INICIAR SESIÓNطبقتُ جفنيّ بقوة، كأنني أحاول اقتلاع تلك المشاهد من مخيلتي، لكن العتمة خلف عينيّ لم تكن سوى شاشة أخرى تعرض نفس الصور ونفس التفاصيل بوضوح مرعب. كان ملمس أصابع «كارما» الناعمة والباردة على صدغي ينساب كقطرات ثلج تذوب فوق جلد مشتعل. لم تكن لمسة مواساة، بل كانت طقساً حاسماً لإتمام السيطرة؛ لمسة صياد يربد على رأس طريدته بعد أن تأكد من إنهاكها الكامل واستسلامها للشبكة. صوت أنفاسها المترددة برائحة المسك الفاخر والتبغ المعتق كان يملأ المساحة الضيقة بين وجهينا. كانت تقف قريبة جداً، بحيث أستطيع الشعور بالدفء الانبعاثي الصادر من جسدها المنساب تحت ثوبها الأسود الرسمي. ـ «افتح عينيك يا إياد...» قالتها بصوت منخفض، ناعم كفحيح أفعى متمرسة، يتردد إيقاعه بتمهل يستنزف ما تبقى من مقاومتي النفسية: «... لا تهرب إلى الظلام الداخلي. أنظر إلى ما صنعتَه بيدك.» فتحتُ جفنيّ المجهدتين ببطء شديد. كانت البقعة الحمراء الداكنة تخيم على الغرفة، والقصاصات الورقية الممزقة لملفي وشاشات المراقبة المهشمة تتناثر حول قدميّ كأشلاء جسد تم تشريحه بلا رحمة. وفي زاوية المكتب، كانت الشاشة المتبقية تواصل بثها الأزرق الخافت،
سمّر المشرط الطبي بيننا، حافته الحادة تعكس البقعة الحمراء الداكنة كالدم المشتعل.كانت كلماتها تتردد في أركان الغرفة بصداها المريع: «إما أن تأخذ هذا المشرط وتنهي هذه المراقبة بيديك... أو تجلس على ذلك الكرسي في الظل، وتصبح المخرج المساعد للضحية القادمة!»تطلعتُ إلى عيني «كارما». لم يكن فيهما ذرة واحدة من التردد أو الشفقة. كانت تنظر إليّ ببرود ملكي، وكأنها حسمت مصيري منذ اللحظة الأولى التي اضطربت فيها أنفاسي فوق الكرسي الخشبي في الحمام.كانت يدي ترتجف بقوة. اقتربت أطراف أصابعي الشاحبة من المقبض المعدني البارد للمشرط.هذا المشرط الذي تعلمتُ أن أستخدمه لبتر الأنسجة الميتة وإنقاذ أجساد المرضى في الطوارئ... أصبح الآن الأداة الوحيدة المطروحة لإعادة تشكيل حياتي المحطمة.ـ «خذ المشرط يا إياد...» همست ببطء شديد، وهي تميل برأسها ليتدلى شعرها النبيذي الثقيل على كتفها الأسود: «... واقطع الحبل الأخير الذي يربطك بماضيك. اقطع صورك، اقطع أوراقك، واقطع كل خط يصلك بـ "سارّة" وبالعالم الخارجي... لتستقر معنا في هذا القاع بشكل أبدي.»امتدت أصابعي وأطبقت على المقبض الصليبي للمشرط.كان ملمس المعدن بارداً، ناع
سقطتُ على أرضية الحمام المبتلة، وصوت ارتطام جسمي بالأرض يتجاوب في أركان الغرفة الضيقة.كان صدى المشهد المريع يتردد خلف جفنيّ المغلقين كالصعقة: الشاشات الثلاث، الضوء الأزرق الباهت المنبعث من العدسات الخفية، ووجه سارّة الصافي المعروض على شاشة المراقبة في شقة كارما، جنباً إلى جنب مع صورتي وأنا أقف مشلولاً أمام حوض التعقيم.كان العرق البارد ينسكب على وجهي ومزيج الشمع الأسود المحفوف يلتصق ببشرتي الشاحبة.أنا لم أكن متلصصاً إذن... ولم أكن زبوناً اختيارياً صعد السلالم بملء إرادته. لقد كنتُ مادة خاماً لبرنامج مراقبة مريض، طريدة تُدرس تحركاتها وتفاعلاتها النفسية لحظة بلحظة، ليتم تشكيل الفخ بالدقة التي تضمن عدم نواتي منه!رفعتُ جسدي ببطء، وجررتُ قدميّ الخاويتين خارج الحمام.الصالة كانت مظلمة بالكامل. كانت الشقة تشبه جثة بعد رحيل «فارس». اتجهتُ نحو النافذة المطلة على الشارع الفرعي، وأزحتُ الستارة القديمة بيد ترتجف بلا انقطاع.تحت ضوء الشارع الباهت، رأيتُ خطوط الضباب تتصاعد من الأسفلت المبتل. وفي أقصى الزاوية المظلمة للمبنى المقابل... كانت هناك سيارة سوداء مجهولة تقف وبداخلها عدسة كاميرا ذات زوم
