تسجيل الدخوللستُ المرأة التي أحببتها يومًا... ولستُ المرأة التي التفتَّ إليها ولو لمرة واحدة. ثلاث سنواتٍ كاملة قضيتها زوجةً لرجلٍ لم يمنحني سوى التجاهل، بينما كان يغدق اهتمامه وحنانه على امرأةٍ أخرى وابنها أمام الجميع، غير عابئٍ بالشائعات التي جعلتني مجرد ظل في حياته. صبرت... وتحملت... وأقنعت نفسي أن الصبر قد يصنع معجزة. لكن عندما أدركت أنني أنتظر قلبًا لن يكون لي أبدًا، اتخذت القرار الأصعب... الطلاق. لم يكن يعلم أن المرأة التي ظن أنها ستبقى إلى جواره مهما فعل، ستختار الرحيل بصمت. ولم يكن يعلم أيضًا أن خسارتها ستكون بداية انهياره، لا نهايته. فهل سيتمكن من استعادتها بعدما كسرها؟ أم أن الحب... حين يأتي متأخرًا، لا يكفي دائمًا لإصلاح ما أفسدته السنوات؟
عرض المزيدمنذ ثلاث سنوات، تعيش تالين زواجًا لا يحمل من الزواج سوى اسمه. لم يمسها زوجها يومًا، ولم يمنحها حقها كامرأة أو كشريكة حياة، بل أبقاها حبيسة الظل، خفيةً عن الجميع، وكأن وجودها إلى جواره سرٌّ لا ينبغي أن يعرفه أحد.
--- كان الهدوء يخيّم على مكتب المدير التنفيذي لشركة السيوفي للتطوير العقاري، لا يقطعه سوى صوت الأوراق وهي تُقلَّب بين الحين والآخر. جلست تالين أمام المكتب، تضم يديها فوق حجرها في هدوءٍ يحسدها عليه من يراها. لم تكن تهز قدمها توترًا، ولم تعبث بأصابعها انتظارًا، بل بقيت ساكنة تمامًا، كأنها اتخذت قرارها منذ زمن، وما هذه اللحظة إلا تنفيذ متأخر له. رفع المدير الملف من أمامه، ثم أعاد النظر إلى طلبها للمرة الأخيرة. تنهد قائلًا بأسف: - ما زلت لا أصدق أنك مصرة على الانتقال يا باشمهندسة تالين. الشركة ستخسر واحدة من أمهر المهندسين الموجودين فيها. ارتسمت على شفتي تالين ابتسامة صغيرة، لم تبلغ عينيها. - أشكرك على كلامك يا أستاذ عادل. هز رأسه وهو يلتقط قلمه. - فكرتِ مرة أخيرة؟ ما زال بإمكاني إلغاء الطلب، ومجلس الإدارة لن يرفض إن طلبتُ ذلك. ساد الصمت لثوانٍ. أنزلت تالين بصرها إلى الورقة الموضوعة أمامها، وكأنها ترى فيها السنوات الثلاثة الماضية كلها. ثلات سنوات... دخلت خلالها الشركة مهندسةً حديثة التخرج، تحمل عشرات الأحلام، وسرعان ما أثبتت موهبتها في التصميم، حتى أصبحت تُسند إليها أهم المشروعات المعمارية في الشركة. ومع مرور السنوات... لم تعد تلك الفتاة المليئة بالحماس. أصبحت أكثر هدوءًا... وأكثر صمتًا... حتى ظن الجميع أن تلك طبيعتها. لكن الحقيقة... أن الإنسان حين يتعب من الكلام، يتقن الصمت. رفعت رأسها أخيرًا وقالت بثبات: - نعم... هذا قراري. أومأ المدير ببطء، ثم وقّع على طلب الانتقال، وختمه بختم الشركة قبل أن يدفعه نحوها. - اعتبارًا من الأسبوع القادم ستكونين ضمن فريق الفرع الآخر للشركة، وستتولين الإشراف على مشروع الساحل الجديد. تناولت تالين الملف برفق. - شكرًا لك. تأملها للحظة طويلة، ثم قال بصوت أكثر لينًا: - هل للأمر علاقة بالأستاذ نوح؟ تجمدت أصابع تالين حول الملف. لم يكن المدير كثير التدخل في حياة موظفيه، لكن الجميع يعلم أن نوح السيوفي هو نائب رئيس مجلس الإدارة، كما يعلم البعض مما على علاقة وطيدة بهما أن تالين زوجته. ابتسمت ابتسامة مهذبة، ونفت الأمر بأسلوب لبق: - أحيانًا يحتاج الإنسان إلى تغيير المكان فقط. لم يكن جوابًا... ولا كذبًا... بل كان طريقة أنيقة للهروب من الحقيقة. ابتسم المدير ابتسامة خافتة، وكأنه فهم ما لم يُقل. - أتمنى أن تجدي راحتك هناك. وقفت تالين، ثم انحنت له باحترام. - بإذن الله. استدارت وغادرت المكتب بهدوء. وما إن أُغلق الباب خلفها، حتى أطلقت زفرة طويلة كانت تحبسها داخل صدرها. حدقت في الملف بين يديها، ورقة واحدة فقط... أنهت بها آخر سبب يدفعها للبقاء في هذا المكان. لم تخبر نوح، ولم تكن تنوي إخباره. فالرجل الذي لم يسأل يومًا عن مشروع تعمل عليه، ولا عن الساعات الطويلة التي تقضيها بين المخططات ومواقع التنفيذ، لن يهتم على الأرجح إن أصبحت تعمل في فرع آخر. سارت في الممر الطويل بخطوات متزنة، بينما كان المهندسون والموظفون يلقون عليها التحية بابتسامات اعتادتها كل صباح. بادلت الجميع التحية، كعادتها، لم تكن تريد أن يلاحظ أحد أن شيئًا تغير. كانت تؤمن أن الكرامة أحيانًا تكمن في أن يخفي الإنسان جراحه حتى النهاية. وبينما كانت على وشك تجاوز قسم التصميم المعماري... توقفت. كانت لارا تقف أمامها. تلك المرأة التي تحوم حوب زوجها منذ فترة، والمؤسف أنه لم يصدها، أو يمتنع عنها، بل تطورت علاقتهما مؤخرًت، وباتت ترى تودد حقيقي في تعامله معها، ذلك التودد الذي لم ترَ طيفه يومًا معها. قد ارتدت بدلة رسمية أنيقة بلونٍ عاجي، تعلوها سترة خفيفة تحمل شعار الشركة، بينما تدلت بطاقة التعريف الخاصة بها على صدرها، وقد كُتب أسفل اسمها: "مديرة إدارة التصميم الداخلي." الوظيفة الذي ألحقت بها عن طريق نوح في الشركة، وليست أي وظيفة، لقد اختار لها الأفضل. ابتسمت تالين ابتسامة مهذبة، عندما وقعت عينا لارا عليها، رغم أن قلبها لم يكن يملك أدنى رغبة في الحديث. - أهلًا يا باشمهندسة لارا. بادلتها لارا الابتسامة ذاتها، ابتسامة متقنة يصعب معها معرفة ما تخفيه. - منذ أيام وأنا أفكر في زيارتك، لكن ضغط العمل لم يترك لي فرصة. تعرفها على لارا لم يكن وليد اللحظة، أو لعلاقتها بزوجها، فقد كانت تدرس معها في نفس المدرسة الثانوية، وبعد ذلك التحقت كلتيهما بنفس الكلية، مع فارق الجامعة، لاختلاف الطبقات بين الاثنتين، أومأت تالين برأسها. وردت بإيجاز: - لا بأس. ألقت لارا نظرة سريعة إلى الملف الذي بين يديها. - يبدو أنك خارجة من مكتب الأستاذ عادل... هل كل شيء بخير؟ شدّت تالين أصابعها حول الملف قليلًا. - نعم... مجرد بعض الإجراءات الإدارية. وقبل أن تضيف شيئًا... سمعتا وقع خطوات هادئة يقترب، رفع الجميع أبصارهم في اللحظة نفسها. كان نوح. تقدّم بهيبته المعتادة، مرتديًا بدلته الداكنة التي اعتاد الظهور بها داخل الشركة، وخلفه اثنان من أعضاء مجلس الإدارة يتبادلان معه بعض الملاحظات حول المشروع الجديد. وما إن اقترب... حتى اكتفى بإلقاء نظرة عابرة على تالين. نظرة قصيرة... لم تحمل دهشة... ولا سؤالًا... ولا حتى مجاملة. ثم صرف بصره عنها، والتفت مباشرة إلى لارا. - اجتماع اعتماد مخططات مشروع "ذا كراون" سيبدأ بعد عشر دقائق. ابتسمت لارا بإشراق. - انتهيت تقريبًا، وسألحق بكم. هز رأسه بهدوء. - جيد. كانت لحظة قصيرة... لكنها كانت كافية لتذكّر تالين بحقيقة مؤلمة. ثلاث سنوات من الزواج... ولم يحدث يومًا أن وقف معها في مقر الشركة يسألها عن عملها، أو يناقش معها تصميمًا، أو حتى يبادلها حديثًا عابرًا أمام الموظفين. أما مع لارا... فكان الجميع يرى اهتمامه بها بوضوح، منذ وطأت بقدمها الشركة. شعرت لارا بنظرات العاملين تتجه نحوهم، فتقدمت خطوة، ولم تكد تالين تتحرك مبتعدة حتى جاءها صوتها من الخلف. - تالين... انتظري لحظة. توقفت على مضض، استدارت إليها، اقتربت لارا وهي تبتسم. - الحقيقة... كنت أبحث عنك منذ أيام. انعقد حاجبا تالين باستغراب. - عني؟ - نعم. صمتت لحظة، ثم تابعت بنبرة بدت عفوية أكثر مما ينبغي. - الجميع هنا يتحدث عن موهبتك في التصميم، ويقول إن أغلب المشروعات الناجحة في الشركة خرجت من تحت يديك، لذلك سأحتاج إلى الاستفادة من خبرتك كثيرًا. ابتسمت تالين مجاملة. - يسعدني ذلك. ألقت لارا نظرة خاطفة نحو نوح، الذي كان يراجع بعض المخططات مع أحد المهندسين، ثم قالت وكأنها تتذكر أمرًا عابرًا. - في الحقيقة... كنت محظوظة جدًا عندما أصر الأستاذ نوح على ضمي للشركة. توقفت لحظة، ثم أكملت بابتسامة صغيرة. - بل وأصر أن أتولى إدارة التصميم الداخلي منذ أول يوم. ضحكت بخفة. - لا أنكر أنني كنت متوترة، لكنه كان يردد دائمًا أنني أستحق الفرصة. سكتت لحظة أخرى، قبل أن تضيف بصوتٍ امتلأ بالامتنان. - يهتم كثيرًا بتقدمي المهني... وأحيانًا أشعر أنه يقلق على مستقبلي أكثر مما أقلق أنا عليه. لم تجبها تالين. فالجميع خلال الفترة القصيرة الماضية، يعلم أن نوح لم يكتفِ بتعيين لارا. بل كان يشرف بنفسه على أغلب المشروعات التي تعمل عليها. وكان أول من يراجع تصاميمها. وأول من يرشحها للمؤتمرات والمعارض الهندسية. وأول من يحتفل بكل نجاح تحققه. أما هي... زوجته... فلم يسبق أن سألها عن تصميمٍ رسمته. ولا عن مشروعٍ سهرت الليالي لإنجازه. ولا حتى حضر مرة واحدة حفل تكريم حصلت فيه على جائزة أفضل تصميم معماري. حتى عملها داخل الشركة... كان سابقًا لوجوده في مجلس الإدارة بفترة كبيرة. وقبل أن يطول الصمت... دوّى صوت طفولي في بهو الشركة. - بابا نوح!في اللحظة التي تحركت فيها...لم تكن تالين تفكر.لم تسأل نفسها لماذا.ولم تتذكر أنها، قبل دقائق فقط، كانت تتعمد ألا تنظر إليه.كل ما رأته...كان الدم.شقٌ طويل امتد فوق ظاهر كفه.وقطرات حمراء بدأت تتساقط على الأرض الرخامية.دفعت بين الواقفين دون أن تشعر.حتى وصلت إليه.وقالت بلهفة خرجت منها دون إرادة:— نوح!رفع رأسه.وما إن رآها أمامه...حتى نسي الألم.ظل ينظر إليها في صمت.وكأنه لم يسمع صوت الضيوف من حوله.ولم يرَ أحدًا سواها.اقتربت منه أكثر.وأمسكت يده المصابة بحذر.انعقد حاجباها فور أن رأت الجرح عن قرب.وقالت بانفعال واضح:— كيف جرحت نفسك هكذا؟لم يجب.كان ينظر فقط...إلى يدها الصغيرة...وهي تحتضن كفه بكل هذا القلق.اقترب أحد العاملين بسرعة.وقال:— سأحضر حقيبة الإسعافات.لكن تالين لم تنتظر.التفتت إلى إحدى العاملات.— من فضلك...أحضري شاشًا ومطهرًا بسرعة.أومأت الفتاة مسرعة وغادرت.أما نوح...فلم يحاول سحب يده.ولم يقل إنه بخير.على العكس...تركها تفعل ما تشاء.في حين كانت لارا تقف على بعد خطوات.تراقب المشهد.وشيئًا فشيئًا...اختفت ابتسامتها.---وصلت حقيبة الإسعافات.أخذتها تال
