تسجيل الدخول«لم تقل قريب. قالت: أحدهم.» بهذه الجملة عرفت ليلى أن الرجل الجالس أمامها يفهم كل كلمة تقولها بالعربية. وأنه سمع، طوال ساعة كاملة، كل تردّد، وكل صمت، وكل مرة توقّفت فيها ثانيتين قبل أن تنطق تاريخاً. ليلى، تسعة وعشرون عاماً، وصلت إلى بروكسل بملفّ لجوء صادق في جوهره… وكاذب في تفصيلة واحدة. تفصيلة إن انكشفت، لن تُرحَّل هي وحدها — بل سيُقتل أخوها. ومهنّد الرفاعي هو الموظف الذي يقرّر إن كانت تبقى أو تُرحَّل. يفهم لغتها. يعرف أنها تكذب. ولم يكتبها. بينهما طاولة، ومسجّل بضوء أحمر لا ينطفئ، ومترجم لا يغادر الغرفة. لا لمسة. لا مكالمة. ولا لقاء واحد خارج غرفة رسمية. وأربع سنوات وسبعة أشهر من الانتظار. كلّما حماها، اقترب من فقدان كل شيء بناه. وكلّما اقتربت منه، اقترب ملفّها من الرفض. لكنها لم تعرف يوماً الإجابة عن السؤال الوحيد المهمّ: هل يحميها لأنه يهتمّ… أم لأنه يريد المحضر دقيقاً بما يكفي ليُمسك بها به لاحقاً؟ «سيّدة الحمصي.» نطق اسمها صحيحاً. الاسم الذي كُتب خطأ في كل ورقة تحملها منذ ثمانية أشهر. «التواريخ في ملفّك… هل تعرفين ما الذي يحدث إذا لم تتطابق؟»
عرض المزيدالرجل الذي سيقرّر إن كانت ستبقى في هذا البلد أو تُرحَّل منه كان يفهم كل كلمة تقولها.
اكتشفت ذلك في الدقيقة الأربعين. من كلمة واحدة. كانت الغرفة أصغر ممّا تخيّلت. طاولة، وثلاثة مقاعد، ونافذة عالية لا تُفتح، وجهاز تسجيل في المنتصف بضوء أحمر ثابت لم يطرف مرة واحدة طوال ساعة. على الجدار ملصق بأربع لغات عن حقوقها. قرأته مرتين وهي تنتظر في الممرّ، ولم تجد فيه سطراً واحداً يفيد. جلس أمامها. على البطاقة المعلّقة في صدره: M. RIFAI. أربعة وثلاثون عاماً تقريباً، قميص رمادي مكويّ بعناية رجل يعيش وحده، وأمامه ملفّ مفتوح فيه أوراق أكثر ممّا ظنّت أن حياتها تُنتج. إلى يمينها، على المقعد الثالث، جلس المترجم. مصري في نهاية الخمسينات، قدّم نفسه باسم فؤاد، ومسح نظارته بطرف قميصه وقال لها بنبرة أب: «ارتاحي يا بنتي. خدي وقتك.» ثم بدأ الرجل الذي أمامها بالكلام، ولم يقل «ارتاحي». قال بالفرنسية، بصوت مستوٍ: هذه مقابلة لتحديد وضع الحماية. كل ما يُقال يُسجَّل. لديها الحق في التوقّف. التناقض في الأقوال قد يؤثّر على تقييم المصداقية. ترجم فؤاد الجملة الأخيرة هكذا: «يعني قولي الصدق وخلاص.» لم تكن هذه الجملة. كانت ليلى تعرف أنها ليست هذه الجملة، لأنها فهمت الفرنسية بما يكفي لتعرف أن كلمة crédibilité قيلت، وأن كلمة «خلاص» لم تُقَل. لكنها لم تقل شيئاً. من يعترض على المترجم في الدقيقة الثانية؟ مرّت الأسئلة الأولى سهلة. الاسم، تاريخ الميلاد، الطريق. ذكرت اليونان وصربيا والقطار الذي أوصلها. كتب. لم يرفع رأسه كثيراً. كان يكتب بخطّ صغير مائل، وكانت هي تنظر إلى يده لأن النظر إلى وجهه كان أصعب. في الدقيقة العشرين وصلوا إلى عملها. «مركز توثيق. غير حكومي.» «توثيق ماذا؟» «انتهاكات.» توقّفت يده. ثم كتب. «من بقي في البلد من عائلتك؟» «أمي وأخي.» «أعمارهم.» «أمي ستون عاما. أخي أربعة وعشرون