تجمّدتُ في مكاني، ويداي المعلقتان فوق حافة السرير الملطخ بأوراق الماضي تشعران برودة شاحبة تنبعث من الخشب المعتق. كانت الصور الثلاث منثورة بين الحرير الأسود وشعري المنتثر. صور لأطباء شبان... أطباء يحملون نفس الملامح الشاحبة، نفس الهالات السوداء الحافرة تحت الأعين، ونفس الانكسار الخفي الذي كنتُ أغطيه بقميصي الطبي كل صباح. «تم الاستهلاك... في انتظار التالي.» كانت «كارما» تستند بكتفها العاري على الوسادة، وعيناها الداكنتان ترصدان كل اختلاجة في وجهي ببرود مريع. لم تحاول إخفاء الصور، ولم تتحرك لتعديل ثوبها؛ بل كانت تتأمل ذعري بابتسامة خفيفة، ابتسامة صياد يرى طريدته تكتشف أطراف الفخ بعد أن أُغلق عليها الباب بالكامل. ـ «كارما...» نطقْتُ الكلمة بصوت متهدج وخاوٍ، وكأن جبالاً من الركام تطبق على صدري: «من... من هؤلاء؟» رفعت يدها الناعمة، وبأطراف أصابعها الملساء رفعت إحدى الصور المسقوطة على السرير. تأملت وجه الطبيب الشاب في الصورة، ثم نفثت زفيراً هادئاً وقالت بنبرة ناعمة وحاسمة كحافة المشرط: ـ «هؤلاء هم السلسلة يا إياد... الأرواح النظيفة التي ظنت أنها تستطيع أن تذوق الحرام وتعود إلى بيوت
كان صفيح السلالم الخشبية تحت قدميّ يئنّ في عتمة المبنى؛ كل خطوة صاعدة كانت تصدر صوتاً مكتوماً كأنه تحذير متكرر.تحذيرات «فارس» الصارمة، نظرات «نغم» الخائفة، ولمسة «سارّة» النقية التي رددتها ببرود في أروقة المستشفى... كل تلك المشاهد كانت تتزاحم في ذهني كأصوات خلفية باهتة، تتلاشى أمام حرارة الرغبة العارمة التي تسحبني نحو الأعلى.توقفتُ أمام باب شقتها في الطابق العلوي.كان الباب موارباً بضعة سنتيمترات، ويتسلل من خلال الفتحة الضيقة شعاع ناعم من الضوء الأحمر الداكن، محملاً برائحة التبغ العطري والمسك. تنفستُ العمق ببطء، وصدري يعلو ويهبط مضطرباً.مددتُ يدي المرتجفة ودفعتُ الباب.انفتح الباب ببطء وبلا صوت، لتستقبلني الغرفة بهدوئها المعتاد وموسيقاها الكلاسيكية الخافية. كانت «كارما» تقف أمام المرآة الكبيرة الممتدة على الحائط، تعطي ظهرها للباب.كانت ترتدي رداءً حريرياً أبيض هذه المرة، يلتصق بانحناءات جسدها بانسيابية مذهلة، ومفتوحاً عند الظهر ليظهر بياض بشرتها الناصع تحت الضوء الداكن. شعرها النبيذي كان مرفوعاً بمهل بلمسة إهمال تثبّته دبوس خشبي صغير.لم تلتفت فوراً عند دخولي، بل بدأت بفك الدبوس بب
كانت العتمة في غرفتي بأسفل المبنى أثقل من أن تُحتمل.استلقيتُ على السرير المستعار، بقميصي المفتوح الأزرار وزفيري المتقطع الذي يتردد في أرجاء الزاوية الضيقة. لم أستطع النوم ولو لدقيقة واحدة؛ كلما أغمضت جفنيّ المجهدين، عادت تلك التفاصيل القاتلة لتتجسد أمام عيني بوضوح مرعب.ملمس الحرير الأسود تحت أصابع «كارما»، رائحة المسك الممزوجة بدخان سيجارتها الرفيعة، وتلك البقعة الحمراء المضاءة التي جعلت منها ملاذاً وجحيماً في آن واحد.رفعتُ يدي لأتأمل أصابعي تحت ضوء الشارع الباهت المتسلل عبر النافذة. هذه الأصابع التي يُفترض بها أن تمسك المشرط لفتح أجساد المرضى وتأمين الشرايين، كانت ترتجف كالطفل الخائف، لا تطالب إلا بفرصة جديدة لمسح ذلك الجلد الشاحب الذي يرتفع وينخفض فوق رأسي تماماً.غفوتُ لدقائق معدودة قبيل الفجر، لأستيقظ على كابوس خانق: كنتُ أقف في غرفة العمليات، وبدلاً من المريض، كانت كارما تستلقي على الطاولة البيضاء بابتسامتها الساخرة، ومشرطي يلتوي في يدي دون أن يستطيع ترك أي أثر على بشرتها.في صباح اليوم التالي بالمستشفى، كان الضباب يغطي ذهني بالكامل.أمش في الممرات الطويلة برداء الأطباء الأبيض







