LOGIN… في ليلة واحدة، فقدت والديها، ومنزلها، والحياة البسيطة التي كانت تعرفها. لم يبقَ لها سوى عمها، إبراهيم الراسي، أحد أغنى رجال الولاية ورئيس إمبراطورية الراسي، الذي أصر على أن تعيش معه في قصر العائلة. لكن القصر الذي ظنته ملاذًا… كان بداية حرب لا نهاية لها. هناك كان آدم الراسي… ابن عمها، والوريث الوحيد للإمبراطورية، في الثلاثين من عمره. رجل بارد، متكبر، لا يعرف الرحمة، ويؤمن بأن المال هو الدافع الحقيقي وراء كل إنسان. منذ اللحظة الأولى، حكم عليها دون أن يمنحها فرصة للدفاع عن نفسها. في نظره… هي مجرد فتاة فقيرة جاءت لتعيش في القصر، ولن تلبث أن تطالب بنصيبها من ثروة العائلة. أما عشق… فلم ترَ فيه سوى رجل متغطرس، يظن أن المال يمنحه الحق في التحكم بحياة الآخرين وإصدار الأوامر للجميع. بين نظرات الاحتقار… والمشادات التي لا تنتهي… والأسرار التي دفنتها عائلة الراسي لسنوات… ستتحول الكراهية إلى مشاعر معقدة، وستصبح كل مواجهة بينهما أكثر خطورة من سابقتها. لكن يبقى السؤال… هل يستطيع القلب أن يحب أكثر شخص أقسم على كرهه؟ أم أن بعض الحروب لا تنتهي إلا بتحطيم أحد الطرفين
View Moreتوقفت سيارة الأجرة القديمة أمام بوابة حديدية شاهقة، يتوسطها شعار عائلة الراسي المحفور باللون الذهبي.
حدقت عشق الراسي في القصر الذي امتد أمامها كأنه مدينة صغيرة. تنهدت بصمت، ثم أمسكت حقيبتها الوحيدة. لم تكن تملك سوى بعض الملابس البسيطة… ولا مكانًا آخر تذهب إليه. بعد وفاة والديها بأيام قليلة، أصبحت هذه البوابة هي آخر ما تبقى لها من عائلتها. فتح الحارس الباب، ثم قال باحترام: “تفضلي آنسة عشق… السيد إبراهيم بانتظارك.” دخلت بخطوات مترددة. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا يصل إلى ركبتيها، وحذاءً أبيض قديمًا قليلًا، دون أي مجوهرات أو مظاهر للترف. ورغم بساطة مظهرها… كان من المستحيل ألا تتجه إليها الأنظار. جسدها النحيل منحها أناقة هادئة، وبشرتها الناعمة زادت ملامحها رقة. عيناها اللوزيتان الواسعتان بلونهما العسلي الفاتح كانتا تلمعان ببراءة، بينما ارتسمت على شفتيها الممتلئتين ابتسامة خجولة أخفت شيئًا من حزنها. أما شعرها الأسود الطويل، فكان ينسدل حتى أسفل خصرها. بدت كأنها لوحة هادئة وسط قصر يفيض بالفخامة. في نهاية الصالة وقف رجل في أواخر الخمسينيات، وما إن رآها حتى اتجه إليها بسرعة. احتضنها بحنان، وقال بصوت اختلطت فيه السعادة بالندم: “أهلًا بك يا ابنة أخي…” ابتسمت عشق بخجل. “مرحبًا…” وقبل أن تكمل حديثها… سمعت خطوات ثقيلة تنزل الدرج الرخامي. رفعت رأسها. كان رجل طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء فاخرة، وملامحه جامدة كالصخر. عيناه السوداوان استقرتا عليها للحظات… ثم نزل آخر درجة دون أن يبتسم. قال إبراهيم بابتسامة: “آدم… هذه عشق.” لكن آدم لم يمد يده، ولم يلقِ التحية. اكتفى بالنظر إليها ببرود، ثم قال بنبرة آمرة: “من اليوم… ستنفذين كل ما أطلبه منك.” تجمدت ملامح عشق. تابع دون أن