登入عاد تيم إلى واقعه على صوت طرقات متتالية على باب مكتبه. رفع رأسه عن الملفات الموضوعة أمامه، وكأن الصوت انتشله فجأة من الذكرى التي غرق فيها للحظات. بقي ساكنًا لثانية، ثم استعاد ملامحه الهادئة وأغلق الملف الموجود أمامه. — ادخل. انفتح الباب بعد لحظات، ودخل فؤاد بخطوات سريعة. كانت ملامحه تحمل قدرًا واضحًا من القلق والانزعاج، وكأن أمرًا مهمًا دفعه إلى الحضور بنفسه بدلًا من الاكتفاء بإرسال أحد الموظفين. تقدم حتى وصل إلى المكتب، ثم توقف أمام تيم وقال مباشرة: — تحددت أول جلسة في قضية تامر. رفع تيم عينيه إليه باهتمام، ثم أسند ظهره إلى المقعد وهو يسأله: — هل أخبرك المحامي عن وضعه في القضية بعد الدفاع عنه؟ تنهد فؤاد بضيق، ثم مرر يده على وجهه قبل أن يجيبه: — لا. لم يحدد وضعه. ظل تيم ينظر إليه للحظات، وكأنه كان يتوقع هذه الإجابة، ثم قال بهدوء: — أنا عرفت مكانه. توقف فؤاد عن الحركة فورًا، ورفع عينيه إليه بدهشة واضحة. — حقًا؟ أومأ تيم برأسه، وظلت ملامحه ثابتة دون أن يظهر عليه أي انفعال. — نعم. اقترب فؤاد من المكتب أكثر، وقد بدا الفضول والقلق واضحين في عينيه. — وكيف عرفت؟ أجاب تيم بع
كان تيم يجلس خلف مكتبه في مقر عمله، محاطًا بالملفات التي تراكمت أمامه منذ الصباح.كانت عيناه تتحركان بين الأوراق، لكنه لم يكن يقرأ شيئًا حقًا.منذ أن رأى ربى في الشقة التي كانت تختبئ فيها، ظل وجهها يعود إلى ذاكرته دون إرادة منه.لم يكن يعرف لماذا حدث ذلك.ربما لم يعد يحمل تجاهها المشاعر نفسها التي كانت تملأ قلبه قديمًا، وربما تغير كل شيء بينهما منذ سنوات طويلة، لكن بعض الذكريات لا تحتاج إلى مشاعر حتى تستيقظ.يكفي أن يرى الشخص الذي ارتبطت به ذات يوم…حتى تفتح الذاكرة أبوابها دفعة واحدة.أغمض تيم عينيه للحظة، فوجد نفسه يعود إلى سنوات مضت.إلى ذلك اليوم الذي قرر فيه أن يأخذ ربى إلى شقة بعيدة عن كل شيء.كان قد اختار مكانًا لا يعرفهما فيه أحد، بعيدًا عن منطقتها، وبعيدًا حتى عن الأماكن التي اعتاد أفراد عائلته التردد عليها.لم يكن يريد أن يراهما أحد معًا.خصوصًا بعد حديث تامر معه.كان يعلم أن أخاه لن يتهاون في الأمر، وأن معرفته بعلاقته بروبا قد تضعها هي قبل أي شخص آخر في مرمى غضبه.توقف تيم أمام باب الشقة، ثم فتحه ودخل.وما إن أغلق الباب خلفه حتى أخذ يبحث عنها بعينيه.— ربى؟لم يجبه أحد.تقد
دخلت تالين إلى الغرفة بخطوات هادئة، بعدما اطمأنت إلى أن آدم قد غفا أخيرًا.اقتربت من سريره الصغير، ثم انحنت فوقه وسحبت الغطاء برفق حتى غطته جيدًا.بقيت للحظات تراقب وجهه الصغير.كان نائمًا بهدوء، وملامحه التي بدت أكثر براءة وهو غارق في النوم جعلت قلبها يلين رغماً عنها.مدت يدها بحذر، وسوت طرف الغطاء فوق كتفه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.لكن في اللحظة التالية، تحرك آدم في نومه، واستدار بوجهه إلى الجهة الأخرى، مانحًا إياها ظهره.توقفت تالين مكانها.اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وظلت تنظر إليه بصمت.ربما لم يكن الأمر مقصودًا.وربما كان مجرد حركة عفوية أثناء النوم.لكنها لم تستطع منع ذلك الشعور الذي تسلل إلى قلبها.شعرت أن آدم ما زال لا يتقبل وجودها.سحبت يدها ببطء، ثم استقامت وألقت عليه نظرة أخيرة قبل أن تتجه نحو الباب.خرجت من غرفة آدم وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم اتجهت إلى غرفتها.كانت خطواتها بطيئة، وملامحها حزينة على نحو لم تستطع إخفاءه.لم تكن غاضبة من آدم.على العكس…كان قلبها يؤلمها من أجله.كان صغيرًا جدًا على أن يفهم كل ما حدث، وصغيرًا جدًا على أن يتحمل فقدان والدته وكل تلك التغييرات ا
