تسجيل الدخولكان الجنود المصريون في تلك الساعة يقاتلون ببسالة أسطورية نادرة، ويستلهمون روح الشجاعة من ذكرى فرعونهم الراحل رمسيس الثاني. لم يكن الخوف يعرف طريقاً إلى قلوبهم؛ فكان المشهد يفيض بالتضحية والبطولة التي تدمع لها العيون.كان أحد الجنود المصريين يرى زميله ومصابه يسقط على الأرض جريحاً ينزف، فلم يتركه ليموت، بل كان يندفع وسط السيوف ويحمل زميله على كتفه بقوة، ويواصل القتال بيده الأخرى بكل شجاعة. وكان جندي آخر يقفز بخفة فوق جثث القتلى ليطعن قائداً من الأعداء في ظهره ويحمي ظهر رفاقه.ولكن، ورغم هذه البسالة المصرية العظيمة، كان جيش الملك أدنوك عدده هائلاً جداً ويفوقهم بمقدار الضعف، وبدأت الكثرة الغالبة تضغط على الصفوف الأمامية للمصريين. والأمر الأكثر خطورة هو أن الوحوش الظلامية والمخيفة التي أرسلها بعل — تلك السباع السوداء العملاقة المصنوعة من الدخان والطيور الظلالية ذات المخالب الحادة — بدأت تشن هجوماً شرساً ومنظماً على الجنود.كانت هذه الوحوش تندفع وسط الغبار، وتمزق أجساد الجنود المصريين بمخالبها القاطعة وتلقي بهم في الهواء بعنف شديد. بدأ الرعب ينتشر قاطوعاً بين بعض الفصائل جراء هذا السحر الأس
كان الملك أدنوك ينظر إلى هذا الحماس المصري العارم والمنظم بغضب شديد وضيق بدا واضحاً على ملامح وجهه، وبدأت علامات الاطمئنان والغرور تزول عن وجهه قليلاً بعد أن رأى روح القتال الشرسة تشتعل في عيون المصريين. لكنه عاد وبسرعة واستند في ثقته المطلقة إلى عدده الهائل الذي يملأ التلال ووحوشه المتربصة التي بدأت تزمجر وتستعد للهجوم بطلب من الكهنة.همس اليه الاله بعل فى عقله : لاتقلق انت الاعلى وانا ساعد لهم مفاجئة ستزعجهموفي تلك اللحظات الحرجة والفاصلة من تاريخ الوادي، كان الأمير خع إم واست والفتى الصغير سى اوزير يراقبان الموقف بدقة شديدة وعين ساهرة من موقعهما الخفي والمستتر في الجهة الخلفية للتلال. كان خع إم واست يقبض على عصاه الكهنوتية، بينما كان سى اوزير يمسك بالتميمة الحجرية المقدسة التي بدأت تزداد دفئاً ونبضاً بين أصابعه، مستعدين مع مقاتليهم العشرة آلاف لإطلاق ضربة المفاجأة الساحقة وتوجيه المطرقة نحو السندان بمجرد أن يلتحم الجيشان وتبدأ الحرب الفعلية.كانت الشمس ترتفع أكثر في السماء ملقية بلهيبها الخانق فوق الرمال، والجيشان يقفان وجهاً لوجه بكامل سلاحهما وغضبهما، يفصل بينهما شريط ضيق وصغير م
تحرك الملك مرنبتاح بمركبته الملكية خطوات وقورة نحو الأمام، متقدماً عن صفوف جيشه ليكون في طليعة المشهد. كان يمسك بزمام خيله القوية بيده اليسرى بثبات، ويقبض بسيفه الذهبي الطويل بيده اليمنى، واجهاً شعاع الشمس الأحمر الوليد الذي انعكس على نصل السيف فجعله يلمع بقوة كأنه قطعة من نور الشمس الخالص شقت الظلام. رفع مرنبتاح رأسه نحو التلال، وأطلق صوته العسكري القوي المدرب، فخرج الصوت هادراً وقاطعاً كالسيف، يخرق صفير الرياح الشمالية الباردة ليصل واضحاً ونقياً إلى الطرف الآخر فوق المرتفعات:"أدنوك! أيها الملك الباغي والخائن، والتابع الذليل للظلام وبعل! جئتَ تجمع جنودك في الخفاء وتتحرك سراً لغزو أرضنا الطاهرة واستباحة بيوتنا الآمنة ظناً منك أن مصر قد نامت بموت ملكها، لكنك وجدتنا هنا في انتظارك في منتصف الطريق لنقطع دابر شرك قبل أن يقترب من ديارنا. اسمعني جيداً وافهم ما أقول... استسلم الآن دون إراقة للدماء، وخذ جنودك المارقين وملوكك الطامعين وارجعوا فوراً إلى جحوركم الباردة في الشمال، وسنترعكم تعيشون بسلام في بلادكم. أما إذا أصررت على البغي والغزو وعناد الحق، فثق تماماً وأقسم لك بالآلهة العظام أن ال
