مشاركة

82

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-06-28 21:14:00

بعد أن اجتاز سى اوزير متاهة الألغاز النفسية المرعبة، كان جسده ممزقاً، روحه متعبة إلى أقصى الحدود، وعقله يئن من شدة الاختبارات التي مر بها. كان يمشي بخطوات ثقيلة ومتعثرة في الظلام، يسحب قدميه على أرض الدوات التي كانت تتغير تحت قدميه كأنها كائن حي يتنفس. الدم يسيل من جروحه الروحية، والعرق يلتصق بجسده، لكنه لم يتوقف. كان يعرف أن الوقت ينفد، وأن والده يحتضر في العالم العلوي، وأن كل لحظة تمر قد تكون الأخيرة.

فجأة... انفتح أمامه نور ذهبي هائل، يخترق الظلام كسيف إلهي يقطع الستار. شعر بدفء غير مألوف يحيط به، كأن الشمس نفسها قد نزلت إلى أعماق الدوات لتلتقي به. تقدم بخطوات متعثرة، ووجد نفسه أمام مشهد لا يُنسى، مشهد يفوق كل ما تخيله في أحلامه أو ما قرأه في البرديات المقدسة.

كان مركب الشمس يسبح في بحر من النور والظلام معاً. مركب عملاق من الذهب اللامع الذي يشع بنور أزلي، مزين بأجنحة الصقر الضخمة، يتحرك ببطء مهيب عبر نهر الدوات الأبدي. على مقدمته كان رع العظيم واقفاً في هيئته الكاملة، رأسه رأس صقر ملكي مهيب، جسده يشع بنور أبيض-ذهبي يضيء الدوات كلها، يحمل قرص الشمس بين قرنيه كتاج إلهي، وعيناه تحترقان بنار إلهية نقية لا تُطفأ.

بجانبه كان ست يقف شامخاً كجبل من العضلات والغضب، رأسه الحيواني الغريب يطلق زئيراً مدوياً يهز أرجاء الكون، جسده العضلي الضخم ينبض بالقوة الوحشية، يمسك برمح الرعد الأحمر الذي يومض بالبرق الأزرق الدامي.

وفي الأمام، كان أبوفيس — الثعبان العظيم، عدو الشمس الأزلي — يهاجم المركب بهياج أسطوري لا يُوصف.

كانت المعركة الكونية في أوجها، معركة تكتب في برديات الخلود.

كان أبوفيس عملاقاً يفوق الوصف، جسده الأسود اللامع يمتد لمئات الأمتار كجبل متحرك من الظلام، قشوره تتلألأ كالليل المرصع بالنجوم الميتة، وعيناه بركتان من النار السوداء المتقدة. كان يلتف حول مركب الشمس كأفعى عملاقة جائعة، فمه المفتوح يبتلع النور، وأنيابه الطويلة تطلق سمّاً أسود كثيفاً يحرق كل ما يلامسه، يذيب حتى الضوء نفسه. كلما ضرب المركب بذيله الضخم، اهتز الكون كله، وانشقت أرض الدوات، وارتفعت أمواج من الظلام تصرخ بأصوات الموتى.

"أنا الظلام الأزلي! أنا الذي يبتلع الشمس كل ليلة! اليوم سأبتلعكم معها إلى الأبد!" صاح أبوفيس بصوت يرج أرجاء الدوات، صوت يجمع بين أنين ملايين الأرواح المعذبة وغضب الهاوية.

رد رع العظيم بصوت إلهي مدوي يملأ الكون بنور:

"لن تبتلع النور أبداً يا ثعبان الخراب! طالما أنا موجود، فالشمس ستشرق!"

رفع رع قرص الشمس عالياً، فانفجر منه شعاع ذهبي هائل، أقوى من آلاف الشموس، أحرق جزءاً كبيراً من جسد أبوفيس. صاح الثعبان من الألم الشديد، جسده يتصاعد منه دخان أسود كثيف، لكنه التف أكثر حول المركب، محاولاً سحقه بقوة هائلة.

هنا تدخل ست بقوة غاشمة. قفز الإله الأحمر بسرعة وحشية، رمحه يومض بالرعد الأزرق الدامي، وضربه في جسد أبوفيس ضربة هائلة. انفجر الرعد، وانشق الثعبان جزئياً، يتدفق منه دم أسود كالليل المتجمد. صاح ست بضحكة وحشية مليئة بالمتعة بالقتال:

"تعالَ يا أبوفيس! اليوم سأمزقك كما مزقتك كل ليلة! سأحول جسدك إلى رماد يتطاير مع رياح الصحراء!"

كانت المعركة ملحمية أسطورية لا تُوصف. كان رع يطلق أشعة الشمس المتتالية التي تحرق الظلام، تحول أجزاء من جسد أبوفيس إلى بخار ذهبي. كان ست يضرب بقوة غاشمة، يقطع أجزاء ضخمة من الثعبان، يطلق عواصف رملية حمراء عملاقة تحاصر العدو وتخنقه، يرمي برمحه فيسمح له بالعودة إلى يده بعد كل ضربة مدمرة.

كان أبوفيس يجدد جسده باستمرار، ينمو من جديد كلما قطع، يلتف حول المركب بقوة أكبر، يحاول ابتلاع رع، يطلق سمّاً أسود كثيفاً يحاول إطفاء نور الشمس، ويصرخ بغضب يهز أرجاء الكون كله. كانت السماء — أو ما يشبه السماء في الدوات — تمطر برقاً أسود، والأرض تنشق، والنيل الأسود يغلي.

استمرت المعركة ساعات طويلة، ربما أيام في زمن الدوات. كان رع وست يقاتلان بتناغم أسطوري، أحدهما يضيء والآخر يدمر، بينما كان أبوفيس يقاتل بكل قوة الظلام الأزلي. في لحظة حرجة، التف الثعبان حول المركب بقوة هائلة، محاولاً سحقه، لكن ست قفز على رأسه وضربه برمحه في العين، بينما أطلق رع شعاعاً ذهبياً مباشراً في فمه.

صاح أبوفيس صرخة مدوية هزت الدوات كلها، ثم انفجر جسده جزئياً في انفجار هائل من الدخان الأسود. تراجع الثعبان إلى أعماق الظلام، يئن ويعد بأنه سيعود.

كان أبوفيس قد هُزم مؤقتاً... لكنه لم يمت.

وقف رع وست على مركب الشمس، يلهثان، ونظرا إلى سى اوزير الذي كان يقف مذهولاً على الحافة

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status