ساد الصمت بينهما للحظات. كان التوتر يزداد داخل الغرفة، وكل واحد منهما يرفض أن يتراجع خطوة. ثم كسر تامر الصمت، وقال بصرامة: — مهما كان ما تريده، أنهِ علاقتك بهذه الفتاة. تغير وجه تيم فورًا. ثبت نظره على أخيه، وقال بحدة: — هذه ليست لك أن تقررها. تقدم تامر خطوة أخرى، ولم يخفِ غضبه هذه المرة. — بل سأقرر ما دمت أرى أنك تعرض اسم عائلتنا للخطر. لم يرد تيم. اقترب تامر منه أكثر، ثم قال بلهجة قاطعة: — أنهِ علاقتك بهذه الفتاة. ظل تيم ينظر إليه دون إجابة. لكن الصمت الذي أعقب كلمات تامر لم يكن صمت شخصٍ يفكر في التراجع… بل كان صمت رجلٍ يخفي شيئًا. شيئًا لم يكن تامر يعرف عنه شيئًا. ولأول مرة، شعر تامر أن الفتاة التي رآها إلى جوار أخيه لم تكن مجرد عاملة نظافة… وأن علاقتها بتيم قد تكون أعمق بكثير مما تخيل.___عاد تامر إلى واقعه على صوت ارتطامٍ قوي جاء من داخل الكوخ.فتح عينيه سريعًا، واعتدل في جلسته، ثم التفت نحو الباب.بدا الصوت وكأنه صادر من الداخل.نهض من مكانه واتجه إلى الكوخ بخطوات سريعة، وما إن دخل حتى وجد ربى واقفة في منتصف الغرفة، بينما كانت قطع الزجاج متناثرة حول قدميها.نظر
توقف تامر أمامه مباشرة، وأجابه دون تردد:— لأن الأمر يتعلق بسمعة عائلتنا.ضحك تيم بسخرية خفيفة، وهز رأسه كأنه يرى في كلام أخيه مبالغة لا داعي لها.— وما علاقة سمعة عائلتنا بهذا الموضوع؟اشتدت ملامح تامر، وقال بنبرة أكثر حدة:— أنت تعرف جيدًا أن ارتباطك بعاملة نظافة أمر غير مقبول.ظل تيم صامتًا لحظة، ثم سأله بنبرة متحدية:— غير مقبول بالنسبة إلى من؟لم يتراجع تامر عن موقفه، بل أجابه بثبات:— بالنسبة إلى الجميع.ثم سكت للحظات، قبل أن يضيف وهو يراقب رد فعل أخيه:— أنت تعرف جيدًا أن أبي ينوي تزويجك.ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتي تيم.هز رأسه ببطء، ثم قال:— وأنا رفضت هذا الزواج.تنهد تامر بضيق، وكأنه كان يتوقع هذا الرد.— الرفض ليس دائمًا خيارًا.اختفت الابتسامة من وجه تيم، ونظر إليه بحدة.— ماذا تقصد؟ثبت تامر نظره عليه، ثم قال:— أقصد أنه ليس قرارك وحدك.توقف للحظة، ثم أردف بنبرة أكثر جدية:— هذه صفقات، ومصالح للشركة، وتحالفات تخدم العائلة. أنت تعرف طبيعة أبي جيدًا.ضحك تيم مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت ضحكته أكثر سخرية.ثم قال وهو ينظر إلى أخيه مباشرة:— إذن تزوجها أنت.توقف تامر عن الكلا
كان البحر أمامه ممتدًا بلا نهاية.جلس تامر على المقعد القريب من الشاطئ، وعيناه معلقتان بالأمواج المتحركة، بينما كانت الرياح تعبث بشعره وملابسه.لكن رغم هدوء المكان، لم يكن شيء بداخله هادئًا.منذ أن جلس، وذاكرته تعيده إلى سنوات مضت…إلى يومٍ لم يكن يعلم أنه سيظل عالقًا في ذهنه كل هذه السنوات.أغمض عينيه، فغاص في تلك الذكرى من جديد، وكأن الزمن عاد به إلى ذلك اليوم بكل تفاصيله.كان يقود سيارته في طريقه إلى المنزل، حتى توقفت السيارات عند إحدى إشارات المرور.وبينما كان ينتظر الضوء الأخضر، ألقى نظرة عابرة على السيارة المتوقفة إلى جواره.ثم وقعت عيناه على تيم.كان يجلس خلف المقود، وإلى جواره فتاة.توقف نظر تامر عليها لثوانٍ، وشعر بشيء من الاستغراب يتسلل إلى ملامحه.كانت ملامحها مألوفة على نحوٍ أثار فضوله.أين رآها من قبل؟ظل يحدق بها محاولًا أن يستعيد من ذاكرته المكان الذي جمعهما من قبل.الشعر…الوجه…ثم اتسعت عيناه قليلًا عندما تذكر.إنها تعمل في الشركة.عاملة النظافة.تغيرت ملامحه فورًا، وانقبض فكه وهو يعيد النظر إلى أخيه.لم يفهم سبب الانزعاج الذي اجتاحه، لكنه شعر بغضب واضح تجاه تيم.لماذ







