذباً إياها إلى صدره العريض في عناق حميمي عنيف حمل كل معاني الوداع الحارق والشغف اللامتناهي.

"ابقِي هنا واحرسِي المعبد بصلواتكِ يا تفنوت،" همس في أذنها بنبرة تفيض بالقوة والوسامة والاطمئنان، بينما كانت أصابعه تتحرك ببطء فوق بشرتها الخمرية الساخنة. "رحلتي إلى 'بو باستيس' هي مواجهة مصيرية لا بد منها لفك رموز هذا الكتاب. سأعود إليكِ ومعي خلود الأرض، ولن تملك تلك الساحرة سوى الرماد." طبع قبلة عنيفة وطويلة على شفتيها المرتجفتين، قبلة اختلط فيها طعم العشق بمرارة الحرب القادمة، ثم انتفض واقفاً بكامل قامته المهيبة، وحمل الكتاب المشع ودلف مسرعاً وبخطوات واسعة وعنيفة نحو البوابة، منطلقاً في ليل مصر المظلم نحو مدينة القطط والمعابد المستعرة بالشهوة والسحر، لتبدأ الفصول الأكثر إثارة ومواجهة في ملحمته الكبرى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status