Share

9

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:53:06

تحت السقف الباسق لبهو الأعمدة الضخم الذي كان يغلي بالظلال الكثيفة، تداخلت الأنفاس الساخنة والمضطربة في منازلة حسية وسحرية عنيفة حبست لها أنفاس كاهنات المعبد المتربصات في العتمة خلف جدران الحجر. كان الأمير "خع إم واست" يقبض على خصر الساحرة الغامضة "تابوبو" النحيل بعنفوان وقوة عاتية يمتزج فيها كبرياء ملوك بني رمسيس بجنون رغبة جارفة ولعنة مستعرة كادت تطيح بحصون عقله وثباته الفطري؛ فثوبها الحريري الأسود الشفاف والرقيق لم يكن يحجب شيئاً من تقاطيع ومفاتن جسدها المثير والأخّاذ، وبشرتها الناعمة الصافية كانت تنبض بحرارة سحرية غريبة تتسلل إلى عروق الأمير البرونزية مع كل لحظة تلامس حميم، مفرزة عطرها النفاذ والآسر الشبيه برائحة المر البري والمسك الأسود النادر الذي خدر أركان الفراغ بالكامل.

ارتدت ضحكة تابوبو الممتلئة دهاء وإثارة عارمة في عمق وعي الأمير مباشرة كصدى قادم من الجحيم، ولم تكن تلك الضحكة مجرد تعبير عن النصر، بل كانت تعويذة غواية سوداء بالغة الدقة تستهدف تدمير طاقة الحماية الفيروزية والذهبية التي تحيط بعنقه. وبحركة مباغتة، حاسمة وخاطفة للغاية، مررت أصابعها الناعمة ذات الأظافر القرمزية الساخنة فوق صدره العاري العريض، هابطة ببطء ودلال مستفز نحو حافة عباءته الجلدية الثقيلة، ليتفجر من ملمس يدها وهج سحري أزرق خافت، بدأ يلتف حول جسده المفتول وعضلاته المشدودة كالحبال اللامرئية، محاولاً شل حركته وإضعاف مقاومته الملكية الأسطورية لإجباره على التخلي عن "كتاب تحوت" الأعظم الذي كان لا يزال ينبض بين يديه القويتين بقوة خفية تزلزل الأرض من تحتهم.

"تظن نفسك ملكاً حاسماً فارضاً للشروط والقيود يا ابن رمسيس العظيم،" همست تابوبو بنبرة رخيمة تذوب عذوبة وشهوة جارفة، وعيناها الواسعتان المكحلتين بسواد الليل تشعان ببريق قاصف يلتهم كل ما تبقى من ثباته الفرعوني الأصيل. "لكن في محرابي المقدس هذا، الجسد هو القاضي الوحيد، والروح الحية هي القربان الأبدي. كلما قاومت سحري الأسود، كلما تغلغلت اللعنة في وعيك وشرايينك أكثر فأكثر. استسلم لغوايتي الليلة، ودعنا نفتح مغاليق وأسرار هذا البردي المشع معاً في عناق حميمي ساخن يمنحنا الخلود المطلق ويحرق طهر منف وأوهام الكاهنة تفنوت إلى الأبد."

لم يكن الأمير "خع إم واست" رجلاً يسهل اقتياده إلى المقاصل بكلمات معسولة، بل تجلى في تلك اللحظة الحرجة كبرياؤه الملكي وصلابته الفائقة التي استمدها من نسبه ودراسته العميقة لعلوم السحر؛ فاستجمع كل ذرة من قوته الجسدية والعقلية ليتحرر من حبال الظلام السحرية التي بدأت تطوق حواسه وتخدر وعيه. وبحركة عنيفة ومباغتة، وثق قدميه فوق الأرض الحجرية وضغط بيده الحرة على التميمة الذهبية المحيطة بعنقه، وبصوت جهوري ثابت تملؤه النبرة الفرعونية الحاسمة ووسامته الرجولية الطاغية، بدأ يتلو تعويذة طرد أثيرية مضادة صبغت الفراغ بوهج قرمزي متفجر ارتد كالصاعقة في أرجاء البهو الواسع.

اهتزت الأعمدة الحجرية الضخمة بعنف، وتطايرت النيران الزرقاء والقرمزية من المجامر البرونزية لتشكل جداراً من اللهيب الفاصل، مما أجبر الساحرة الفاتنة "تابوبو" على التراجع خطوتين إلى الخلف متهدجة الأنفاس، وقد ارتسمت على ملامح وجهها الأخاذ دهشة عارمة امتزجت بشغف وحماس متقد؛ فلم يتجرأ بشر من قبل على كسر غوايتها بهذه السرعة والعنفوان. تلاقت عيناهما وسط الدخان المتصاعد، فتبادلا نظرات صامتة تفيض بالتحدي والإثارة اللاهبة، حيث أدرك كلاهما أن المباراة بينهما قد انتقلت الآن من مرحلة الخداع الحسي إلى مرحلة المواجهة السحرية المفتوحة لانتزاع السيادة الكاملة وفك رموز "كتاب تحوت" المشع الذي كان لا يزال يتألق بين يدي الأمير كأنه يعلن انحيازه للأقوى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status