يرمش: “إذا أردتِ أن تستحقي العيش في هذا المنزل.” ساد الصمت. نظرت إليه غير مصدقة ما سمعته. بينما زفر إبراهيم بضيق وقال بحزم: “آدم.” لكن آدم لم يلتفت إليه. بقيت عيناه معلقتين بعشق، وكأنه ينتظر اعتراضها. اقترب إبراهيم منها وقال بأسف: “أعتذر منك يا ابنتي…” تنهد، ثم أكمل بصوت هادئ: “أنا عمك إبراهيم. للأسف، انقطعت علاقتي بوالدك منذ سنوات طويلة بسبب خلافات عائلية… ولم تتح لنا فرصة التعارف كما كنت أتمنى.” أطرق برأسه لحظة، ثم تابع: “وعندما وصلني خبر وفاة أخي… كان قد فات الأوان.” شعرت عشق بغصة في حلقها، لكنها ابتسمت ابتسامة خفيفة احترامًا له. في تلك اللحظة، كان آدم لا يزال يراقبها بصمت. وفي داخله، كان قد أصدر حكمه عليها منذ النظرة الأولى… “فتاة فقيرة… لن يطول بها الأمر قبل أن تكشف أنها جاءت من أجل المال.” أما عشق… فلم ترَ فيه سوى رجل متغطرس، يظن أن الجميع يجب أن ينحني لأوامره. ولم يكن أي منهما يعلم… أن تلك النظرة الأولى كانت بداية حرب لن يكون الخروج منها سهلًا قاد الخادم عشق إلى الطابق الثاني، ثم توقف أمام باب أبيض كبير. “هذه غرفتك، آنسة عشق… وغرفة السيد آدم بجوارها مباشرة.” دخلت عشق ونظرت حولها بإعجاب، قبل أن تدخل خادمتان تحملان عدة أكياس. قالت إحداهما: “هذه ملابس الجامعة، والكتب، والحاسوب، وكل ما ستحتاجينه للدراسة.” وأضافت الأخرى وهي تضع مجموعة من المناشف ولوازمها الشخصية: “إذا احتجتِ أي شيء، نحن في خدمتك.” ابتسمت عشق بخجل. “شكرًا لكم.” غادر الجميع، وبقيت وحدها في الغرفة. جلست على السرير، ثم همست بضيق: “يبدو أن العيش بجوار ذلك المتغطرس… سيكون أصعب مما توقعت. ما إن أُغلق باب الغرفة حتى انهارت عشق. ألقت حقيبتها جانبًا، وارتمت على السرير، ودفنت وجهها في الوسادة، بينما انهمرت دموعها بصمت. “اشتقت لكما…” لم يكن في الغرفة سوى صوت بكائها. في تلك اللحظة، مرّ إبراهيم الراسي أمام غرفتها. كان ينوي الاطمئنان عليها دون أن يزعجها، لكنه لاحظ أن الباب لم يكن مغلقًا بالكامل. توقف للحظة… ومن خلال الفتحة الصغيرة، لمحها تبكي بحرقة. تجمد مكانه. لم يشأ أن يدخل أو يحرجها، فأغلق الباب بهدوء كما كان، واستدار وغادر. لكن أول ما خطر في ذهنه كان ابنه. لا بد أن آدم قال لها شيئًا آخر. اشتعل الغضب في عينيه، واتجه مباشرة إلى غرفة آدم. دفع الباب دون أن يطرق. رفع آدم نظره باستغراب. “أبي؟” قاطعه إبراهيم بصوت غاضب: “ما الذي قلته لها؟!” قطب آدم حاجبيه. “عمّ تتحدث؟” ضرب إبراهيم بيده على المكتب بقوة. “كفى يا آدم! وصلت إلى هنا وهي تبكي!” وقف آدم ببطء، وقال ببرود: “لم أفعل شيئًا.” اقترب منه والده حتى أصبح أمامه مباشرة. “اسمعني جيدًا… مهما كان رأيك بها، فهي ابنة أخي، وستعيش في هذا المنزل كما تعيش أنت.” صمت لثانية، ثم أكمل بلهجة حازمة: “وهذا إنذار أخير… إذا علمت أنك أذيتها أو جعلتها تبكي مرة أخرى، فلن يمر الأمر دون عواقب. هل فهمت؟” ظل آدم صامتًا، بينما غادر إبراهيم الغرفة غاضبًا، تاركًا ابنه يتساءل في داخل لماذا