استمر التصفيق يملأ القاعة...بينما انتهت الرقصة على وقع آخر نغمة موسيقية.أنزل أدهم تالين برفق.ولم يرفع يده عنها مباشرة.بل انتظر حتى استعادت توازنها تمامًا.ثم ابتعد خطوة إلى الخلف.وقال بابتسامة هادئة:— أخبرتك...لن أدعك تسقطين.نظرت إليه تالين.ولأول مرة منذ أيام...خرجت منها ابتسامة صغيرة دون مقاومة.— يبدو أنك كنت محقًا.لم يزد أدهم شيئًا.لكنه شعر أن الجدار الذي بنته بينهما...بدأ يتصدع.وفي الجهة الأخرى...كان نوح قد تابع المشهد كله.منذ أن أمسك أدهم بيدها.حتى اللحظة التي أنزلها فيها من بين ذراعيه.لم يصفق.ولم يتحدث.فقط...وقف يراقب.أما لارا...فلاحظت نظراته.فنظرت إلى ساحة الرقص.ثم قالت محاولة أن تبدو طبيعية:— يبدو أن الجميع أعجبتهم الرقصة.لم يجبها.بل ظل ينظر إلى تالين.في تلك اللحظة...رفعت تالين رأسها مصادفة.والتقت عيناها بعينيه.هذه المرة...لم تهرب مباشرة.استمرت النظرة لثوانٍ.رأت في عينيه شيئًا لم تستطع تفسيره.غضبًا...أم ضيقًا...أم شيئًا آخر؟لكنها...كانت قد اتخذت قرارها.خفضت بصرها أولًا.ثم التفتت إلى أدهم.وقالت بهدوء:— أشكرك.ابتسم أدهم.— على ماذا؟—
انتبه على صوتها.ثم أكمل سيره وكأن شيئًا لم يحدث.لكن شيئًا ما...كان قد تحرك بداخله.صعد الدرجات القليلة المؤدية إلى المنصة.ابتسم سيف فور أن رآه.ومد يده إليه.— سعيد لأنك حضرت.صافحه نوح بقوة.ثم قال:— مبارك.تدخلت ريم بابتسامتها المعتادة.— شكرًا لحضوركما.ابتسمت لارا.وقدمت لها باقة الزهور التي كانت تحملها.— أتمنى لكما حياة سعيدة.— شكرًا.وبينما كانت ريم تتحدث مع لارا...كان نوح يقف في مكانه.يفصل بينه وبين تالين أقل من مترين.لكنه شعر...أن المسافة بينهما أصبحت أبعد من أي وقت مضى.لم تنظر إليه.ولم تحاول حتى مجاملته بتحية عابرة.كانت تتحدث مع إحدى قريبات ريم، وكأن وجوده في المكان لا يعنيها.لأول مرة...لم يكن التجاهل مجرد صمت.بل كان موقفًا.شعر به بوضوح.وفي تلك اللحظة...اقترب أحد المنظمين من المنصة.وقال مبتسمًا:— نعتذر من الجميع...لكننا سنبدأ فقرة الرقصة الافتتاحية بعد دقائق.ونرجو من وصيفة العروس والإشبين الاستعداد.التفتت الأنظار تلقائيًا.نظر أدهم إلى المنظم.ثم إلى تالين.واكتفى بابتسامة هادئة.أما نوح...فاتجه بصره إليها مرة أخرى.ورآها تومئ برأسها موافقة.ثم اقترب
واصلت تالين نزول الدرج...كانت تمسك بطرف فستانها برقة، حتى لا يعيق خطواتها.وبين الحين والآخر...كانت تلتفت نحو ريم، تطمئن أنها بخير.أما ريم...فلم تكن ترى أحدًا من الحضور.كانت كل نظراتها معلقة بسيف.تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه...كانت كافية لتبدد كل توترها.ابتسمت له من بعيد.فبادلها الابتسامة نفسها.أما تالين...فما إن وصلت إلى آخر الدرجات...حتى رفعت رأسها.ودارت بعينيها داخل القاعة بعفوية.لتقع نظراتها أولًا...على أدهم.كان يقف إلى جوار سيف.ينظر إليها مباشرة.لم يبتسم.ولم يحاول أن يخفي نظراته.بل ظل واقفًا مكانه...وكأنه نسي كل من حوله.توقفت للحظة قصيرة.ثم تذكرت نفس الجملة التي عكرت صفوها طوال الأيام الماضية..."كارت رابح..."هبطت بعينيها عنه فورًا.وأدارت وجهها في الاتجاه الآخر.وكأنها لم تره أصلًا.لاحظ أدهم ذلك.وشعر بانقباض خفيف في صدره.هذه المرة...لم يكن الأمر صدفة.هي...تتعمد تجاهله.وفي الجهة المقابلة...كان نوح يراقب المشهد كله.رأى نظرة أدهم.ورأى تالين وهي تخفض عينيها وتشيح بوجهها.انعقد حاجباه دون أن يشعر.ولم يفهم...لماذا شعر بالارتياح للحظة.لكن ذلك






المراجعاتأكثر