عاما.» «اسم أخيك.» وهنا حدث الشيء الذي تدرّبت عليه ولم ينفع التدريب فيه. لأن الاسم خرج منها عادياً تماماً، بصوت عادي، في جملة إدارية، كأنه اسم أي أحد. «بشّار.» كتب. أربعة أحرف. ذهبت من فمها إلى ورقة في ملفّ في مبنى حكومي في بلد لا يعرفه، وصارت هناك، ولم يعد بإمكانها أن تأخذها. «هل هو مهدَّد؟» «لا»، قالت، بسرعة أكبر ممّا ينبغي. «لا. هو بعيد عن كل هذا.» نظر إليها نصف نظرة. ثم كتب شيئاً أقصر من جملة. في الدقيقة الثلاثين وصلوا إلى الليلة. «صفي لي كيف غادرت المنزل.» وهنا بدأ قلبها يعمل بطريقة أخرى. ليس أسرع — أثقل. كأن شيئاً في صدرها صار له وزن. كانت قد جهّزت هذا. جهّزته حتى صار له طعم في فمها. قالت التاريخ، وقالت الساعة، وقالت إنها خرجت من الباب الخلفي. «وحدك؟» «لا.» «من كان معك؟» سكتت ثانية واحدة. ثم قالت، وقد خرجت الجملة منها بلهجتها هي لا بالفصحى التي كانت تحاول التمسّك بها طوال الساعة: «حدا فتحلي الباب وضلّ واقف لحتى مشيت.» التفت فؤاد إليها بابتسامة صغيرة، كمن يقول: لا بأس، سأرتّبها لك. ثم قال بالفرنسية: «قامت بمغادرة المنزل بمساعدة أحد أقاربها، الذي انتظر حتى ابتعدت.» قريب. لم تقل قريب. قالت «حدا». قالت أحدهم. كلمة بلا وجه وبلا اسم وبلا صلة قرابة، اختارتها بعناية قبل ثلاثة أشهر في غرفة فيها أربع عشرة امرأة، لأن «أحدهم» لا يمكن أن يُبحث عنه. وهذا الرجل كان يكتب. فتحت فمها. لم يخرج شيء. لأن الاعتراض يعني أن تشرح لماذا يهمّها الفرق، والشرح يعني أن تدلّ بإصبعها على الفرق نفسه، والفرق هو كل شيء. ثم رفع M. RIFAI رأسه لأول مرة منذ عشرين دقيقة. ونظر إلى فؤاد لا إليها، وقال بالعربية: «لم تقل قريب، أستاذ فؤاد. قالت: أحدهم.» عربيته لم تكن كعربيتها. كانت أبطأ، وأنظف ممّا يجب، وفيها شيء من لكنة رجل تعلّم لغته على مائدة عشاء في شقة في بروكسل ولم يتعلّمها في شارع. لكنها كانت عربية. عربية كاملة. عربية سمعت جملتها بلهجتها وفهمتها ولم تحتج أحداً. «آه، طبعاً»، قال فؤاد وهو يعدّل نظارته. «قصدت أحدهم. أحدهم.» عدّل الرجل شيئاً في الملف. سطر واحد. حرف مكان حرف. وفي تلك الثانية لم تعرف ليلى إن كان ما حدث للتوّ إنقاذاً أم فخّاً. لأن رجلاً يصحّح كلمة في مصلحتها هو إمّا رجل يحميها، وإمّا رجل يريد المحضر دقيقاً تماماً — دقيقاً بما يكفي ليُمسك بها به لاحقاً. الأول يفعلها لأنه يهتمّ، والثاني يفعلها لأنه محترف، وكلاهما يكتب السطر نفسه بالحبر نفسه. وهي لا تملك وسيلة واحدة للتفريق. تذكّرت ما قالته لها امرأة في المركز، بلا مقدّمات، وهي تطوي بطانية: «أخطر واحد فيهن مو اللي بيصرّخ بوجّك. أخطر واحد اللي بيساعدك.» ثم عاد إلى الفرنسية وكأن شيئاً لم يحدث. «نكمل.» لكن ليلى لم تكمل. كانت جالسة في مكانها لا تتحرّك، وقد بردت يداها فجأة كما تبرد اليدان في الخريف، وكان عقلها يعود إلى الوراء بسرعة لا تستطيع إيقافها. الساعة الماضية كلها. كل جملة قالتها بالعربية ظنّت أنها تمرّ عبر فؤاد أولاً، وتُغربَل، وتصل إليه مرتّبة ونظيفة ومفهومة. كل تردّد. كل مرة قالت كلمة