كان الفجر يشق عتمة الليل ببطء شديد على السواحل الشمالية، كأنه قاضٍ سماوي يستعد لإصدار حكمه الأخير على مصير العالم. بدأت أشعة الشمس الأولى تبزغ من وراء الأفق، لكنها لم تكن أشعة ذهبية دافئة كالمعتاد، بل كانت حمراء قانية، صبغت مياه البحر بلون أحمر دامٍ، كأن الطبيعة نفسها تتنبأ بنهر الدماء الذي سيسيل بعد قليل على هذا الرمل البارد. كان المشهد مهيباً يحبس الأنفاس؛ فالأمواج الهادئة التي كانت تداعب الشواطئ بدأت ترتفع وتتحرك بقلق، كأنها تشعر بالثقل الرهيب الذي ألقاه التاريخ فوق كاهلها في هذه الساعة الحرجة.في هذه الأجواء المشحونة بالترقب، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم إلى الموقع المحدد له بدقة على الشاطئ الرملي الواسع. ولم يكن نزول الجيش من متون السفن فوضوياً أو عشوائياً، بل كان آية في النظام والدقة العسكرية الأسطورية التي تعكس عقوداً من التدريب الصارم تحت ظلال الفراعنة العظام. تحرك الجنود كجسد واحد، وبسرعة مذهلة شكلوا صفوفاً متراصة امتدت على طول الساحل كالجدار البشري الصلب الذي لا يمكن اختراقه.كان ثلاثون ألف مقاتل مصري يقفون في أماكنهم بثبات الجبال الشامخة، لم يتحرك منهم جندي واحد، ولم ير
بعد مرور ساعة كاملة من العمل الشاق والمنظم لتغيير مسار السفن في عرض البحر، اجتمع الثلاثة مجدداً — الملك مرنبتاح، والأمير خع إم واست، والفتى سى اوزير — داخل غرفة القيادة لوضع التفاصيل النهائية لخطة المواجهة القادمة. كان الأمير خع إم واست ينظر إلى الخريطة بتركيز كبير، ويمرر أصابعه فوق طرق السير البرية والبحرية، ثم رفع رأسه ونظر إلى أخيه الملك وقال بصوت هادئ ومليء بالذكاء والحكمة:"يا أخي مرنبتاح... لقد خطرت في عقلي خطة استراتيجية ذكية قد تقلب موازين قواهم الكبيرة وتلغي تفوقهم العددي علينا. سنقسم جيشنا وقواتنا إلى قسمين منفصلين. أنا سأتولى قيادة القسم المخفي والسري؛ سآخذ معي جميع السحرة والكهنة العظام الذين يملكون معرفة بكتاب تحوت، ومعنا سى اوزير وعشرة آلاف مقاتل من أقوى وأشرس جنود النخبة. سنستخدم قدراتنا السحرية لإخفاء أنفسنا وتحركنا تماماً عن أعين الجواسيس، حتى نلتف من وراء الممرات ونصل إلى خلف جيش الأعداء دون أن يشعروا بوجودنا. سنضربهم من الخلف فجأة مستغلين عنصر المفاجأة الذي سيربك صفوفهم. أما أنت يا ملك مصر... فتأخذ الثلاثين ألف مقاتل المتبقين، وتقود الهجوم الأمامي المباشر بكامل جنود
كانت السفينة الملكية الكبيرة تشق مياه البحر في ليلة هادئة وصامتة. لم يكن هناك أي صوت يقطع هذا السكون سوى ضربات الأمواج الخفيفة التي كانت تصطدم بخشب السفينة برفق شديد، كأن البحر يهمس للجنود ليناموا بسلام. امتد الأسطول المصري في الظلام مثل أسراب من الطيور السوداء الكبيرة التي تسير فوق الماء بدون إشعال أي أنوار، حتى لا يراهم أحد من الأعداء. كان كل شيء يبدو هادئاً ومستقراً من الخارج، والجميع يغطون في نوم عميق بعد أيام طويلة من التعب والتدريب.ولكن، داخل قلب الفتى الصغير "سى اوزير"، لم يكن هناك أي هدوء، بل كانت هناك عاصفة قوية ومخيفة من القلق والتوتر أفسدت نومه تماماً.فجأة، وبدون أي مقدمات، انتفض الفتى الصغير من فراشه واستيقظ وهو يتنفس بسرعة وصعوبة شديدة، كأنه كان يجري لعدة أيام متواصلة تحت أشعة الشمس الحارقة في وسط صحراء قاحلة لا نهاية لها. كان جسده النحيل مغطى بالكامل بالعرق البارد الذي جعل ملابسه تلتصق بجلده، وكانت عيناه الفيروزيتان مفتوحتين على وسعهما من شدة الرعب والصدمة، والدموع تكاد تفر منهما. في تلك اللحظة، كانت يده الصغيرة تقبض بكل قوتها على التميمة السحرية المصنوعة من الحجر — وا