登入— "خلاص بقى.. يلا بينا عشان العيلة مستنيانا بره ومجهزين احتفال تاني خالص بيكِ وبخطوبتنا!" في إحدى القاعات الكبرى المطلة على النيل.. سادت أجواء من الفخامة والبهجة؛ الأضواء الدافئة تعكس جمال الورود البيضاء والذهبية الممتدة في كل أرجاء القاعة، وصوت الموسيقى الهادئة يملأ المكان بالسكينة والسرور. لم تكن هذه خطوبة العادية، بل كانت احتفالية ردّ اعتبار كاملة لياسمين أمام الأهل والجميع، واسترجاعاً لكل لحظة حزن عاشتها. تألقت ياسمين بفستان أبيض راقٍ يشبه فساتين الأميرة، تزينها ابتسامة ناصعة تعكس طيبة قلبها وكرامتها المستردة. كان إسلام يقف بجانبها بكامل أناقته وسعادته، وعيناه لا تفارقان عينيك كأنه يعتذر ويحتفل بها في كل لحظة. حضَرت العائلة بالكامل: الأم تبكي دموع الفرح، ومريم تقف بجانب ياسمين وملك تساعدهما باهتمام ومحبة صادقة، وملك ترتدي فستاناً هادئاً وابتسامتها تضيء وجهها بعد الشفاء. وفي منتصف الحفل، استأذن إسلام وأخذ الميكروفون، وعمت القاعة حالة من الصمت والاهتمام. وقف إسلام في المنتصف، ونظر إلى ياسمين ثم وجه كلامه إلى الحضور بثبات ونبرة قوية مليئة بالافتخار: — "أهلاً بكل حضراتكم
بعد أن انتهت ياسمين من كلماتها الشجاعة المؤثرة، والتي اختتمتها بالآية الكريمة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وهي تنظر في اتجاه الرجل المقعد على الكرسي المتحرك... كان ذلك الرجل ينكس رأسه إلى الأسفل، وعيناه تفيضان بالدموع، وجسده المنهك يرتجف انكساراً وندماً. لم يكن ذلك الرجل سوى والد سيف، الرجل الذي كان في يوم من الأيام يملك النفوذ والقوة والتجبر، وظلم ياسمين وتجبر عليها واستغل سلطته لدهس حقها! ودار الزمان دورته.. وأصبح المقعد الضعيف الذي لا يستطيع الحركة بمفرده، بينما تقف هي أمامه في قمة نجاحها وقوتها وشرفها، كالعلم الشامخ الذي يصفق له الجميع! وفي تلك اللحظة.. دخل سيف القاعة بخطوات ثقيلة ومترددة. كان سيف يرتدي بدلة أنيقة، لكن ملامح وجهه كانت تحمل ذلاً واضحاً وحزناً غائراً. تحرك بخطوات بطيئة نحو الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه والده. التفتت إليه ياسمين بنظرة ثاقبة وهادئة، بينما نظر سيف إليها بعيون متوسلة ملؤها الخجل والندم، لا يستطيع حتى أن يرفع عينيه في عينها القويتين. اقترب سيف من والده، وانحنى على الكرسي ليضع يده على كتفه، فقال الأب بصوت متهدج ومختنق
ردت ياسمين بابتسامة خافتة ورسمية: — "ميرسي." — "ألف مبروك على النجاح." قالت بتواضع: — "دا لسه الافتتاح!" ابتسم علي وأوضح لها: — "قصدي نجاحك أنتِ.. الكلية!" تنهدت وقالت: — "اه.. الله يبارك فيك.." سألها باهتمام: — "ناوية على إيه؟" ردت بنظرة طموحة رغم الحزن: — "السلك الدبلوماسي.. بس مش عارفة هتقبل وأنجح في الاختبارات ولا لأ." قال علي علي سبيل المزاح وهو يشير بطرفه إلى القاعة: — "أظن كارت واحد من أصغر اسم في الناس اللي جوه دي ينجحك في أي اختبار!" التفتت إليه ياسمين بسرعة، وقالت بصلابة وكبرياء نقي: — "مش عوزة أنجح بالواسطة.. أفضل أسقط أحسن ما أنجح بالواسطة! عوزة أنجح علشان إمكانياتي وكفاءتي، وإني أستاهل المكان اللي أروحه.." تطلع علي إليها بإكبار شديد، وقال وابتسم في ثقة: — "تستاهلي وهتنجحي!" انتهى الحفل بسلام، وعادت ياسمين إلى منزلها مرة أخرى وإلى إيقاع حياتها الهادئ. وبعد يومين.. أضاء هاتفها برسالة رسمية من الجامعة تُبلغها بموعد حفل التخرج والتكريم؛ الموعد الذي طالما انتظرته طويلاً وحلمت به طوال سنوات دراستها واجتهادها! جهزت نفسها جلياً لهذا اليوم