ثم أخذتها. كل مرة توقّفت ثانيتين قبل أن تنطق تاريخاً. هو سمع ذلك كله. سمعه أصلاً، بلا وسيط، مباشرة، بأذنه. وليس هذا فقط. سمع اللهجة. عرف من طريقة نطقها لكلمة «حدا» من أي مدينة هي، قبل أن تقولها الاستمارة. وسمع — وهذا الأسوأ — أن صوتها لم يتغيّر حين تكلّمت عن أمّها، وتغيّر حين تكلّمت عن أخيها. المترجمون لا ينقلون هذا. لا يوجد في أي استمارة في العالم حقلٌ اسمه: الصوت. ونظرت إليه. وكان ينظر إليها. لم يكن في وجهه شيء يمكن أن تسمّيه. لا تعاطف ولا اتهام. رجل ينظر إلى امرأة عرف للتوّ أنها عرفت. استمرّت النظرة ثانيتين. الثانيتان نفسهما اللتان تكلّفانها كل شيء في هذه الحياة الجديدة. ثم أغلق الملفّ. نظر إلى ساعته، وقال لفؤاد إن الوقت انتهى وإن الجلسة تُستكمل في موعد لاحق يصلها بالبريد. وقف فؤاد ورتّب أوراقه وقال لها «بالتوفيق يا بنتي» وذهب إلى الباب. وقفت ليلى. أخذت حقيبتها. وقبل أن تصل إلى الباب، قال الرجل الذي أمامها، بالعربية، بصوت منخفض لم يكن في المحضر ولم يسمعه فؤاد لأن فؤاد كان في الممرّ: «سيّدة الحمصي.» نطق اسمها صحيحاً. الحرف الذي بين المقطعين. الحرف الذي كُتب خطأ في كل ورقة تحمله منذ ثمانية أشهر، والذي لم يصحّحه أحد لأنها لم تطلب من أحد. التفتت. «التواريخ في ملفّك»، قال، وهو ينظر إلى الملف المغلق لا إليها، «هل تعرفين ما الذي يحدث إذا لم تتطابق؟»غرفة ٠١٢ لم يكن فيها نافذة.هذا أول ما لاحظته ليلى. الغرفتان السابقتان كان فيهما نافذة — واحدة عالية لا تُفتح، وواحدة تطلّ على سطح فيه نورس. هذه لا شيء. أربعة جدران، وضوء أبيض من السقف، ومروحة تهوية تصدر صوتاً منخفضاً لا يتوقّف.والثاني: الطاولة كانت أكبر. وحولها خمسة مقاعد.خمسة.دخلت في الحادية عشرة إلا خمس دقائق ومعها مايكه. كان هناك ثلاثة أشخاص في انتظارهما.في رأس الطاولة رجل في الخمسينات لم ترَه من قبل. أصلع، نظّارة رفيعة، وأمامه حاسوب محمول لا ملفّ ورقي. قدّم نفسه بالفرنسية: دي بروين. وحدة تقييم المصداقية.إلى يساره امرأة في الأربعين قدّمت نفسها بالعربية: «نسرين. مترجمة محلّفة.»عراقية. من بغداد، من طريقة نطقها للقاف.وعلى الطرف الآخر من الطاولة، في المقعد الأبعد، جالساً إلى الجانب لا في المواجهة، بلا أوراق أمامه إلا دفتر صغير وقلم:مهنّد الرفاعي.لم يقف حين دخلت. لم ينظر إليها أكثر من ثانية.وفهمت ليلى، من ترتيب المقاعد وحده، أن شيئاً قد تغيّر: أن الرجل الذي كان يقود الغرفة صار الآن جالساً على الحافة، وأن أحداً وضعه هناك.«السيد الرفاعي هو الموظف المكلّف بالملف»، قال دي بروين،
الرسالة التي وصلت في الأسبوع الخامس لم يكن يُفترض أن توجد.بعد التوقيع لا يبقى أمامك إلا شيء واحد: القرار. يأتي بعد أشهر، في ظرف، وفيه كلمة واحدة تهمّ.لكن هذه الرسالة لم تكن قراراً.استدعاء لمقابلة تكميلية.الثلاثاء، الساعة الحادية عشرة. الطابق الأرضي، غرفة ٠١٢. مترجم مؤكَّد. مدّة متوقّعة: ثلاث ساعات.ثلاث ساعات.نزلت هودان الدرج ووجدتها واقفة في منتصف البهو، والورقة في يدها، والناس يمرّون حولها.