Share

10

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:53:10

سكنت النيران المتطايرة تدريجياً، لكن الهواء في بهو الأعمدة ظل مشحوناً برائحة الأوزون والكتان المحروق، كأنه ساحة معركة تبدد غبارها للتو. وقف الأمير "خع إم واست" بكامل وسامته الطاغية وصلابته الفرعونية الأصيلة، وصدره العريض العاري يتحرك صعوداً وهبوطاً بأعنفوان تتدفق فيه دماء ملوك بني رمسيس الحارة. كان يقبض على "كتاب تحوت" الأعظم بقوة حديدية جعلت معاصمه المفتولة تبرز بوضوح، وعيناه الحادتان مثبتتان على الساحرة الغامضة "تابوبو" التي كانت تقف على بعد خطوات منه، متهدجة الأنفاس، وجسدها الممشوق يرتعش بإثارة لم تعهدها من قبل إثر ارتداد تعويذتها المظلمة. لم تكن الصدمة هي ما يرتسم على وجهها الفاتن، بل كان شغفاً جارفاً وحماساً لاهباً انبعث من عينيها الواسعتين المكحلتين بسواد الليل، كأنها وجدت أخيراً الند الذي يستحق أن يشاركها غياهب السحر.

تحركت تابوبو بخطوات وئيدة، تتهادى بدلال أفعى مقدسة انفتحت لها مغاليق الأرض، فكان خصرها النحيل يتماوج بانسيابية قاتلة جعلت ثوبها الحريري الأسود الشفاف يتدلى بنعومة بالغة تبرز مفاتن قوامها المصري المثيرة والأخّاذة إلى أبعد حد. لم يعد في عينيها ذلك الخداع الحسي الرخيص، بل بدأت ملامحها تشع بوقار ساحر موغل في القدم وهي تتقدم نحو الطاولة الحجرية الكبرى التي توسطت البهو، والتي نُحتت على أطرافها رموز الأبراج الفلكية ومسارات النجوم السباعية. وقفت أمام الأمير مباشرة، حتى كاد عطرها النفاذ الممتزج بالمر البري والمسك الأسود النادر يسلب لبه مجدداً، لكنه ثبت كالجبل، مستمداً قوته من كبريائه الفطري وطاقة التمائم المعلقة حول عنقه.

"لقد أثبتّ أنك تستحق المعرفة التي بين يديك يا ابن رمسيس،" قالت تابوبو بصوت رخيم عميق يذوب عذوبة ومهابة، وتردد صداه في أثير القاعة كأنه ترنيمة جنائزية عتيقة. "الحديد النيزكي وسحر الدم قد يفتحان بوابات المقابر، لكنهما لن يفكا شفرة سطر واحد من أسطر إله الحكمة. كتاب تحوت صِيغ بلسانين: لسان النور الذي تحمله، ولسان الظلام الذي أملكه أنا. بدوني، لن ترى في هذه اللفافة سوى برموز صامتة، وبدونك، لن أجد أنا الوعاء الملكي الصافي الذي يتحمل تدفق طاقة الخلق الأولى."

مدت يدها الناعمة ذات الأظافر القرمزية الساخنة، وأشارت بدلال ساحر نحو لوحة الأبنوس المخصصة لفك الرموز فوق الطاولة، ثم التفتت لتلتقي عيناها بعيني خع إم واست في نظرة شغف حارة التهمت كل الحذر المتبقي في وعيه. كان الأمير يشعر بالحماس والإثارة اللاهبة تسري في عروقه كالسم البطء؛ ففكرة فك رموز الكتاب، والوصول إلى الخلود المطلق والسيطرة على أقدار الأرض، كانت تداعب وحش الطموح القابع في صدره وتدفعه دفعاً لقبول التحدي والمضي قدماً في هذه المواجهة النفسية والجسدية الفائقة الغموض. وضع اللفافة المشعة فوق الطاولة، فانبثق منها فوراً نور باهر وأخّاذ صبغ جدران المعبد بظلال حمراء وزرقاء متداخلة، وبدأت الحروف السحرية تنبض كأنها عروق حية تستدعي طقس العبور المشترك.

تقدم الأمير "خع إم واست" بثبات نحو الطاولة الحجرية، وجلس في الجانب المقابل لـ "تابوبو"، يفصلهما وميض البردي المشع الذي كاد يلتهم بريق المشاعل الزيتية في البهو. مد الأمير يده البرونزية المفتولة ليفتح اللفافة الأسطورية بحذر، فتبخرت في الجو طاقة عتيقة، وبدت الحروف الهيروغليفية وكأنها ساطعة بلون الذهب اللاهب. ركز الأمير بصره الحاد وعقله المتيقظ على السطر الأول، مسترجعاً كل ما درسه في معابد "منف" من نصوص الحكمة وأسرار الكون، وبدأ ينطق بالرمز الأول بصوت جهوري عميق هز أركان الطاولة.

في تلك اللحظة الوجيزة، وضعت تابوبو كفها الناعمة والدافئة فوق يده، وتلاقت عيناها الساحرتان بعينيه في نظرة شغف حارة أطلقت موجة من السحر الأسود الأثيري. تداخل صوتها الرخيم مع صوته، فامتزج لسان النور بلسان الظلام، وبدأت الرموز الصامتة تتحول إلى لغة حية مسموعة يتردد صداها في أوعية جمجمتهما مباشرة، مسببة ألماً لذيذاً وإثارة عارمة سرت في جسديهما الممشوقين. ومع فك الشفرة الأولى، انفتحت الحجب، وظهرت فوق اللوحة الحجرية رؤى مصغرة لمسارات النجوم البعيدة وحركة الكواكب الأوليّة قبل بدء الخليقة، كأن الكتاب يمنحهما مفاتيح تطويع عناصر الطبيعة الأربعة.

بينما كانت الإثارة تصل إلى ذروتها في "بو باستيس"، كان طيف الكاهنة الجميلة "تفنوت" في منف لا يزال حاضراً في وجدان الأمير كحصن روحي أخير؛ فحجم الحب والجذب الجسدي الذي يجمعه بها شكل توازناً فطرياً حمى روحه من الغرق الكامل في محيط غواية تابوبو الطاغية. التفتت تابوبو بنظرة ذكية ومباغتة نحو الأمير، وثوبها الحريري الأسود الشفاف يبرز مفاتن قوامها المثير مع كل حركة، وقالت ونبرة صوتها تذوب عذوبة وشهوة: "هذه هي البوابة الأولى فقط يا ابن رمسيس العظيم.. السطر الثاني يتطلب امتزاجاً أعمق للروح والجسد، حيث تتخلى عن كبريائك الملكي في محرابي لتنال الخلود المطلق الذي لا يطاله الفناء."

لم يتراجع خع إم واست؛ بل تجلى عنفوانه وقوته العقلية، فثبت نظرته الحاسمة في عينيها الساحرتين، مستعداً للانتقال إلى السطر التالي ومواجهة شروط الغواية الأكثر خطورة وإثارة لانتزاع بقية الأسرار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status