أمام منزل سمر.. كانت تقف تمسك بهاتفها بقلة صبر، تنتظر بخيلاء وثقة أن تسمع خبر القبض على فارس، أو خبر انهيار ياسمين التام. ابتسامة الشماتة لم تفارق شفتيها، حتى لمحت ظل خطوات سريعة تقترب منها بقوة.. رفعت رأسها لتجد إسلام يقف أمامها! في تلك اللحظة، لم يكن إسلام ذلك الشاب المخدوع أو المتردد.. كانت عيناه كأنها الجمر المشتعل، وملامحه جامدة كالصخر تقطر غضباً وازدراءً. ابتلعت سمر ريقها بتوتر مفاجئ، لكنها حاولت رسم ابتسامة مرتبكة وادعاء البراءة كعادتها: — "إسلام؟! خير يا حبيبي.. في حاجة؟ أنت كويس؟!" خطا إسلام خطوة واحدة نحوها، فترجعت هي خطوتين للخلف رعباً من هيئته. قال بصوت خافت، هادئ بشكل يخيف العظام، ويحمل قسوة أشد من الصراخ: — "كنت فاكر إن الحقد بيعمي العيون بس.. طلع بيعمي النفوس وبيحول البني آدم لحيوان مبيفكرش غير في الأذية!" تصبب العرق البارد من جبهة سمر، وقالت بنبرة متلعثمة تتصنع الذهول: — "أنت.. أنت بتقول إيه يا إسلام؟! أنا عملت إيه؟! أنا كل اللي عملته إني حذرتك وحافظت على أختك وعلى سُمْعتك!" ضحك إسلام ضحكة سخرية ممرورة هزت المكان، ثم اقترب منها حتى صار على بعد خطوات
أطرقت ملك رأسها بخوف وقالت: — "حاضر اتفضل.." في غرفة ملك.. كان الهواء مشبعاً بالخوف والترقب، إسلام يقف كالجبل الغاضب وأصابعه تقبض على هاتف ملك بقسوة. وفجأة.. أضاءت الشاشة، وارتفع صوت نغمة الهاتف تعلن عن اتصل من ياسمين! نظرت ملك إلى الاسم المكتوب على الشاشة بلهفة وشوق، بينما تحجرت عينا إسلام، وسحبت الغيرة والغضب الأعمى عاطفته. فتح المكالمة بنفسه دون مقدمات، ووضع الهاتف على أذنه. على الناحية الأخرى، كان صوت ياسمين ينطلق كالعصفور الشادي، مفعماً بالبهجة والأمل: — "باركيييلي يا ملوووكااا.. باركيلي!" لكن إسلام لم يترك لها مساحة للتنفس، بل عاجلها بصوت كأنه صاعقة هادمة يقطر قسوة وازدراء: — "تبارك لك على إيه?! على غشك وخداعك?! عوزة مننا إيه؟! ابعدي بقى عننا.. مش كفاية نقص وكدب بقى?!" وقبل أن تستوعب كلماته، أغلق الخط في وجهها بحدة! التفت إسلام إلى ملك، ألقى الهاتف على الأرض ليتناثر أجزاءً، وصرخ بوجهها بعيون حارقة وصوت هز أركان الغرفة: — "هي السبب مش كده?! كنتِ بتكذبي عليا! مين فارس دا?! هي اللي زقته عليكِ?! كلام سمر طلع صح! بتكذبي عليا ليه?! وهي.. هي إزاي خدعتني فيها كده?
تنهد مروان بقلب مكلوم، وانسكبت الدموع من عينيه وهو يتكلم لأول مرة بعفوية: — "معرفش إذا كنت بشوفها فيكي ولا بشوف نفسي! عندك حق.. كل واحد فينا جواه شخص بيعاني ومحتاج مساعدة، حتى لو كان دكتور!" ابتسمت ياسمين في هدوء وتفهم عميق. تحدث مروان كثيراً، أفرغ كل ما في صدره من ألم وذنب وحسرة.. شعر بروحه تتحرر أخيراً من حمل ثقيل حبسه داخله لسنوات طوال! لم يكن يريد حتى إظهار المعاناة للناس؛ فكيف يكون الطبيب والمريض في آن واحد؟! كان الجميع يظنون أن كونه طبيباً نفسياً يجعله قادراً على علاج نفسه بسهولة.. لا أحد يعلم أنه كان يغرق أكثر وأكثر، حتى هو لم يكن يعلم ذلك! في وقت لاحق.. كانت المواجهة المحتومة! وقفت ياسمين أمام "سمر"، ونظرت إليها بجمود وقوة استجمعتهما لمواجهة هذا الشر. سألتها سمر بتوتر ومكابرة: — "قُلتِ عوزة تقابليني ضروري.. في إيه؟" ردت ياسمين بثبات وهي تجلس أمامهما بنبرة حادة: — "لا مفيش.. كنت عوزة أعرف بس عوزة مني إيه؟ وشاغلة دماغك بيا ليه؟ وجيت بنفسي بدل اللف والدوران!" نظرت سمر إليها بصدمة وشحوب، وبلعت ريقها بتوتر ظهَرَ جلياً على ملامحها وهي تحاول إخفاء ارتباكها وادعاء