تبكي في الجهة الأخرى من الممر، كان آدم يقف أمام والده بصمت، يستمع إلى توبيخه الحاد. “هذا آخر إنذار يا آدم. لن أسمح لك بإيذاء عشق أو إهانتها مرة أخرى.” ما إن خرج إبراهيم وأغلق الباب حتى أطلق آدم ضحكة ساخرة. تمتم باحتقار: “يا لها من ممثلة قذرة… من أول يوم بدأت تلعب دور الضحية لتكسب ود أبي.” أدار المقبض بعنف واتجه نحو غرفتها. دفع الباب بقوة حتى ارتطم بالحائط. رفعت عشق رأسها بفزع، وما إن نهضت حتى كان قد وصل إليها. أمسكها من شعرها بقسوة وجذبها نحوه حتى لم يعد يفصل بين وجهيهما سوى سنتيمترات قليلة. قال بصوت مليء بالغضب: “أتظنين أنك ستتلاعبين بأبي بهذه السهولة؟” ضغط على كلماته باحتقار. “ما خطتك التالية؟ أن تحاولي إغرائي؟ ثم تتسللين إلى فراشي ليلًا لتصبحي سيدة هذا القصر؟” اتسعت عينا عشق من الصدمة، بينما كانت تحاول إبعاد يده عن شعرها. قال ببرود جارح: “يا لك من فتاة حقيرة.” تألمت عشق، لكن نظراتها لم تنكسر. حدقت في عينيه وقالت بغضب: “تتهمني أنا؟” ضحكت بسخرية رغم الألم. “أنت آخر شخص يحق له الحديث عن الشرف.” ازدادت ملامحه قسوة. فأكملت بثبات: “أنت من اعتاد الظهور مع فتيات السهر في كل مناسبة… وفضائحك تملأ الصحف.” ثم نظرت إليه بازدراء وقالت: “إن كان هناك شخص قذر هنا… فهو أنت.” ساد صمت ثقيل. وفي لحظة اندفاع، رفعت يدها… صفعته. دوّى صوت الصفعة في أنحاء الغرفة. ثبت آدم مكانه لثوانٍ، وقد اتسعت عيناه من شدة المفاجأة. لم يسبق لأحد أن تجرأ على صفعه. أدار وجهه ببطء، ثم نظر إليها بنظرة باردة أخافت حتى الهواء من حولها. من دون أن ينطق بكلمة، استدار واتجه نحو الباب. خرج من الغرفة، ثم أغلقه بقوة. وأدار المفتاح من الخارج. سمعت عشق صوت القفل، فأسرعت نحو الباب وأمسكت بالمقبض. حاولت فتحه… لكنه كان مغلقًا. صرخت بغضب: “آدم! افتح الباب!” لكن خطواته كانت تبتعد في الممر، تاركًا إياها حبيسة الغرفةلكنه لم يبتعد كثيرًا قبل أن يعود وينظر إلى آدم بجدية مصطنعة. — آدم، عليك أن تدير ظهرك الآن. نظر إليه آدم: — لماذا؟ — لأنك ستنتظر هنا وظهرك للممر. وعندما تأتي العروس ستضع يدها على كتفك، عندها فقط تلتفت إليها وترفع الطرحة عن رأسها. قال آدم فورًا: — لا. قال جورج: — ماذا يعني لا؟ — يعني سأقف وأنظر إليها وهي تأتي. تدخل إبراهيم: — لا، سنفعلها هكذا. قال نور: — أجل، أجمل. حتى يوسف قال وهو يضحك: — أدر ظهرك يا بني. نظر آدم حوله بعدم تصديق: — هل اتفقتم جميعًا ضدي في يوم زفافي؟ قال الجميع تقريبًا: — نعم! تنهد آدم بضيق: — حسنًا. أدار ظهره نحو الممر ووقف أمام البحر. قال جورج: — وممنوع الغش. — اغرب عن وجهي. ضحك جورج وغادر. ⸻ مرت خمس دقائق. ثم عشر. ثم خمس عشرة دقيقة كاملة. بدأ آدم يفقد صبره. — لماذا تحتاج خمس عشرة دقيقة لتأتي من هناك إلى هنا؟ قال إبراهيم: — اصمت وانتظر عروسك. وفجأة… بدأت الموسيقى الهادئة تعلو. تحرك الجميع إلى أماكنهم. قال جورج من مكان ما خلف آدم: — استعد! أخذ آدم نفسًا عميقًا. ثبت عينيه على البحر أمامه.