أخذت هودان الورقة وقرأتها. ثم قرأتها مرة ثانية.«ليلى.»«شنو يعني تكميلية؟»«اقعدي.»«هودان.»«اقعدي بالله عليك.»جلستا على المقعد قرب باب المطبخ.«التكميلية»، قالت هودان، ببطء، وبعناية شخص يعرف أن كل كلمة الآن سيُعاد سماعها ألف مرة الليلة، «كتجي منين الملف يمشي للتحليل، والمحلّل يلقى حاجة.»«شنو حاجة؟»«حاجة ما كتجيش مع حاجة أخرى.»سكتت ليلى.«ماشي دائماً خايب»، قالت هودان بسرعة. «مرّات كتكون وثيقة ناقصة. مرّات اسم. مرّات…»«هودان.»«…»«كم واحدة عرفتي جاتها تكميلية؟»توقّفت هودان. ثم قالت: «ثلاثة.»«وشنو وقع لهم؟»نظرت هودان إلى الأرض.«واحدة خرجات بالقبول»، قالت. «هادي الحقيقة، ليلى. واحد
بعد التوقيع، لا يحدث شيء.هذا ما لا يقوله أحد لك. تظنّ أن التوقيع نهاية شيء، فتكتشف أنه بداية نوع آخر من الوقت — وقت لا فيه مواعيد ولا رسائل ولا أرقام، وقت يمرّ عليك دون أن يمرّ.مرّت أربعة أسابيع.في الأسبوع الأول كانت ليلى تنزل إلى البهو في الحادية عشرة كل يوم وتقف في نصف الدائرة حول طاولة البريد. في الثاني صارت تنزل ولا تقف قريباً. في الثالث صارت تسمع فيليب من الطابق الثاني وتعرف من نبرته أن اسمها ليس في الحزمة. في الرابع لم تعد تنزل.درس اللغة أربع مرات في الأسبوع، في قاعة فيها ثمانية عشر شخصاً من تسع دول، وأستاذة بلجيكية اسمها آن تعامل الجميع كأطفال في السابعة وتقصد بذلك اللطف.Je m'appelle. J'habite. Je suis.قالت ليلى je suis مئتي مرة في أربعة أسابيع ولم تعرف مرة واحدة كيف تكمل الجملة.في اليوم الحادي عشر طلبت منهم آن أن يكتبوا فقرة: صف يوماً عادياً في حياتك.كتبت ليلى ستة أسطر عن يوم في المركز: أستيقظ، أنتظر الحمّام، آكل، آخذ القطار، أعود.وقرأتها آن ووضعت نجمة صغيرة في الأعلى وكتبت: Très bien! Mais utilisez plus d'adjectifs.استعملي صفات أكثر.هودان تلقّت رسالة في الأسبوع الث
كان مهنّد الرفاعي يعرف بالضبط في أي لحظة اتخذ القرار الذي سيكلّفه كل شيء.لم تكن اللحظة التي صحّح فيها الكلمة. كانت قبلها بأربعين دقيقة، وهو ما يزال في الممرّ، يقرأ الملف واقفاً لأن المصعد كان معطّلاً وصعد ثلاثة طوابق ولم يجد وقتاً للجلوس.الصفحة الرابعة. نسخة ممسوحة من بطاقة هوية، بالعربية، بخطّ سجل مدني من مدينة لم يزرها في حياته.ليلى الحمصي.وفي الاستمارة الفرنسية، أسفل الصفحة الخامسة، اسم آخر بحرف مختلف.وقف في الممرّ ثلاث ثوانٍ ينظر إلى الحرفين.ثم فعل الشيء الذي لا يفعله موظف حماية أبداً: شعر بشيء تجاه ملفّ قبل أن يقابل صاحبه.في التدريب يقولون لك هذا في الأسبوع الأول. الملف ليس شخصاً. الملف مجموعة وقائع تُقيَّم وفق معايير. إن بدأتَ ترى فيه أُمّك أو أباك أو نفسك، فأنت لم تعد تقيّم — أنت تصدّق. والتصديق ليس وظيفتك.كان يعيد هذه الجملة على المتدرّبين الجدد بنفسه. مرتين في السنة. بنفس النبرة.والآن كان واقفاً في ممرّ يحمل ملفاً مفتوحاً، ويفكّر في رجل مات في حمص سنة ٢٠٢١ كان يصحّح حرفاً في اسم ابنته بصبر.مكتبه في الطابق الرابع، غرفة فيها أربعة مكاتب وثلاث نوافذ وآلة قهوة أُصلحت مر