حاول آدم التحدث إلى ياقوت أكثر من مرة خلال الأيام التالية.في المرة الأولى، انتظر طويلًا أمام غرفتها، ثم دخل بهدوء بعدما أخبرته الممرضة أنها مستيقظة.ما إن رأته ياقوت عند الباب حتى تغير وجهها فورًا.— اخرج.توقف آدم مكانه.— ياقوت، فقط خمس دقائق. لن أجادلك، أريد فقط أن—ارتفع صوتها:— قلت اخرج!— اسمعيني فقط، وبعدها لن—صرخت فجأة:— لا أريد سماع صوتك! اخرج من غرفتي!بدأ جهاز مراقبة نبضها يصدر إشارات أسرع.دخلت الممرضة فورًا:— سيد آدم، عليك الخروج.قال آدم وهو ينظر إلى ياقوت:— لن أزعجها، فقط أريد—صرخت ياقوت وهي تبكي:— أخرجوه! أرجوكم أخرجوه!أمسك الطبيب بذراع آدم وأبعده عن السرير.— هيا، سيدي. إلى الخارج.قاوم آدم للحظة:— ياقوت، أنا فقط—— اخرج!أُخرج آدم من الغرفة عنوة وأُغلق الباب أمامه.وقف في الممر ينظر إلى الباب طويلًا.⸻وفي اليوم التالي حاول مجددًا.هذه المرة أوقفه يوسف قبل أن يدخل.— آدم، لا.— عمي، أريد الحديث معها فقط.— وهي لا تريد الحديث معك.قال آدم بألم:— أعرف… لكن لا يمكن أن ينتهي كل شيء بهذه الطريقة.قال يوسف:— ابنتي عندما تراك تنهار. أنت رأيت ماذا يحدث لنبضها.—
مرت ثلاثة أيام أخرى… وكان تحسن ياقوت واضحًا يومًا بعد يوم. في اليوم الأول بدأت تتناول الطعام بشكل أفضل، وفي اليوم الثاني أصبح صوتها أوضح واستطاعت الحديث لفترات أطول، أما في اليوم الثالث فقد أصبحت قادرة على الجلوس وحدها على السرير. وكان آدم يتعامل مع كل تقدم صغير وكأنه إنجاز عظيم. في الصباح دخل الغرفة يحمل لها الإفطار، فوجدها جالسة وحدها تقلب هاتفها. توقف عند الباب وحدق بها. رفعت ياقوت عينيها: — ماذا؟ قال آدم: — جلستِ وحدك؟ — أجل. — دون أن تناديني؟ رفعت حاجبها: — آدم، أنا جلست فقط، لم أتسلق جبلًا. اقترب منها ووضع الطعام جانبًا: — بالنسبة لي تسلقتِ جبلًا. قبل رأسها، ثم جلس بجانبها. — كيف تشعرين؟ — أفضل بكثير. ثم نظرت إلى الطعام: — ماذا أحضرت؟ ضحك: — كنت أعرف أن هذا سيكون السؤال الثاني. ⸻ بعد الظهر، دخلت الطبيبة ومعها إحدى الممرضات. فحصت ياقوت ثم قالت: — اليوم سنحاول الوقوف قليلًا. قال آدم فورًا: — لا. التفت الجميع إليه. قالت ياقوت: — ماذا «لا»؟ — مبكر. قالت الطبيبة: — سيد آدم، يجب أن تبدأ الحركة تدريجيًا. قال آدم بجدية: — منذ ثلاثة أيام كانت بالكاد تت
.كان واقفًا أمام غرفة العمليات، ينظر إلى الباب تارة وإلى آدم تارة أخرى، لكن وجهه أصبح شاحبًا جدًا، وأنفاسه ثقيلة، ويده لا تفارق صدره.اقترب منه الطبيب فورًا:— سيدي، عليك أن تجلس.هز يوسف رأسه:— لا… لن أذهب قبل أن تخرج ابنتي.جلس رغمًا عنه عندما بدأت قدماه تضعفان.فحصه الطبيب بسرعة ثم قال بجدية:— أنت متعب جدًا، والضغط النفسي بهذه الصورة قد يؤذي قلبك. عليك العودة إلى المنزل والراحة الآن.قال يوسف بصوت مبحوح:— وكيف تريدني أن أرتاح وابنتي هناك؟— وجودك هنا لن يغير ما يفعله الفريق لها، لكن استمرارك بهذه الحالة قد يجعل لدينا مريض آخر خلال دقائق.اقترب إبراهيم ووضع يده على كتف يوسف:— سأوصلكم إلى المنزل.— إبراهيم، لا أستطيع تركها…— أنا سأعود. وآدم هنا. فور أن يظهر أي خبر سأتصل بك.نظر يوسف نحو آدم.كان واقفًا أمام باب العمليات.لم يتحرك.لم يشاركهم الحديث أصلًا.قال يوسف:— آدم… بني؟لا إجابة.— آدم، سأذهب قليلًا.لم يسمع.أو ربما سمع ولم يستطع الاستجابة.كانت عيناه مثبتتين على شيء واحد فقط:الضوء الأحمر فوق غرفة العمليات.أخذ إبراهيم يوسف ووالدة ياقوت وغادر بهما.وبقي آدم.⸻مرت ساعة






reviewsMore